
طارق المعروفي

انتهت انتخابات 2026، لكن المعركة السياسية الحقيقية تبدأ الآن، مع مرحلة تشكيل الحكومة وترتيب المعارضة وتوزيع مراكز القوة داخل البرلمان.
لقد تابعنا جميعا الحملة الانتخابية و التي لم تختلف كثيرا عن الحملات التي عرفها المغرب منذ عقود، من الزغاريد والرقص والولائم إلى الاعتماد على الفئات الفقيرة والهشة، خصوصا في العالم القروي، حيث يكون الاستقطاب والتأثير الانتخابي أكبر. وبعد النتائج، وما رافقها من نقاش حول ضعف المشاركة وبعض الممارسات والاختلالات، انتقل المشهد إلى مرحلة إعادة هندسة الخريطة السياسية.
لقد أفرزت النتائج خريطة جديدة يتصدرها حزب الأصالة والمعاصرة، يليه التجمع الوطني للأحرار، ثم الاستقلال والعدالة والتنمية. لكن الأهم من ترتيب الأحزاب هو كيفية توزيع الأدوار بين الأغلبية والمعارضة، وخاصة موقع التجمع الوطني للأحرار، الذي كان يقود الحكومة السابقة.
فإذا خرج الأحرار من الحكومة وانتقل إلى المعارضة، فإنه سيصبح، بحكم عدد مقاعده، القوة العددية الأولى داخل المعارضة، متقدما على حزب العدالة والتنمية. وهنا تظهر المفارقة: قد يكون الحزب خارج الحكومة رسميا، لكنه لا يمارس بالضرورة معارضة فعلية، بل قد يستمر في دعم الحكومة في بعض القضايا الأساسية ولا يستخدم كامل أدوات الرقابة البرلمانية ضدها.
وفي الوقت نفسه، فإن قوته العددية قد تمنحه موقعا مؤثرا داخل البرلمان، ومن بين الاحتمالات المطروحة توليه رئاسة لجنة العدل والتشريع. ولا يعني ذلك أن الرئاسة تنتقل إليه آليا، فهي تخضع للمسطرة والانتخاب داخل المجلس، لكن موقعه كأكبر فريق معارض قد يمنحه حظوظا قوية..
وتكمن أهمية هذه اللجنة في كونها من أهم اللجان التشريعية، خصوصا مع الملفات الحساسة المنتظرة خلال الولاية المقبلة، مثل الإصلاحات المرتبطة بمدونة الأسرة والقانون الجنائي وغيرها من القوانين ذات الأبعاد السياسية والمجتمعية والحقوقية.
لكن هذه تبقى قراءة سياسية محتملة وليست حقيقة مؤكدة، إذ لا توجد معطيات علنية كافية للجزم بوجود صفقة أو اتفاق سري وراء هذا الترتيب. لذلك يبقى السؤال مشروعا: هل خروج الأحرار من الحكومة مجرد نتيجة لإعادة تشكيل الأغلبية، أم أنه يرتبط أيضا بإعادة ترتيب المعارضة وتوزيع مراكز القوة داخل البرلمان؟
لذلك، فإن المرحلة المقبلة لن تكون فقط معركة حول تشكيل الحكومة، بل أيضا حول تشكيل المعارضة وتوزيع مراكز النفوذ داخل البرلمان. وقد تعيد تفاهمات ما بعد الانتخابات رسم حدود الأغلبية والمعارضة من جديد، وهو ما يجعل السؤال الأهم : هل ستعكس الخريطة السياسية الجديدة إرادة الناخبين كما أفرزتها صناديق الاقتراع، أم أن ترتيبات ما بعد الانتخابات، ستعيد هندسة المشهد إلى درجة يصبح معها من الصعب معرفة من يحكم، ومن يعارض، ومن يراقب، ومن يحاسب؟
.







