كريم القيشوري .س:
– عبدالرحمان الوادي، أنت شاعر وقاص وكاتب مسرحي، إلى جانب حضورك في المجال الجمعوي. ألا تشعر أن تعدد هذه الواجهات قد يشتت التجربة الإبداعية؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
على العكس، أعتقد أن التعدد هو الذي يمنح التجربة امتدادها. الشعر بالنسبة إليّ ليس جزيرة معزولة عن القصة أو المسرح أو الفعل الجمعوي. كلها تصدر من نبع واحد، هو الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر وبالمجتمع. الشعر يمنحني كثافة الإحساس وحرارة الصورة، والقصة تتيح لي الإنصات إلى التفاصيل الإنسانية، بينما يفتح المسرح أمامي فضاء الصراع والحوار والحركة. أما الفعل الجمعوي، فهو ينقل الإبداع من عزلته إلى فضائه الطبيعي، فضاء الناس والحياة.

لذلك لا أرى في هذا التعدد تشتيتًا، بل أراه تنويعًا في أدوات التعبير. قد تختلف الأجناس، لكن الهم الإبداعي واحد، والأسئلة التي تؤرق الكاتب تظل حاضرة، وإن تغيرت اللغة أو الشكل. وربما كان التشتت الحقيقي هو أن يكتب المبدع بعيدًا عن نبض الحياة، لا أن يكتب في أكثر من جنس.
أنا أؤمن بأن المبدع لا ينبغي أن يسجن نفسه داخل قالب واحد؛ فكل تجربة إنسانية عميقة تبحث عن الشكل الذي يليق بها. أحيانًا تأتي الفكرة شعرًا، وأحيانًا قصة، وأحيانًا مشهدًا مسرحيًا، وقد تتحول في المجال الجمعوي إلى مبادرة أو فعل ثقافي. وفي النهاية، ليست الأجناس هي التي تتعدد، وإنما هي وجوه مختلفة لصوت واحد.
وهذا الصوت، بالنسبة إليّ، هو صوت الإنسان، بما يحمله من أسئلة وقلق وأمل وحلم.
كريم القيشوري .س:
– كيف يمكن للإنسان أن يفهم ذاته وعلاقته بالآخر وبالمجتمع؟
ج : عبدالرحمان الوادي .
قد تتغير الأدوات، لكن الهاجس يظل واحداً. في القصيدة أبحث عن تكثيف اللحظة، وفي القصة ألاحق التفاصيل، وفي المسرح أضع الشخصيات في مواجهة بعضها، أما في العمل الجمعوي فأحاول أن أنقل الكتابة من الورق إلى الواقع.
كريم القيشوري . س:
– يبدو الحوار حاضراً بقوة في تجربتك، بل إنك جعلت منه فضاءً قائماً بذاته. لماذا الحوار؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
لأن الحوار، في نظري، ليس مجرد تبادل للكلام. إنه طريقة في التفكير. عندما يتحاور شخصان، فإن كل واحد منهما يكتشف شيئاً من ذاته من خلال الآخر. لذلك أحب الحوار الذي لا يقدم أجوبة جاهزة، وإنما يفتح أسئلة جديدة.
الحوار الحقيقي لا يعني أن نتفق، بل أن نمنح الاختلاف فرصة لأن يتكلم.
كريم القيشوري .س:
– وأنت الشاعر. ماذا بقي للشعر في زمن السرعة والصورة ووسائل التواصل الاجتماعي؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
الشعر لا ينافس السرعة، لأنه ينتمي إلى زمن آخر. إنه يمنح الإنسان فرصة للتأمل. في زمن تتدفق فيه الكلمات والصور بلا توقف، تصبح القصيدة نوعاً من المقاومة الهادئة للضجيج.
الشعر لا يحتاج إلى أن يكون صاخباً حتى يكون مؤثراً. أحياناً تكفي جملة صغيرة لكي تترك في القارئ أثراً لا تمحوه سنوات.
كريم القيشوري. س:
– ماذا عن المسرح؟ هل ما يزال قادراً على طرح الأسئلة الاجتماعية والإنسانية؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
المسرح ولد من الحاجة إلى مواجهة الآخر وجهاً لوجه، وهذه الحاجة لم تنته. بل ربما أصبحت أكثر إلحاحاً اليوم.
المسرح الحقيقي لا يكتفي بأن يحكي لنا ما نعرفه، وإنما يجعلنا نرى المألوف بطريقة مختلفة. الشخصيات فوق الخشبة ليست مجرد شخصيات، إنها مرايا؛ وكل متفرج قد يرى فيها جزءاً منه.
كريم القيشوري. س:
– هل تكتب الشخصية المسرحية أولاً أم الفكرة؟
ج : عبدالرحمان الوادى.
أحياناً تأتي الشخصية قبل الفكرة، وأحياناً تأتي الفكرة وتبحث عن جسدها. لكنني لا أحب الشخصيات التي تكون مجرد أبواق للمؤلف. الشخصية ينبغي أن تمتلك شيئاً من استقلالها، وأن تفاجئ الكاتب نفسه.
عندما تصبح الشخصية قادرة على مخالفة الكاتب، يبدأ النص في الحياة.
كريم القيشوري. س :
– للقصة القصيرة اقتصادها الخاص في اللغة. ماذا تعني لك القصة؟
ج : عبدالرحمان الوادي .
القصة القصيرة تشبه لقطة مكثفة من الحياة. لا تحتاج إلى أن تقول كل شيء. المهم أن تختار اللحظة التي يمكن أن تقول من خلالها أشياء كثيرة.
وأعتقد أن الصمت في القصة قد يكون أحياناً أهم من الكلام. ما لا تقوله الشخصية قد يكون أكثر دلالة مما تقوله.
كريم القيشوري. س:
– هل هناك حدود فاصلة بين الشاعر والقاص والمسرحي في داخلك؟
ج : عبدالرحمان الوادي:
ربما توجد حدود في الشكل، لكنها تتداخل في العمق. الشاعر يبحث عن الصورة والإيقاع، والقاص عن اللحظة والحكاية، والمسرحي عن الصراع والفعل. لكن هؤلاء جميعاً يسألون في النهاية عن الإنسان.
لذلك لا أتعامل مع الأنواع الأدبية باعتبارها سجوناً. إنها أشكال مختلفة للقول.
كريم القيشوري. س :
– لننتقل إلى الفعل الجمعوي. ماذا أضاف هذا المجال إلى تجربتك الأدبية؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
أضاف الاحتكاك المباشر بالناس. الأدب الذي لا ينصت إلى نبض المجتمع قد يتحول إلى تمرين لغوي جميل، لكنه يظل ناقصاً من جهة علاقته بالحياة.
العمل الجمعوي جعلني أكتشف أن الثقافة ليست ترفاً، وأن تنظيم نشاط ثقافي بسيط في فضاء محلي يمكن أن يترك أثراً في شخص ربما لم يجد من قبل فرصة للحديث أو القراءة أو التعبير.
كريم القيشوري. س :
– هل ترى أن المثقف مطالب بأن يكون فاعلاً اجتماعياً؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
لا أحب صيغة “مطالب”. الإبداع لا يصدر بالأوامر. لكنني أؤمن بأن المثقف الذي يعيش وسط الناس لا يستطيع أن يكون منفصلاً تماماً عن قضاياهم.
المسألة في النهاية اختيار شخصي، لكنني اخترت أن تكون الكتابة بالنسبة إليّ مرتبطة بالحياة، وأن يكون الفعل الثقافي جزءاً من علاقتي بالمجتمع.
القيشوري .س:
– ما الذي يزعجك في المشهد الثقافي اليوم؟
ج : عبدالرحمان الوادى.
يزعجني أن تتحول الثقافة أحياناً إلى مناسبات عابرة، وأن يصبح الاحتفاء بالكاتب أهم من قراءة الكتاب. كما يزعجني أن يختصر الإبداع في الحضور الإعلامي.
الكاتب الحقيقي يحتاج قبل كل شيء إلى قارئ. والكتاب يحتاج إلى زمن لكي يُقرأ، وإلى نقاش لكي يعيش.
كريم القيشوري . س:
– وماذا تقول للكاتب الشاب الذي يشعر أن لا أحد يقرأ له؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
أقول له: لا تجعل عدد القراء معياراً وحيداً لقيمة ما تكتب. اكتب أولاً لأن لديك شيئاً حقيقياً تريد قوله. لكن في الوقت نفسه، لا تستخدم هذا الكلام ذريعة لرفض النقد أو تطوير أدواتك.
الكاتب مطالب بأن يكتب، وأن يقرأ، وأن يصغي، وأن يشك في نصه أحياناً.
كريم القيشوري. س:
– هل تؤمن بأن الكاتب يستطيع أن يكتب بعيداً عن ذاكرته؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
لا أظن ذلك. حتى عندما نكتب عن أماكن بعيدة أو شخصيات متخيلة، فإن شيئاً من ذاكرتنا يتسلل إلى النص. رائحة، وجه، كلمة، مكان، حادثة صغيرة… الذاكرة تعمل في الكتابة بطريقة خفية.
لكن الكتابة لا تعني استنساخ الذاكرة؛ إنها إعادة خلقها.
كريم القيشوري. س:
أخيراً، لو طلبنا منك أن تختصر مشروعك الإبداعي في عبارة واحدة، ماذا تقول؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
ربما أقول: أكتب لكي أواصل الحوار.
الحوار مع نفسي، ومع القارئ، ومع المكان، ومع الذاكرة، ومع الإنسان الذي قد يختلف معي تماماً. لأنني أعتقد أن الأدب يبدأ حين نكف عن اعتبار أنفسنا مالكين للحقيقة الوحيدة.
كريم القيشوري: س:
– وهل انتهى الحوار؟
ج : عبدالرحمان الوادي .
الحوار الذي ينتهي بإجابة نهائية يشبه الكتاب الذي يغلق صفحاته إلى الأبد. أما الحوار الحقيقي، فيترك خلفه سؤالاً جديداً.
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله الكتابة هو أن تجعل القارئ يخرج من النص وهو يحمل سؤالاً لم يكن يحمله قبل القراءة.
الكاتب الحقيقي يحتاج قبل كل شيء إلى قارئ. والكتاب يحتاج إلى زمن لكي يُقرأ، وإلى نقاش لكي يعيش.
كريم القيشوري . س:
– وماذا تقول للكاتب الشاب الذي يشعر أن لا أحد يقرأ له؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
أقول له: لا تجعل عدد القراء معياراً وحيداً لقيمة ما تكتب. اكتب أولاً لأن لديك شيئاً حقيقياً تريد قوله. لكن في الوقت نفسه، لا تستخدم هذا الكلام ذريعة لرفض النقد أو تطوير أدواتك.
الكاتب مطالب بأن يكتب، وأن يقرأ، وأن يصغي، وأن يشك في نصه أحياناً.
كريم القيشوري. س:
– هل تؤمن بأن الكاتب يستطيع أن يكتب بعيداً عن ذاكرته؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
لا أظن ذلك. حتى عندما نكتب عن أماكن بعيدة أو شخصيات متخيلة، فإن شيئاً من ذاكرتنا يتسلل إلى النص. رائحة، وجه، كلمة، مكان، حادثة صغيرة… الذاكرة تعمل في الكتابة بطريقة خفية.
لكن الكتابة لا تعني استنساخ الذاكرة؛ إنها إعادة خلقها.
كريم القيشوري. س:
أخيراً، لو طلبنا منك أن تختصر مشروعك الإبداعي في عبارة واحدة، ماذا تقول؟
ج : عبدالرحمان الوادي.
ربما أقول: أكتب لكي أواصل الحوار.
الحوار مع نفسي، ومع القارئ، ومع المكان، ومع الذاكرة، ومع الإنسان الذي قد يختلف معي تماماً. لأنني أعتقد أن الأدب يبدأ حين نكف عن اعتبار أنفسنا مالكين للحقيقة الوحيدة.
كريم القيشوري: س:
– وهل انتهى الحوار؟
ج : عبدالرحمان الوادي .
الحوار الذي ينتهي بإجابة نهائية يشبه الكتاب الذي يغلق صفحاته إلى الأبد. أما الحوار الحقيقي، فيترك خلفه سؤالاً جديداً.
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله الكتابة هو أن تجعل القارئ يخرج من النص وهو يحمل سؤالاً لم يكن يحمله قبل القراءة.
























