
بقلم ـ عبد العزيز الخطابي

لم يعد اسم محمد الفايد مرتبطاً. في السنوات الأخيرة. بعلوم التغذية والميكروبيولوجيا الغذائية وحدها. فقد انتقل الرجل. الذي صنع لنفسه حضوراً جماهيرياً واسعاً من خلال حديثه عن الغذاء والصحة والطبيعة والإعجاز العلمي. إلى منطقة أكثر حساسية: منطقة الدين والتراث والفقه والحديث.
وهنا لم يعد الجدل يدور حول نصيحة غذائية أو نظام صحي. وإنما حول سؤال أكثر عمقاً: هل يستطيع عالم قادم من المختبر أن يعيد مساءلة قضايا دينية وتراثية بأدوات العقل والعلوم الحديثة؟ وأين تنتهي حرية السؤال ويبدأ اختصاص العلوم الشرعية؟
السؤال اكتسب راهنيته بقوة في أواخر غشت 2026. بعدما أثارت تدوينة للفايد حول مفهوم «أمية الرسول ﷺ» موجة واسعة من الجدل. فقد طرح الرجل تساؤلات حول الفهم الشائع لمصطلح «الأمي»، وهو ما اعتبره منتقدون مساساً بفهم مستقر لدى المسلمين. بينما أوضح الفايد لاحقاً أن كلامه لم يكن يرمي إلى وصف النبي ﷺ بالجهل أو الانتقاص من مقامه. وإنما جاء في سياق مناقشة لغوية وفكرية.
لكن الجدل لم يتوقف عند حدود التدوينة. بل اتسع إلى نقاش حول علاقة العلم بالدين. وحدود التخصص. وسلطة التراث الفقهي. ودور المؤسسات الدينية في مواجهة القراءات الفردية للقضايا الشرعية.
رجل المختبر الذي أصبح ظاهرة جماهيرية
من المهم. قبل الدخول في الجدل الديني. وضع محمد الفايد في سياقه العلمي الصحيح.
فالمصادر المنشورة عنه تذكر أنه تخرج مهندساً في التكنولوجيا الغذائية من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط سنة 1984. بعد تكوين سابق في علم الأحياء الدقيقة الغذائي. ثم تابع دراساته العليا في فرنسا. وحصل على دبلوم الدراسات المعمقة في علوم الأغذية سنة 1988. ودكتوراه فرنسية سنة 1990. قبل حصوله على دكتوراه أخرى سنة 1992 مرتبطة بتحويل المواد الزراعية. كما ارتبط مساره الأكاديمي بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، حيث اشتغل أستاذاً وباحثاً في مجالات مرتبطة بعلوم الأغذية والميكروبيولوجيا والتكنولوجيا الغذائية.
وهذه نقطة ينبغي التشديد عليها: الفايد باحث وأستاذ متخصص في علوم الأغذية والتغذية والميكروبيولوجيا. وليس فقيهاً أو محدثاً أو أستاذاً أكاديمياً في علوم الشريعة.
غير أن تأثيره الاجتماعي تجاوز حدود الجامعة والمختبر.

فمن خلال المحاضرات والبرامج الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، تحول إلى شخصية جماهيرية ذات حضور واسع، وقدم خطاباً يمزج بين التغذية والصحة والدين والطبيعة والعلوم الكونية. وبمرور الوقت، أصبح لدى الجمهور تصور عن الفايد لا باعتباره خبيراً في التغذية فقط، وإنما باعتباره صاحب رؤية أوسع حول الإنسان والكون والدين.
وهنا بدأت المشكلة الحقيقية.
من التغذية إلى نقد التراث
لم يعد خطاب الفايد في السنوات الأخيرة محصوراً في التغذية والوقاية والصحة، بل أصبح يتناول قضايا تتصل بالفقه والحديث والتفسير والتراث.
وقد استخدم في بعض مداخلاته لغة نقدية حادة تجاه ما يصفه بـ«الكهنوت»، داعياً إلى إعادة الاعتبار للعقل، وإلى عدم التعامل مع التراث الفقهي باعتباره كتلة مغلقة لا تقبل المراجعة.
بالنسبة إلى مؤيديه، يمثل هذا التحول محاولة لتحرير التفكير الديني من الجمود، والتمييز بين الإسلام بوصفه وحياً وبين التراث بوصفه إنتاجاً بشرياً قابلاً للنقد والمراجعة.
أما منتقدوه فيرون أن الدعوة إلى استعمال العقل لا تكفي وحدها لإعادة بناء الأحكام الدينية. لأن للفقه وأصوله. ولعلم الحديث والتفسير واللغة، أدوات ومناهج تراكمت عبر قرون.
وبين الموقفين يظهر سؤال جوهري: هل المشكلة في الجرأة على السؤال، أم في الأدوات التي يُطرح بها السؤال؟
«أمية الرسول»… حين يتحول السؤال اللغوي إلى قضية عامة
كانت قضية «أمية الرسول ﷺ» أبرز مثال على حساسية هذا الانتقال.
فقد طرح الفايد أسئلة حول معنى «الأمي»، وربط في طرحه بين المفهوم وبين القراءة والكتابة والعلم، وهو ما أثار انتقادات حادة، وصلت إلى المطالبة بمساءلته.
وفي 3 شتنبر 2026. نشرت وسائل إعلام مغربية أن جمعية حقوقية تقدمت بشكاية إلى النيابة العامة بتطوان على خلفية تصريحات ومضامين رقمية منسوبة إلى الفايد، مطالبة بفتح بحث بشأنها. ومن المهم صحفياً التأكيد على أن تقديم الشكاية لا يعني صدور حكم قضائي بالإدانة. وأن التكييف القانوني النهائي يبقى من اختصاص الجهات القضائية المختصة.
كما أن الجدل نفسه لا ينبغي اختزاله في سؤال: «هل كان الفايد يسيء إلى النبي أم لا؟». فالنقاش العلمي الأعمق يتعلق بمعنى «الأمي» في القرآن، وكيف تعاملت معه كتب التفسير والسيرة والحديث، وما إذا كانت القراءة الجديدة التي يقترحها الفايد تستند إلى أدوات لغوية وتاريخية قادرة على منافسة التراث التفسيري القائم.
وهنا ينبغي التفريق بين حق الباحث في طرح السؤال وبين صحة الجواب الذي يصل إليه.
فحرية السؤال لا تمنح الإجابة حصانة من النقد، كما أن مخالفة القراءة السائدة لا تجعل صاحبها تلقائياً خارج دائرة الحوار العلمي.
خطبة الجمعة… وما الذي يمكن إثباته؟
اتسع النقاش أكثر مع صدور خطبة الجمعة الرسمية ليوم 4 شتنبر 2026 بعنوان: «الرسول صلى الله عليه وسلم مربياً ومعلماً».
وتؤكد الخطبة المنشورة رسمياً على موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن التربية والتعليم من أعظم مقاصد الرسالة النبوية. وأن النبي ﷺ كان معلماً ومربياً. داعية إلى الاقتداء بمنهجه في التربية والتعليم.
لكن الدقة الصحفية تفرض عدم الذهاب أبعد من الوثيقة نفسها.
فالخطبة الرسمية لا تذكر اسم محمد الفايد صراحة، ولذلك لا يصح تقديمها باعتبارها «حكماً رسمياً على الفايد» أو «فتوى بتكفيره». أقصى ما يمكن قوله إن صدورها في خضم ذلك الجدل جعلها جزءاً من السياق العام للنقاش حول مفهوم النبوة والتعليم والأمية. دون أن تتضمن إدانة شخصية مباشرة له.
وهذه الدقة ليست تفصيلاً ثانوياً؟ إنها الفارق بين التحليل الصحفي والاستنتاج غير الموثق.
هل الفايد يحارب الدين أم سلطة الفقه؟
ربما يكون اختزال القضية في سؤال «هل الفايد ضد الدين؟» تبسيطاً شديداً لظاهرة أكثر تعقيداً.
فالرجل يقدم نفسه، في خطابه. باعتباره مدافعاً عن العقل والعلوم الكونية، ورافضاً لما يراه جموداً في التفكير الديني. وهو ينطلق من خلفية علمية تجريبية جعلته ينظر إلى العالم من خلال مفاهيم البحث والملاحظة والنقد.
لكن العلوم التجريبية ليست هي الأداة الوحيدة لإنتاج المعرفة.
وهنا يقع الاحتكاك.
فالفيزياء والبيولوجيا والميكروبيولوجيا تشتغل على الظواهر القابلة للرصد والاختبار، بينما تشتغل علوم الشريعة على النصوص والاستدلال واللغة والسياق وأصول التشريع. وقد يتقاطع المجالان في بعض القضايا. لكنهما لا يستخدمان دائماً الأدوات نفسها ولا يطرحان الأسئلة بالطريقة نفسها.
ولهذا فإن الدعوة إلى الحوار بين العلم والدين لا تعني أن يصبح المختبر بديلاً عن علوم الشريعة، ولا أن يصبح التراث حاجزاً أمام المعرفة العلمية.
التخصص ليس امتيازاً… ولا سلاحاً
من حق منتقدي الفايد أن يذكّروا بأن الدكتوراه في علوم الأغذية لا تجعل صاحبها فقيهاً أو محدثاً.
لكن من حق الفايد، في المقابل. أن يطرح أسئلة على التراث. تماماً كما يحق لأي باحث ومثقف أن يناقش الأفكار التي تؤثر في المجتمع.
المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى تعميم، أو يتحول الدفاع عن التراث إلى رفض مطلق لكل سؤال.
فكما أن الطبيب لا يصبح فقيهاً بمجرد حصوله على الدكتوراه، فإن الفقيه لا يصبح عالِم أحياء بمجرد حفظه للنصوص.
التخصص يحمي المعرفة من الفوضى. من لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى جدار يمنع الحوار بين التخصصات.
ومن هنا فإن السؤال الأكثر نضجاً ليس: «من يملك الحق في الكلام؟»، وإنما: هل يمتلك المتحدث الأدوات الكافية التي تسمح له بتحويل السؤال إلى معرفة قابلة للنقاش؟
المشكلة في اللغة أيضاً
هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله: أسلوب الخطاب.
فالنقد يصبح أكثر قوة عندما يوجه إلى الفكرة لا إلى أصحابها. واستخدام مصطلحات من قبيل «الكهنوت» لتوصيف تيارات واسعة من العلماء والفقهاء قد يجعل الحوار أكثر صعوبة، لأنه يدفع الخصم إلى الدفاع عن هويته بدلاً من مناقشة الحجة.
وفي المقابل، فإن الرد بلغة التكفير والتخوين والتشهير لا يقدم هو الآخر بديلاً معرفياً.
فإذا كان الفايد يطالب بإعمال العقل، فإن العقل يقتضي أيضاً أن يكون النقد دقيقاً وألا يتحول إلى تعميم.
وإذا كان منتقدوه يدافعون عن الدين والتراث. فإن الدفاع الأقوى عنهما لا يكون بإسكات الأسئلة، بل بالجواب عنها.
ما وراء الفايد: أزمة علاقة بين مجالات المعرفة
قد تكون أهمية الجدل حول محمد الفايد في أنه كشف أزمة أكبر من شخصه.
إنها أزمة العلاقة بين العالم التجريبي، والفقيه، والمثقف، والمؤسسة الدينية، والجمهور الرقمي.
لقد أصبح المواطن اليوم قادراً على الاستماع في اليوم نفسه إلى الطبيب والفقيه والفيزيائي والفيلسوف وصانع المحتوى. وكل واحد منهم يقدم تفسيره للحياة والدين والإنسان.
وفي هذه البيئة الجديدة لم تعد المؤسسة الدينية وحدها تتحكم في إنتاج الخطاب الديني، كما لم تعد الجامعة وحدها تتحكم في إنتاج المعرفة العلمية.
وهذا التحول يفرض على الجميع إعادة التفكير في طريقة الحوار.
العالم الديني مطالب بأن يكون أكثر انفتاحاً على العلوم الحديثة، والعالم التجريبي مطالب بأن يحترم أدوات العلوم الشرعية عندما يدخل مجالها. والمثقف مطالب بأن يكون جسراً بين الطرفين لا وقوداً للصراع.
بين المختبر والمسجد
ربما تكون المسألة. في النهاية. أكبر من محمد الفايد.
فالمغرب. مثل بقية المجتمعات العربية والإسلامية، يعيش مرحلة تتقاطع فيها المعرفة العلمية الحديثة مع تراث ديني عريق، وتتجاور فيها الجامعة مع المسجد، والكتاب مع منصة «يوتيوب»، والفقيه مع الخبير العلمي.
في مثل هذا العالم، لن يكون ممكناً إلغاء الأسئلة الجديدة.
لكن الإجابة عنها تحتاج إلى أكثر من الجرأة.
تحتاج إلى معرفة. وتخصص، ولغة هادئة. وقدرة على التمييز بين المقدس والتاريخي. وبين النص وتأويل النص. وبين الحقيقة العلمية والرأي الشخصي.
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بالمسار العلمي لمحمد الفايد في مجاله، كما يقتضي إخضاع أطروحاته الدينية والتراثية للنقد العلمي المتخصص، من دون تقديس الرجل أو شيطنته.
ولا ينبغي أن يكون السؤال: هل ننتصر للفايد أم لخصومه؟
السؤال الأهم هو: هل نستطيع أن ننتصر للحوار نفسه؟
فالمجتمعات لا تتقدم عندما تمنع أبناءها من السؤال، ولا عندما تجعل كل سؤال حقيقة.
إنها تتقدم عندما يصبح السؤال بداية للبحث، ويصبح الاختلاف مناسبة للبرهان، ويصبح العلم والدين مجالين متكاملين للحوار لا سلاحين في معركة واحدة.
وفي هذا المعنى. قد تكون ظاهرة محمد الفايد فرصة لإعادة فتح ملف ظل مؤجلاً طويلاً: كيف يمكن للعقل المسلم المعاصر أن يبني علاقة جديدة بين الوحي والعلم، وبين التراث والحداثة، وبين سلطة المعرفة وحرية السؤال؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً، حتى بعد أن تهدأ العاصفة حول محمد الفايد.







