بعض الحوارات الصحفية تنتهي بانتهاء اللحظة التي وُلدت فيها، وبعضها الآخر يظل مفتوحاً على المستقبل، لأن الأحداث اللاحقة تمنحه حياة جديدة وتدفع القارئ إلى العودة إليه بعين مختلفة. ومن هذا النوع الحوار الذي جمع، سنة 2017، الصحفي حسن عين الحياة بالفلكي المغربي عبد العزيز الخطابي، في مادة صحفية لافتة نُشرت عبر أسبوعية «المشعل» وقناة «شوف تيفي». وقد ورد الحوار في العدد 541 من أسبوعية «المشعل»، الصادر خلال الفترة الممتدة من 5 إلى 11 يناير 2017، ضمن مادة حملت عنوان «هذه أبرز توقعاتي لسنة 2017»، قبل أن يوثق الحوار أيضاً بالصوت والصورة عبر «شوف تيفي».

واليوم، ونحن في سنة 2026، وبعد مرور نحو تسع سنوات على ذلك الحوار، تبدو العودة إليه أكثر من مجرد استعادة لمادة صحفية قديمة. إنها محاولة لقراءة الماضي من خلال ما حدث بعده، ومقارنة ما قيل في لحظته بما عرفه المغرب لاحقاً من تحولات سياسية وحزبية.
والأهم أن هذا الحوار لم يبقَ مجرد نص في ذاكرة من تابعوه؛ فهو موثق ومسجل بالصوت والصورة عبر قناة «شوف تيفي»، كما نُشر في سياق صحفي عبر أسبوعية «المشعل»، التي يديرها الصحفي إدريس شحتات. وهذه التفاصيل تمنح الحوار قيمة أرشيفية إضافية، لأنها تتيح العودة إلى المادة الأصلية كما قُدمت في زمنها، بعيداً عن الذاكرة الانتقائية أو إعادة صياغة الأحداث بعد وقوعها.
ولعل ما أعطى ذلك الحوار خصوصيته أيضاً شخصية محاوره. فقد كان حسن عين الحياة من الصحفيين الذين عرفوا كيف يقتربون من عالم عبد العزيز الخطابي، ولم يتعامل معه باعتباره مجرد ضيف يقدم توقعات عامة، بل حاول فهم طريقته في القراءة، وطرح أسئلة تتصل بالأسماء السياسية والأحداث المنتظرة، بما أتاح للحوار أن يتجاوز الصيغة التقليدية لحوارات الأبراج والتوقعات.
كان عين الحياة يفهم لغة الخطابي وطريقته في بناء قراءاته، ولذلك بدا الحوار أكثر تركيزاً على الأسئلة الكبرى التي كانت مطروحة في المغرب آنذاك: مستقبل عبد الإله بنكيران، مآل مفاوضات تشكيل الحكومة، موقع عدد من الأحزاب والقيادات، وإمكان حدوث تحولات في موازين القوى السياسية.
في تلك الفترة، كان عبد الإله بنكيران قد كُلّف بتشكيل الحكومة بعد انتخابات 2016، وكانت المفاوضات لتكوين الأغلبية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة. وفي الحوار، قدم الخطابي قراءة فلكية تحدث فيها عن صعوبات وأزمة محتملة في طريق بنكيران، وعن عراقيل يمكن أن تحول دون استكمال مهمته.
وبعد ذلك بأسابيع، دخل المغرب فعلاً مرحلة سياسية عُرفت إعلامياً بـ«البلوكاج الحكومي». وتعقدت مفاوضات تشكيل الأغلبية، وانتهت في مارس 2017 بإعفاء بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة وتكليف سعد الدين العثماني بتشكيلها.
وبغض النظر عن الاختلاف حول طبيعة العلاقة بين التوقع والحدث، فإن التسلسل الزمني يجعل العودة إلى الحوار أمراً مشروعاً للباحث والقارئ معاً: ماذا قيل قبل وقوع الأزمة؟ وما الذي حدث فعلاً؟ وأين تتطابق القراءة مع الوقائع، وأين تفترق عنها؟
ولم يتوقف الحوار عند بنكيران. فقد تناول أيضاً عدداً من الوجوه السياسية البارزة، من بينها عزيز أخنوش، الذي كان في تلك المرحلة رئيساً لحزب التجمع الوطني للأحرار. ووفق القراءة التي قدمها الخطابي آنذاك، كانت هناك مؤشرات على صعود سياسي وتوسع في النفوذ.
وبعد سنوات، اكتسبت تلك القراءة أهمية إضافية بالنسبة إلى متابعي الحوار، بعدما أصبح عزيز أخنوش رئيساً للحكومة إثر انتخابات 2021، في تحول سياسي كبير أعاد ترتيب مواقع عدد من القوى والأسماء داخل المشهد المغربي.
وفي الاتجاه الآخر، تناول الحوار المسار السياسي لإلياس العماري، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، متحدثاً عن مرحلة من التراجع في الحضور والنفوذ. وفي أغسطس 2017، أي بعد أشهر قليلة من الحوار، أعلن العماري استقالته من قيادة الحزب، في واحدة من أبرز التطورات الحزبية التي عرفها المغرب خلال تلك السنة.
هذه الوقائع لا تعني، بطبيعة الحال، أن كل ما ورد في الحوار تحقق، ولا تجعل من الممكن التعامل مع التوقعات باعتبارها نتائج محسومة سلفاً. فهناك قراءات تصيب وأخرى تخطئ، وهناك أحداث تتقاطع مع التوقعات في بعض جوانبها دون أن تتطابق معها بالكامل. ولهذا فإن القيمة الحقيقية لإعادة نشر الحوار تكمن في إتاحته للقارئ كما قيل في زمنه، ثم ترك الوقائع اللاحقة تتحدث عن نفسها.
وهنا تحديداً تبرز أهمية الصحافة والأرشيف. فالنص الذي يُنشر في لحظته، والحوار الذي يُسجل بالصوت والصورة، يتحولان مع مرور الزمن إلى وثيقة تسمح بمقارنة التوقع بالحدث، والخطاب بالواقع، وما كان يبدو احتمالاً في الماضي بما أصبح حقيقة أو لم يصبح كذلك في الحاضر.
ومن هذه الزاوية، فإن إعادة نشر حوار 2017 هي أيضاً نوع من الوفاء للصحفي حسن عين الحياة، الذي أدار الحوار في مرحلة سياسية دقيقة، وتميز بقدرته على فهم شخصية عبد العزيز الخطابي وطريقة اشتغاله، وعلى تحويل الموضوع إلى مادة صحفية قابلة للنقاش والمتابعة.
كما أنها مناسبة لاستحضار دور «المشعل» في حفظ هذا النوع من المواد الصحفية، واسم إدريس شحتان الذي يدير الأسبوعية، إلى جانب التوثيق المرئي الذي وفرته «شوف تيفي». فحين تكون المادة محفوظة في أكثر من وسيط، يصبح الرجوع إليها اليوم أكثر أهمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتقييم ما قيل قبل سنوات ومقارنته بما وقع لاحقاً.
لقد تغير المشهد المغربي كثيراً منذ ذلك الوقت. أسماء صعدت، وأخرى تراجعت، وقيادات غادرت مواقعها، وأحزاب أعادت ترتيب أوراقها، فيما انتقل بعض الفاعلين من مواقع المعارضة أو القيادة الحزبية إلى مواقع المسؤولية الحكومية.
وبين 2017 و2026، يصبح الحوار أشبه بمرآة زمنية: نعود إليه اليوم لا لكي نبحث فقط عن التوقعات التي أصابت، وإنما لكي نرى كيف كان المشهد يبدو في عيون الصحافة والفلك والسياسة قبل أن تكشف السنوات اللاحقة ما تخبئه.
ولذلك فإن قيمة الحوار لا تكمن في سؤال واحد من قبيل: «هل صدقت التوقعات أم أخطأت؟». السؤال الأعمق هو: كيف نقرأ نصاً تنبؤياً بعد تسع سنوات من كتابته؟ وكيف نفرق بين المصادفة والتوقع، وبين القراءة الرمزية للنجوم والتحليل السياسي، وبين ما قيل في لحظته وما نعرفه اليوم من نتائج؟
إن إعادة نشر الحوار بهذه الروح تمنحه فرصة ثانية للحياة، وتمنح القارئ فرصة نادرة للعودة إلى سنة 2017 من موقع سنة 2026. وهي، في الوقت نفسه، تحية إلى الصحفي حسن عين الحياة، وإلى تجربة صحفية جمعت بين الإعلام والفلك والسياسة في لحظة كان المغرب فيها يعيش واحدة من أكثر مراحله السياسية إثارة للنقاش.
حتى لا ننسى ذلك الحوار، فهو ليس مجرد ذكرى عابرة؛ إنه مادة صحفية موثقة بالصوت والصورة، تعود إلى عدد أرشيفي محدد من «المشعل» وإلى تسجيل مصور عبر «شوف تيفي». وبعد تسع سنوات، لم يعد السؤال فقط: ماذا قال عبد العزيز الخطابي في 2017؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا بقي من ذلك الكلام عندما وضعه الزمن أمام امتحان الواقع؟
























