
عبد العزيز الخطابي .

·في كل مرحلة سياسية تعيشها المجتمعات. يظهر تيارٌ يقدّم نفسه باعتباره “صوت الشعب” وحامل آلام الفقراء والمدافع عن العدالة الاجتماعية. وفي المغرب. عاد النقاش مجددًا حول تصاعد التعاطف مع بعض التيارات اليسارية. وعلى رأسها الحزب الاشتراكي الموحد. خصوصًا داخل فئات من الشباب والطبقات المتوسطة المتعبة اقتصاديًا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا ينجذب بعض المغاربة إلى هذا الخطاب؟ بل أيضًا: هل يعكس هذا الاختيار وعيًا سياسيًا ناضجًا. أم أنه مجرد احتجاج نفسي واجتماعي ضد واقع مأزوم؟
الحقيقة التي يرفض كثيرون قولها بصراحة هي أن المواطن لا يتحرك دائمًا بدافع القناعة الفكرية العميقة. بل غالبًا بدافع الإحباط. فحين ترتفع الأسعار، وتتقلص فرص الشغل. ويتحوّل المستقبل إلى مساحة ضبابية. يصبح الخطاب الذي يتحدث عن “العدالة” و”محاربة الرأسمال المتوحش” و”الدفاع عن الفقراء” أكثر جاذبية. حتى لو ظل في كثير من الأحيان مجرد خطاب أخلاقي أكثر منه مشروعًا اقتصاديًا قابلاً للتطبيق.
اليسار تاريخيًا. يمتلك قدرة كبيرة على مخاطبة المشاعر الجماعية لأنه يتقن لغة المظلومية الاجتماعية. ويعرف كيف يحوّل الغضب الشعبي إلى رأسمال سياسي. وهذه ليست خصوصية مغربية فقط. بل ظاهرة عالمية. فكلما ضعفت الثقة في المؤسسات والأحزاب التقليدية. ظهر اليسار بوصفه “ضميرًا أخلاقيًا” في مواجهة السلطة والمال والنخب. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الخطاب من أداة نقدٍ إلى بديلٍ غير واضح المعالم.
في المغرب جزء من الشباب الذي ينجذب نحو بعض التيارات اليسارية لا يفعل ذلك لأنه قرأ الفكر الاشتراكي أو اقتنع فلسفيًا بمقولاته الاقتصادية. بل لأنه يشعر بأن باقي الأحزاب فقدت قدرتها على الإقناع. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: أزمة فراغ سياسي أكثر من كونها انتصارًا فكريًا خالصًا لليسار.
هناك أيضًا جانب آخر لا يقل أهمية. وهو أن بعض الأحزاب التقليدية ساهمت بنفسها في تقوية هذا الميل. عندما تحولت السياسة عندها إلى لغة تقنية باردة. أو إلى صراع حول المناصب والتحالفات. بينما تُرك المواطن وحيدًا أمام أزماته اليومية. وعندما يغيب الخطاب المقنع. يصبح أي خطاب احتجاجي قادرًا على اكتساب التعاطف. حتى وإن لم يكن يملك حلولًا عملية.
لكن. في المقابل لا يمكن التعامل مع اليسار بوصفه “المنقذ المطلق” أو “الحقيقة النهائية”. فالتجارب السياسية عالميًا أثبتت أن الشعارات الكبرى لا تكفي لبناء اقتصاد قوي. وأن العدالة الاجتماعية لا تتحقق فقط بالخطب الثورية. بل تحتاج إلى مؤسسات فعالة. وإنتاج اقتصادي. ورؤية واقعية قادرة على الموازنة بين الحرية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي. ولهذا يرى منتقدو اليسار أن بعض خطاباته تعيش تناقضًا بين المثال النظري والقدرة الفعلية على التدبير.
كما يثار نقاش آخر أكثر حساسية: هل يؤدي تضخيم صورة بعض التيارات اليسارية إلى إضعاف المنافسة السياسية؟ الجواب ليس بسيطًا. فالديمقراطية تحتاج إلى تعددية حقيقية. لا إلى صناعة “تيار أخلاقي” يُقدَّم وكأنه وحده يملك الضمير. بينما تُختزل باقي الأحزاب في صورة الفشل والفساد. لأن السياسة في النهاية. ليست معركة ملائكة ضد شياطين. بل صراع مصالح ورؤى وبرامج قابلة للنقد والمحاسبة.
إن اختزال اختيارات الناخب المغربي في “الجهل السياسي” فيه قدر كبير من التعالي. كما أن تصوير أي تيار سياسي على أنه “الخلاص النهائي” يحمل بدوره سذاجة سياسية خطيرة. فالمواطن المغربي اليوم يعيش ضغطًا اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا وهذا الضغط هو الذي يعيد تشكيل المزاج الانتخابي أكثر من أي تنظير إيديولوجي.
المشكلة الحقيقية إذن ليست في اليسار وحده. ولا في اليمين، ولا في الوسط. بل في أزمة الثقة التي أصبحت تضرب الحياة السياسية برمتها. فحين يشعر المواطن أن الأحزاب تتشابه في الوعود. وأن السياسة لم تعد تغيّر حياته فعليًا. فإنه يبحث عن أي صوت مختلف. حتى لو كان هذا الاختلاف مجرد احتجاج لغوي أكثر منه مشروعًا قابلًا للتحقق.
وفي النهاية. لا يمكن لأي تيار سياسي أن يستحق الثقة فقط لأنه يرفع شعارات جميلة، كما لا يمكن رفضه فقط بسبب تصنيفه الإيديولوجي. القيمة الحقيقية لأي حزب تُقاس بقدرته على تحويل الكلام إلى واقع. والغضب إلى حلول. والشعارات إلى سياسات تُشعر المواطن بأن السياسة ليست مجرد مسرحٍ كبير لتبادل الخطب. بل وسيلة حقيقية لبناء مجتمع أكثر عدلاً وكرامة.
Views: 7







