
عبد العزيز الخطابي

ليست المشكلة في أن تتحالف الأحزاب. فذلك جزء طبيعي من السياسة. وليست المشكلة في أن ينتقل حزب من المعارضة إلى الحكومة. فالمواقع السياسية تتغير بتغير موازين القوى. وليست المشكلة حتى في أن يجلس خصوم الأمس إلى الطاولة نفسها. لأن السياسة ليست سجناً للماضي. وإنما هي في جانب منها فن إدارة الممكن. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الوصول إلى الحكومة أهم من البرنامج. وتصبح الحقيبة الوزارية أكثر وضوحاً من الموقف السياسي. ويصبح الكرسي قادراً على إعادة تعريف المبادئ التي كانت ثابتة قبل إعلان النتائج.
هنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام براغماتية سياسية تفرضها طبيعة التعددية. أم أمام شكل من أشكال الانتهازية السياسية التي تجعل المواقف قابلة لإعادة الصياغة كلما تغيرت موازين السلطة؟
الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 أفرزت خريطة سياسية جديدة. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً من أصل 395. يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66. ثم حزب الاستقلال بـ65. فالعدالة والتنمية بـ54. والحركة الشعبية بـ29. والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26. والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعداً. وفق النتائج النهائية التي أعلنتها وزارة الداخلية. وبما أن الأغلبية المطلقة في مجلس النواب تحتاج إلى 198 مقعداً. فإن تشكيل الحكومة يفرض بطبيعته بناء تحالفات متعددة الأطراف.
إذن. التحالف ليس فضيحة سياسية. بل ضرورة برلمانية محتملة. غير أن الضرورة العددية لا تعفي الأحزاب من تقديم تفسير سياسي وأخلاقي لمواقفها.
فالمواطن الذي ذهب إلى صندوق الاقتراع لم يمنح صوته لكي يرى بعد انتهاء الانتخابات مسابقة جديدة حول الحقائب والمواقع. لقد صوت. أو امتنع عن التصويت. وهو يحمل في ذهنه أسئلة أكثر قسوة من سؤال من سيحصل على هذه الوزارة أو تلك: ماذا سيحدث للمدرسة؟ ماذا سيحدث للمستشفى؟ أين فرص العمل؟ كيف ستتحسن القدرة الشرائية؟ ماذا ستفعل الدولة مع الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ وكيف يمكن إعادة بناء الثقة في المؤسسات؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون على طاولة تشكيل الحكومة قبل أن تبدأ لعبة الأرقام.
فالوزارة ليست جائزة انتخابية. والحقيبة ليست غنيمة سياسية. والتحالف ليس عقداً لتوزيع النفوذ. الحكومة مسؤولية. وكل حزب يدخلها يفترض أن يكون مستعداً لدفع ثمن سياسي عن القرارات التي سيتخذها. لا أن يحصل فقط على مكاسب المشاركة.
وهنا يصبح الفرق بين البراغماتية والانتهازية دقيقاً جداً.
البراغماتية تعني أن الحزب يستطيع أن يتحالف مع من يختلف معه. إذا وجد أرضية مشتركة وبرنامجاً يمكن الدفاع عنه أمام الناخبين. أما الانتهازية. في معناها السياسي النقدي. فتظهر عندما يصبح المبدأ قابلاً للتعديل بمجرد أن تفتح أبواب الحكومة.
ليس عيباً أن يغيّر الحزب موقعه.
لكن من حق المواطن أن يعرف لماذا تغيّر.
ليس عيباً أن يدخل حزب المعارضة إلى الحكومة.
لكن عليه أن يشرح ما الذي سيحمله معه إليها.
ليس عيباً أن يتنازل عن بعض مطالبه.
لكن عليه أن يقول للرأي العام ماذا أخذ في المقابل. وما الذي رفض التنازل عنه.
السياسة ليست أن تقول الشيء نفسه إلى الأبد. لكنها أيضاً ليست أن تقول كل شيء بحسب الكرسي الذي تجلس عليه.
وفي هذا السياق. يعود إلى الواجهة التعبير الشعبي الساخر عن «الكعكة الحكومية» قد يبدو التعبير مبتذلاً. لكنه يكشف أزمة ثقة حقيقية: حين يعتقد المواطن أن الانتخابات تنتهي عند إعلان النتائج. وأن المرحلة التالية ليست سوى مفاوضات حول توزيع المناصب. فإن السياسة تفقد جزءاً من معناها.
والمشكلة هنا لا تخص حزباً واحداً.
إنها تخص الثقافة السياسية كلها.
فإذا كانت الحكومة مجرد عملية حسابية. يمكن جمع المقاعد بسهولة. لكن الدولة ليست آلة حاسبة. يمكن جمع 97 و66 و65 في ورقة، لكن لا يمكن جمع التناقضات السياسية بالطريقة نفسها، ولا يمكن تحويل الاختلافات الفكرية إلى انسجام بمجرد توقيع اتفاق تحالف.
الأغلبية العددية قد تصنع حكومة. لكنها لا تصنع بالضرورة مشروعاً.
المشروع يحتاج إلى برنامج. والبرنامج يحتاج إلى التزامات قابلة للقياس. والالتزامات تحتاج إلى محاسبة.
وهنا أيضاً يجب أن يكون النقاش حول حزب الأصالة والمعاصرة. باعتباره الحزب المتصدر للانتخابات. دقيقاً ومسؤولاً. فوجود بعض منتسبيه أو المنتخبين المرتبطين به في ملفات قضائية لا يسمح قانونياً ولا أخلاقياً بإدانة الحزب بأكمله. المتابعة ليست حكماً. والاتهام ليس إدانة. والمسؤولية الجنائية شخصية.
لكن ذلك لا يلغي المسؤولية السياسية والتنظيمية.
فمن حق المواطن أن يسأل أي حزب عن معايير اختيار مرشحيه. وعن آليات المراقبة الداخلية. وعن كيفية تعامله مع الملفات التي قد تؤثر في صورته العامة أو في الثقة بالمؤسسات.
وهذا الفرق بين المسؤولية القضائية والمسؤولية السياسية ضروري حتى لا يتحول النقد إلى تشهير. وحتى لا تتحول الحماية القانونية للأفراد إلى حصانة سياسية للأحزاب.
أما حزب العدالة والتنمية. الذي حصل في انتخابات 2026 على 54 مقعداً. فقد اختار المعارضة، وأعلن عدم المشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة. مع استمرار التواصل السياسي في إطار المشاورات. وهذا موقف سياسي من حق الحزب أن يبرره أمام قواعده والرأي العام. كما أن من حق الأحزاب الأخرى اتخاذ خيارات مختلفة.
لكن استدعاء انتخابات 2016 لتفسير كل علاقة سياسية بين الحزبين يحتاج إلى شيء من الهدوء. ففي السياسة. الذاكرة مهمة. لكنها لا يمكن أن تكون وحدها أساس التحالفات الجديدة. فالظروف تغيرت. وموازين القوى تغيرت. والأحزاب نفسها تغيرت. والمواطن الذي يصوت في 2026 ليس بالضرورة المواطن السياسي نفسه الذي كان يتابع المشهد في 2016.
السياسة لا ينبغي أن تتحول إلى دفتر ثأر. كما لا ينبغي أن تتحول إلى دفتر نسيان.
وهنا تأتي المفارقة الأكثر إثارة: أحزاب ذات تاريخ ومواقف مختلفة قد تجد نفسها أمام إمكانية الجلوس إلى الطاولة نفسها. الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعداً، والحركة الشعبية بـ29، والتقدم والاشتراكية بـ19، وغيرها من الأحزاب، قد تبحث عن موقعها في الخريطة الحكومية المقبلة. وهذا أمر مشروع سياسياً.
لكن المشاركة تصبح ذات معنى فقط عندما يكون وراءها مشروع.
فالحزب الذي يدخل الحكومة دون أن يعرف ماذا يريد أن يغير. سيجد نفسه بعد سنوات مضطراً إلى شرح لماذا لم يتغير شيء.
أما الحزب الذي يدخلها بشروط واضحة وأهداف محددة. فيمكن محاسبته على ما وعد به وما أنجزه.
وهذا هو جوهر الديمقراطية.
المواطن لا يحتاج إلى معرفة عدد الساعات التي جلس فيها زعماء الأحزاب حول طاولة المفاوضات. ولا إلى معرفة من حصل على حقيبة أكبر أو أصغر. بقدر ما يحتاج إلى معرفة ماذا خرج من تلك الغرفة.
هل خرج برنامج حكومي؟
هل خرجت التزامات واضحة؟
هل خرجت حلول لمشكلات الناس؟
أم خرج فقط توزيع جديد للمقاعد؟
هنا تتحدد قيمة التحالف.
فليست المشكلة في أن تكون الحكومة واسعة أو ضيقة. ولا في أن تضم ثلاثة أحزاب أو خمسة أو أكثر. المشكلة في أن تكون حكومة قادرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب السياسة هو أن تصبح اللغة الأخلاقية مجرد لباس انتخابي، وأن تصبح الواقعية السياسية ذريعة لكل تنازل، وأن يصبح الكرسي هو المكان الوحيد الذي تتغير فيه المبادئ.
السياسي الذي لا يساوم أبداً قد لا يستطيع الحكم.
والسياسي الذي يساوم على كل شيء قد يفقد سبب وجوده.
بين الاثنين توجد مساحة اسمها السياسة.
هناك يمكن التفاوض. والتحالف. والتنازل. والاختلاف. والتوافق. ولكن بشرط واحد: أن يبقى المواطن يعرف لماذا يفعل السياسي ذلك.
لأن المواطن لا يعيش داخل التحالفات.
إنه يعيش داخل نتائجها.
لا يهمه كثيراً أن يكون الوزير من هذا الحزب أو ذاك إذا بقيت المدرسة على حالها، والمستشفى على حاله. وفرص الشغل محدودة. والإدارة بطيئة. والعدالة الاجتماعية مجرد عنوان في البيانات.
السياسة تبدأ في صندوق الاقتراع. لكنها لا تنتهي عنده.
هناك تبدأ المسؤولية.
ولهذا فإن الحكومة المقبلة ستواجه امتحاناً يتجاوز توزيع الحقائب. إنها ستواجه امتحان الثقة.
فالمشاركة الانتخابية بلغت 38.08% وفق النتائج الرسمية. وهو رقم يضع أمام الطبقة السياسية سؤالاً أكبر من مجرد تشكيل أغلبية برلمانية: كيف يمكن إعادة المواطن إلى السياسة. ليس باعتباره رقماً انتخابياً. وإنما باعتباره شريكاً في صناعة القرار؟
إن المواطن الذي ابتعد عن صندوق الاقتراع لا يحتاج إلى مزيد من الخطب.
يحتاج إلى سبب مقنع للعودة.
والسبب لا يكون في تغيير أسماء الوزراء. بل في تغيير ما يراه في حياته.
لذلك. لا ينبغي أن يكون السؤال عند تشكيل الحكومة: من أخذ الحقيبة؟
السؤال الحقيقي هو: ماذا سيحمل صاحب الحقيبة إلى الحكومة؟
هل سيحمل برنامجاً؟
هل سيحمل مشروعاً؟
هل سيحمل موقفاً؟
أم سيحمل فقط اسمه إلى باب الوزارة؟
هنا فقط يمكن أن نميز بين البراغماتية والانتهازية.
فالبراغماتية السياسية ليست أن تبيع مبدأك بأفضل سعر. وإنما أن تعرف كيف تحافظ على جوهره وأنت تفاوض.
والتحالف السياسي ليس أن تتقاسم السلطة. وإنما أن تتقاسم المسؤولية.
أما إذا أصبحت السياسة مجرد هندسة للمواقع، فإن المواطن سيبقى خارج الغرفة. يسمع ضجيج المفاوضات ولا يرى نتائجها.
وفي النهاية، لا توجد «كعكة حكومية».
هناك وطن.
وهناك مواطن ينتظر.
وهناك خمس سنوات كاملة سيُسأل فيها الجميع عما فعلوا.
فالكرسي قد يمنح صاحبه السلطة. لكنه لا يمنحه البراءة من المحاسبة. والسياسة قد تمنح الحزب موقعاً. لكنها لا تمنحه الحق في نسيان من منحه ذلك الموقع.
وهنا يبدأ الحساب الحقيقي.







