الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين :حرب الريف: “حين تحوّلت المقاومة إلى مأساة كيميائية مسكوت عنها دوليا.”

جسر التواصلمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين :حرب الريف: “حين تحوّلت المقاومة إلى مأساة كيميائية مسكوت عنها دوليا.”

 طارق المعروفي 

لطالما حمل تاريخ الأوطان صفحات مشرقة تُروى بفخر، وأخرى مثقلة بالألم والصمت. ومن بين أكثر الصفحات تأثيرا و حزنا في تاريخ المغرب، تبرز أحداث حرب الريف. تلك المأساة التي لم تحظ بما تستحقه من اهتمام وتسليط للضوء، رغم ما خلفته من جراح عميقة في ذاكرة الوطن. ولا أهدف هنا إلى الخوض بالتفصيل في أسباب هذه الحرب أو ظروف اندلاعها، بل سأركز على واحدة من أبرز محطاتها وأكثرها تأثيرا.
يمكن اعتبار حرب الريف ، واحدة من أبرز محطات المقاومة ضد الاستعمار في شمال إفريقيا، ليس فقط بسبب شراسة المواجهات العسكرية، بل أيضا لأنها كشفت عن اختلال عميق في موازين القوى، بين مقاومة محلية ناشئة، وقوتين استعماريتين كبيرتين . وقد بدأت شرارة هذه الأحداث بمعركة أنوال سنة 1921، التي شكّلت زلزالا عسكريا هزّ الجيش الإسباني وأعاد رسم استراتيجياته في المنطقة.
ففي صيف 1921، تقدّم الجيش الإسباني داخل جبال الريف بهدف تثبيت السيطرة الاستعمارية. غير أن المقاومة الريفية بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي حققت انتصارا ساحقا في معركة أنوال، أدى إلى انهيار كبير في صفوف الجيش الإسباني، وأحدث صدمة سياسية وعسكرية داخل إسبانيا نفسها.
بعد أنوال، لم تتأخر إسبانيا في إعادة تنظيم قواتها، لكنها سرعان ما وجدت نفسها مضطرة إلى التنسيق مع فرنسا، خصوصا مع توسّع نفوذ المقاومة الريفية. وهكذا تحوّل الصراع إلى حرب غير متكافئة، جمعت قوتين استعماريتين ضد منطقة جبلية محدودة الموارد لكنها عالية التنظيم. وخلال هذه المرحلة، لجأت القوات الإسبانية إلى وسائل حرب غير تقليدية، أبرزها استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دوليا خاصة غازات سامة مثل غاز الخردل في عدد من المناطق ، في محاولة لكسر صمود المقاومة وإفراغ الجبال من سكانها.
و في سنة 1926، وبعد حصار عسكري خانق، اضطر محمد عبد الكريم الخطابي إلى الاستسلام لتجنب إبادة جماعية محتملة لسكان الريف، و تم نفيه خارج المغرب، لتنتهي بذلك حرب الريف، لكن آثارها لم تنتهِ تاريخيا، فقد تحوّلت إلى رمز عالمي مبكر لمقاومة الاستعمار، وإلى ملف تاريخي مفتوح يعيد طرح أسئلة العدالة التاريخية، وحدود القوة الاستعمارية، ومسؤولية الاعتراف بالانتهاكات.
في هذه المرحلة التاريخية لم يُبدِ المجتمع الدولي أي تحرك جاد لمساءلة القوى الاستعمارية. ويتم تفسير هذا الصمت في جزء كبير منه بضعف منظومة القانون الدولي آنذاك، وهيمنة القوى الاستعمارية الكبرى على القرار الدولي، إضافة إلى غياب آليات فعالة لمحاسبة استخدام الأسلحة المحظورة.
و إلى يومنا هذا ، ليس هناك اعتذار رسمي صريح ومباشر حول ما وقع خلال حرب الريف، بما في ذلك الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية.
و يثير هذا الغياب نقاشا مستمرا حول الذاكرة التاريخية، و الاعتراف بالانتهاكات الاستعمارية.

Views: 13

الاخبار العاجلة