
عبد العزيز الخطابي
·
في الحياة السياسية. لا تكمن المشكلة دائماً في وجود الأحزاب. وإنما في احتمال أن تتحول الأحزاب. مع مرور الوقت. من أدوات للتأطير والتمثيل والمنافسة الديمقراطية إلى بوابات شبه إلزامية للعبور إلى مواقع المسؤولية. وعندما يحدث ذلك. يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: أين يقف المواطن المستقل الذي اختار ألا ينتمي إلى أي حزب. لكنه يمتلك الكفاءة والرؤية والرغبة في خدمة بلده؟
لا يتعلق الأمر هنا بشخص يبحث عن منصب. ولا بمواطن يعتبر الوزارة غاية في حد ذاتها. وإنما بسؤال أوسع حول معنى المشاركة في الدولة الحديثة. فإذا كانت المسؤولية العمومية تتطلب الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز. فلماذا ينبغي أن يكون الانتماء الحزبي. بصورة مباشرة أو غير مباشرة. أحد مفاتيح الوصول إليها؟
لا أحد ينكر الدور المركزي الذي تضطلع به الأحزاب في الحياة الديمقراطية. فهي مؤسسات للتأطير السياسي، وإنتاج النخب. والتعبير عن الاختيارات المجتمعية. والمشاركة في الانتخابات وتشكيل الحكومات. لكن الاعتراف بهذا الدور لا يعني أن تتحول الحياة العامة إلى مجال مغلق على المنتمين إليها. أو أن يصبح المواطن المستقل أقل حظاً في ممارسة حقه في المشاركة وتحمل المسؤولية.
بل إن الديمقراطية نفسها تفترض تعدد مصادر الكفاءة والخبرة. فليس كل خبير سياسياً. وليس كل مفكر حزبياً. وليس كل باحث عضواً في تنظيم سياسي، كما أن كثيراً من أصحاب التجارب المهنية والفكرية يختارون. عن قناعة. أن يحتفظوا باستقلالهم عن التنظيمات الحزبية. فهل يعني ذلك أنهم أقل مواطنة أو أقل قدرة على خدمة الدولة والمجتمع؟
المسألة تصبح أكثر تعقيداً عندما ندخل إلى النقاش مسألة النخب والعائلات السياسية. فمن الطبيعي أن ينشأ أبناء وبنات الأمناء العامين والقيادات الحزبية داخل بيئة سياسية تمنحهم معرفة مبكرة بالمؤسسات والعلاقات والشبكات وآليات العمل العام. وهذا في حد ذاته ليس عيباً. كما أن نجاح أي شخص من أبناء هذه العائلات لا يمكن اعتباره دليلاً تلقائياً على غياب الاستحقاق.
لكن الديمقراطية لا تكتفي بالنظر إلى النتائج؟ إنها تهتم أيضاً بشروط الوصول إليها. والسؤال المشروع هنا ليس لماذا نجح ابن أو ابنة مسؤول سياسي. وإنما: هل يمتلك المواطن الذي لا ينتمي إلى عائلة سياسية ولا يملك شبكة حزبية مماثلة الفرص نفسها لإثبات كفاءته والوصول إلى مواقع المسؤولية؟
إنها مسألة تتعلق بتكافؤ الفرص أكثر مما تتعلق بالأشخاص.
فالدولة التي تريد أن تستفيد من جميع طاقاتها لا ينبغي أن تبحث عن الكفاءات داخل صناديق حزبية مغلقة فقط. وإنما عليها أن تكون قادرة على اكتشافها في الجامعات، ومراكز البحث. والمهن، والمجتمع المدني، والإدارة. والاقتصاد، والثقافة. وفي مختلف المجالات التي تنتج الخبرة والمعرفة.
والإنسان المستقل ليس بالضرورة إنساناً بعيداً عن السياسة. قد يكون مستقلاً لأنه يريد أن يمارس السياسة من موقع نقدي. أو لأنه لا يجد نفسه في البرامج الموجودة. أو لأنه يعتقد أن دوره في المجتمع لا يتطلب بطاقة حزبية. وقد يكون كاتباً أو باحثاً أو خبيراً أو مفكراً أو صاحب مشروع وطني. لكنه لا يرى مستقبله داخل أي تنظيم سياسي.
هذا الإنسان لا ينبغي أن يشعر بأن استقلاله يتحول إلى عقوبة سياسية.
فالمواطنة لا تُقاس بعدد سنوات العضوية في الأحزاب. ولا بعدد المؤتمرات التي حضرها الشخص. ولا بقربه من القيادات السياسية. المواطنة تُقاس أيضاً بما يقدمه الفرد لمجتمعه. وبقدرته على تحمل المسؤولية. وبمدى احترامه للقانون، وبكفاءته واستعداده لخدمة الصالح العام.
ولذلك فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول إقصاء الأحزاب أو التقليل من دورها، وإنما حول بناء توازن صحي بين التمثيل الحزبي والكفاءة الوطنية. الأحزاب ضرورية للديمقراطية. لكن الدولة تحتاج كذلك إلى كفاءات مستقلة. وإلى خبرات لا تأتي بالضرورة من داخل التنظيمات السياسية.
وقد يكون من المفيد. في هذا السياق، التفكير جدياً في آليات أكثر انفتاحاً لاستقطاب الكفاءات. بحيث لا يصبح الانتماء الحزبي شرطاً ضمنياً لكل من يريد تحمل مسؤولية عامة. فالدولة الحديثة لا تستطيع أن تبني مؤسسات قوية إذا كانت تبحث دائماً عن الأشخاص من الدائرة نفسها، بينما توجد خارجها طاقات وخبرات ربما لم تحصل أصلاً على فرصة الظهور.
المشكلة إذن ليست في أن يكون المسؤول حزبياً. فهذا أمر طبيعي في نظام ديمقراطي، وليست في أن يصل أبناء السياسيين إلى مواقع المسؤولية. ما دام ذلك يتم وفق قواعد الاستحقاق والشفافية. المشكلة تبدأ عندما يشعر المواطن بأن هناك طريقاً سريعاً إلى القرار بالنسبة إلى من يمتلك الانتماء والعلاقات والامتداد العائلي، وطريقاً أكثر وعورة بالنسبة إلى من اختار الاستقلال.
عندها يصبح السؤال السياسي مشروعاً: هل نريد دولة تستفيد من أفضل كفاءاتها، أم دولة تستمر في إعادة إنتاج النخب نفسها؟
هذا السؤال لا يستهدف حزباً بعينه، ولا عائلة بعينها، ولا شخصاً بعينه. إنه سؤال يتعلق بمستقبل الحياة العامة نفسها.
فالمغرب الذي يتغير اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً يحتاج إلى توسيع دائرة المشاركة، وإلى الاستفادة من الكفاءات أينما وجدت. ولا يمكن أن يكون معيار الاختيار هو فقط: من ينتمي إلى أي حزب؟ بل ينبغي أن يكون أيضاً: ماذا يستطيع أن يقدم؟ ما مشروعه؟ ما خبرته؟ وما الذي يمكن أن يضيفه إلى المصلحة العامة؟
أما المواطن المستقل. فلا ينبغي أن يكون مضطراً إلى التخلي عن استقلاله حتى يثبت أنه مواطن كامل الأهلية للمشاركة في الشأن العام.
فالسياسة ليست ملكاً للأحزاب وحدها، كما أن الدولة ليست ملكاً للنخب. والأحزاب، مهما كان دورها، ليست بديلاً عن المجتمع.
في النهاية، قد لا يصبح الإنسان المستقل وزيراً، وقد لا يجلس يوماً على كرسي المسؤولية. وقد لا يدخل أصلاً إلى أي حزب. لكن ذلك لا ينبغي أن يعني أن صوته أقل قيمة، أو أن أفكاره أقل أهمية، أو أن حقه في خدمة وطنه أقل من حق غيره.
المسألة، في جوهرها. ليست من سيصبح وزيراً. وإنما كيف نضمن أن يصل إلى المسؤولية، حين يصل إليها، الشخص الأكثر قدرة على خدمة الناس والدولة، لا الشخص الأكثر قرباً من أبواب النفوذ؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي حياة سياسية تريد أن تقنع المواطن بأن الاستحقاق فوق الانتماء. وأن الكفاءة فوق العلاقات، وأن الوطن أوسع من كل الأحزاب.
* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر جسر التواصل







