
الرباط. محمد صقلي

هل بالإمكان اعتبار هذه المحطة مدرسة تؤرخ لانطلاق توجه جديد في مسار إعلامنا الوطني.؟ أم هناك من يعترض معتبرا إياها لا تعدو مجرد تيار جاء نتيجة توالي فصول صراع اقليمي و احتقان عشرية زمنية هي عقد السبعينيات التي شهد مطلعها انقلابين بالمغرب و ما اعقبهما من انطلاق الصوت الاذاعي مغرب الشعوب لمناوءة النظام الملكي.
صراع اخذ وجهة مغايرة جراء حدث المسيرة ردا من الملك الحسن الثاني على القذافي و بومدين.
طبعا إطلاق هذه الاذاعة التي كانت بمثابة رجة كبيرة سرعان ما حصدت نسبة استماع غير مسبوقة في المنطقة جاء ليجعل منها محطة مركزية استقطبت الاهتمام و تبوأت الصدارة. كان النصف الثاني من عقد السبعينات قد شهد متغيرا محوريا تمثل في اقدام بومدين على اختلاق سيناريو سخيف متمثلا في دويلة الوهم التي ولدت ميتة و التي ما فتئ عسكر الجزائر يتناقلون نعشه بحثا عن معزين يشترونهم بمال الشعب.
كانت انطلاقة ميدي عام 1981 قرارا استباقيا من بنات فكر المرحوم الحسن الثاني. هدفها بالاساس يتجاوز مهمة الاذاعات الرسمية في الدول المغاربية و بخاصة ابطال مفعول سموم البروباغندا الجزائرية التي جعلت من عصابة البوليزاريو رأس الحربة لزعزعة امن و استقرار المغرب تمهيدا للاطاحة بنظام الحكم فيه.
الاحتقان المزمن في علاقة المغرب مع الجار اللدود خيم بالطبع على اعلامنا بشكل عام و خاصة منه السمعي البصري. و لم تكن الصحافة اليسارية في وضعية مريحة في التعاطي مع مستجدات الوضع المتأجج. هنا جاءت محطة ميدي1 لتتحمل عبء مهمة صعبة و محاطة بالمحاذير. غير انها نجحت الى حد ما في اجتياز الامتحان العسير ولم يكن ذلك بالمهمة اليسيرة.
كان مغرب الحسن الثاني يواجه حربا على واجهات عدة و كانت الجزائر تنفق بسخاء و شطط في رهانها الارعن لتركيع المغرب. غير ان الاوضاع علي الارض في الصحراء المسترجعة هو ما جعل كل المحاولات اليائسة لاعداء وحدتنا الترابية تصطدم بصخرة الدفاع المستميت لقواتنا المسلحة.
كان المغرب في امس الحاجة لإسماع صوته اقليميا و دوليا خارج نطاق الاعلام الرسمي. وقد تم رصد امكانات مادية و بغلاف مالي كبير و جاهزية لوجيستيكية تضمن لهذه المحطة امتدادا افقيا عبر شمال افريقيا و الشرق الاوسط كما في عمق القارة خاصة الاقطار الفرانكوفونية. و عموديا ليشمل دول اوروبية.
كان لابد اذن من رفع سقف الحريات سيما في تغطية اخداث المنطقة و يتعلق منها بقضية الصحراء.
لا احد بإمكانه ان ينكر ما كان لهذه المحطة من تأثير واضح و نسف لدوغماتية الاعلام الجزائري وذلك بالقدر الذي جعل منها المنبر الاعلامي الاكثر مصداقية في المنطقة و منح المغرب هامشا اوسع في التعريف بموقفه تجاه ادعاءات الحكم المستفز في الجزائر و دعما ايضا لدبلوماسية الرباط في مواجهة سياسة شراء المواقف عبر مقايضتها بالبترو دولار.
لم يكن لهذه المحطة ان تحقق لها هذا الاكتساح غير المسبوق لولا عامل اساسي وذلك عبر تحريرها من الاكراهات و المضايقات و لم الخطوط الحمراء التي عانى منها الاعلام سواء منه الرسمي او صحافة اليسار الديموقراطي. غير ان تخفيف العبء على ميدي1 بمنحها هامش تحرك اوسع
كانت تعترضه احيانا مساحات من الارض الملغومة. وهنا تكمن خطورة المهمة الموكولة لهيئة تحرير اذاعة البحر الابيض المتوسط بما في ذلك مسؤولية مديرها العام الذي واكب نشأتها و انطلاقتها و إشعاعها السيد بيير كازالطا و كذلك مهندس خطها التحريري الاعلامي البارز جان روبير شيرفيس. اذن يمكن القول بان كازالطا بما له من رصيد مهني و كفاءة و حس احترافي كان رجل المرحلة بكل المواصفات
و الدلائل. ولطالما دخلت المؤسسة في انفاق يصعب الخروج منها غير ان الرجل بحنكته و قدراته الاقناعية كانت له الدراية الكافية في مواجهة الرياح العاتية و التخلص من اوحال السياسة و تضارب الاعلام في ظرفية بالغة الحرج.
Views: 5







