
س: حين نقرأ نصوصك الشعرية، نشعر أن الشعر عندك ليس مجرد كتابة، بل بحث دائم عن معنى خفي خلف الأشياء. كيف تنظرين إلى فعل الكتابة؟
ج : ريحانة بشير .
الكتابة بالنسبة إليّ ليست ترفًا لغويًا، ولا محاولة لتزيين العالم بالكلمات. إنها حاجة داخلية إلى الإنصات لما لا يُقال. أكتب لأن في داخلي أشياء لا تستطيع الحياة اليومية أن تمنحها شكلًا واضحًا، فتأتي القصيدة لتمنحها صوتًا وصورة وإيقاعًا. الشعر عندي محاولة لاستعادة ما يتسرب من الذاكرة، ومن القلب، ومن تفاصيل الحياة الصغيرة.

س: في قصائدك حضور واضح للمكان، لكنه لا يظهر بوصفه جغرافيا فقط، بل يتحول إلى ذاكرة ووجدان. ما علاقة الشاعرة بالمكان؟
ج : ريحانة بشير.
المكان يسكننا قبل أن نسكنه. قد نغادر الأمكنة، لكن الأمكنة لا تغادرنا بسهولة. القرية، المدينة، البيت، الطريق، الأشجار، رائحة التراب… كلها تتحول مع الزمن إلى طبقات داخل الذاكرة. لذلك حين أكتب عن المكان فأنا في الحقيقة أكتب عن الإنسان الذي ترك أثره فيه، وعن نفسي التي تركت شيئًا منها هناك.
س : المرأة حاضرة بقوة في التجربة الشعرية المعاصرة. كيف تحضر المرأة في شعرك؟
ج : ريحانة بشير.
لا أريد للمرأة أن تكون مجرد موضوع شعري. أريدها أن تكون ذاتًا تتكلم، وتحلم، وتحتج، وتحب، وتخطئ، وتقاوم. المرأة في القصيدة ليست صورة مثالية ولا ضحية دائمة. إنها كائن كامل بتناقضاته وأسئلته وهشاشته وقوته. وربما لهذا أجد أن الكتابة عن المرأة هي، في جانب منها، كتابة عن الإنسان نفسه.
س : يبدو أن الذاكرة عنصر أساسي في بناء قصيدتك. هل تكتبين من الذاكرة أم ضدها ؟
ج : ريحانة بشير.
أكتب معها وضدها في الوقت نفسه. الذاكرة ليست دفترًا أمينًا يسجل الأشياء كما حدثت. إنها تعيد بناء الماضي وفق حاجات الحاضر. وقد يحدث أن أستعيد مشهدًا قديمًا فأكتشف أنني لم أعد أراه بالطريقة نفسها. القصيدة هنا تصبح مساحة لإعادة اكتشاف الماضي، لا مجرد استعادته.
س : ماذا تمثل اللغة بالنسبة إليك؟ وهل تبحثين عن لغة شعرية خاصة؟
ج : ريحانة بشير.
اللغة هي بيت القصيدة، لكنها بيت لا يستقر على شكل واحد. أحب اللغة حين تكون قادرة على أن تفاجئني قبل أن تفاجئ القارئ. لا أبحث عن الغرابة لذاتها، ولا عن البساطة لذاتها. أبحث عن الكلمة التي تبدو وكأنها وُلدت في مكانها الصحيح. أحيانًا تكون الكلمة البسيطة أكثر عمقًا من استعارة معقدة.
س : هل تعتبرين قصيدتك امتدادًا للتراث الشعري، أم محاولة للقطيعة معه؟
ج : ريحانة بشير .
لا أؤمن بالقطيعة المطلقة. نحن نكتب وفي داخلنا أصوات كثيرة. ما قرأناه، وما سمعناه، وما عايشناه، وما ورثناه من اللغة والثقافة. لكن الشاعر لا ينبغي أن يكون أسيرًا للموروث. عليه أن يحاوره، وأن يختلف معه أحيانًا، وأن يكتشف فيه إمكانات جديدة. التراث بالنسبة إليّ ليس قيدًا، بل ذاكرة يمكن إعادة قراءتها.
س : أين تقفين من العلاقة بين الشعر والواقع؟
ج : ريحانة بشير .
الشعر لا يستطيع أن يغيّر الواقع مباشرة، لكنه يستطيع أن يغير طريقة رؤيتنا إليه. حين تجعل القصيدة القارئ يرى وجعًا كان يمر أمامه دون انتباه، أو يكتشف جمالًا اعتاد عليه حتى فقد الإحساس به، فإنها تكون قد فعلت شيئًا مهمًا. الشعر مقاومة للنسيان، وربما كانت هذه إحدى وظائفه الأساسية.
س : هل تحتاج القصيدة إلى قارئ محدد؟
ج : ريحانة بشير.
القصيدة تحتاج إلى قارئ يدخل إليها بحساسية، لا إلى قارئ يمتلك مفاتيح جاهزة. أحب أن يختلف القراء حول نصوصي، وأن يجد كل واحد منهم شيئًا من تجربته داخلها. حين تصبح القصيدة ملكًا لتأويل واحد، أشعر أنها فقدت شيئًا من حريتها.
س: ماذا تقولين للشاعرة التي تكتب نصها الأول اليوم ؟
ج : ريحانة بشير .
أقول لها: لا تستعجلي نشر قصيدتك. اكتبي كثيرًا، واقرئي أكثر، ولا تخافي من حذف ما لا يخدم النص. لا تبحثي عن صوت يشبه الأصوات الرائجة؛ ابحثي عن صوتك أنت. والأهم: لا تجعلي الكتابة بديلًا عن الحياة. عيشي أولًا، ثم اكتبي ما تركته الحياة فيك.
س : وأخيرًا، لو طلبنا منك تعريف الشعر في جملة واحدة، ماذا تقولين ؟
ج : ريحانة بشير:
الشعر هو أن نحاول، بالكلمات، أن نمنح الأشياء التي تؤلمنا أو تحبنا أو تغيب عنا فرصة أخرى للحياة.
س: وما الذي لم تقوليه في القصيدة بعد ؟
ج : ريحانة بشير .
ربما كل ما لم نستطع نحن أن نقوله بعد. القصيدة لا تنتهي حين نضع النقطة الأخيرة؛ إنها تبدأ في مكان آخر، داخل قارئ لم نلتقه بعد.







