من علم الرياضيات إلى الأدب – “كتابة الزجل والشعر ” :  • وكما يقال : خلق عوالم جديدة كلا المجالين ، يبني تصوراً تخيلياً • أو منطقياً، مستلهماً من الواقع، مستخدماً قوة الكلمة ، أو الرمز لإيصال فكرة عميقة للمتلقي. هذا ما فعله الشاعر / الزجال : احميدة بلبالي.

جسر التواصلمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
من علم الرياضيات إلى الأدب – “كتابة الزجل والشعر ” :  • وكما يقال : خلق عوالم جديدة كلا المجالين ، يبني تصوراً تخيلياً • أو منطقياً، مستلهماً من الواقع، مستخدماً قوة الكلمة ، أو الرمز لإيصال فكرة عميقة للمتلقي. هذا ما فعله الشاعر / الزجال : احميدة بلبالي.

كريم القيشوري 

 يسعدني أن أقدم ورقة عن ديوان الشاعر/ الزجال احميد بلبالي المهدى لي في مناسبة احتفائية بمنجزه الشعري الفصيح الموسوم ب : ” رقص الغواية الأخير ” .ديوان عن مطبعة وراقة بلال في 102 صفحة ، متضمن لأحد عشرة قصيدة ، موسومة بتحية إلى صديقه السي محمد البلبال بوغنيم الذي يصفه بالأخ في الحلم والحياة ، عبر قصيدة الافتتاح المعنوة ب : “ثيمكساوين ” .
والعناوين المقترحة في ديوان «رقص الغواية الأخير» تبدو، في مجموعها، وكأنها لا تؤدي وظيفة التعريف بالقصائد فقط، بل تشكل نسيجًا شعريًا موازيًا للنصوص. فهي تتحرك بين الذاكرة والشوق والريح والمطر والطيور والغواية، وتستدعي في الوقت نفسه المكان والغياب والانتظار.
1. العنوان المركزي: «رقص الغواية الأخير»

العنوان قوي من الناحية الإيحائية.
«الرقص» فعل حركة وإغراء وحياة، بينما «الغواية» تفتح المجال على الحب والجسد والجمال والفتنة، وقد تتجاوز ذلك إلى غواية الشعر نفسه. أما «الأخير» فيمنح العبارة بعدًا مأساويًا أو تأمليًا: كأن الشاعر يقف أمام نهاية مرحلة، أو أمام آخر احتفال بالجمال قبل انطفائه. وهنا تنشأ مفارقة جميلة: الرقص حركة، والأخير نهاية. وهذا التوتر يمكن أن يكون مفتاحًا لقراءة الديوان كله. 2. «ثيمكساوين»
عنوان شديد الخصوصية، لأنه يحمل إحالة ثقافية ومكانية لا تشرح نفسها للقارئ مباشرة. خصوصًا إذا كانت القصيدة تستثمر الذاكرة الأمازيغية – الأطلسية.
العنوان يمنح الديوان منذ البداية جذرًا مكانيًا وهويةً ثقافية، ثم تأتي بقية العناوين لتتحرك من هذا الجذر نحو فضاءات أكثر تجريدًا: الشوق، الذاكرة، الغواية، الريح…
3. «لماذا تعود الطيور لأوكارها»
عنوان استفهامي شاعري. الجميل فيه أن السؤال الظاهر عن الطيور يمكن أن يتحول إلى سؤال عن الإنسان:
لماذا نعود؟
إلى ماذا نعود؟
وهل يكون الوطن مكانًا أم ذاكرة؟
والطيور والأوكار من الرموز القديمة، لكن صيغة السؤال تمنحها حياة جديدة، لأنها تجعل القارئ شريكًا في البحث عن الجواب.
4 – «إطلالة كالبرق هل أنتظر المطر؟»
من حيث الصورة، هناك ثنائية جميلة جدًا:
البرق ← المطر
الإطلالة ← الانتظار
البرق لحظة خاطفة، والمطر وعد بالامتداد. وبالتالي يمكن أن يكون العنوان تعبيرًا عن لحظة عابرة توقظ انتظارًا طويلًا. 5. «حين يطرز فستان الغواية يتمه»
عنوان مركب وغني بالصورة. تحويل الغواية إلى فستان يمنحها هيئة أنثوية وجمالية، وتحويل الفعل الشعري إلى «تطريز» يضيف معنى الصناعة والتأنّي والتفاصيل.
فالعنوان يحمل صورة شعرية جميلة .
6. «حكايا الفراغ»
من أكثر العناوين اختزالًا. والمفارقة هنا لافتة: الفراغ لا يحكي عادة، لكن الشاعر يجعله صاحب حكايات.
العنوان يوحي بالغياب، والوحدة، وما يبقى بعد رحيل الأشياء والأشخاص. وهو عنوان مناسب جدًا لقصيدة ذات نزعة تأملية.
7. «خارطة الشوق»
عنوان يجمع بين الخارطة، التي تنتمي إلى الجغرافيا، والشوق، الذي ينتمي إلى الوجدان، يحول العاطفة إلى مكان يمكن اكتشافه والسفر داخله.
ويبدو أن فكرة المكان تتكرر في الديوان بأشكال مختلفة: ثيمكساوين، الأوكار، الخارطة، الرفوف، وهناك…
8. «عراف الغواية»
عنوان جذاب، وفيه شخصية شعرية. «العراف» هو الذي يقرأ الخفي والمستقبل، بينما «الغواية» عالم الرغبة والجمال والمجهول.
وهو عنوان يرفع الغواية من مجرد إحساس إلى سرّ يحتاج إلى قارئ أو كاهن أو عرّاف.
كما أنه ينسجم بوضوح مع عنوان الديوان الرئيسي.
9. «خارقٌ الحَجر»
هذا من أكثر العناوين إثارة للاهتمام.
دلاليًا : «الحجر» يمكن أن يكون حجرًا ماديًا، أو رمزًا للقسوة والسكون والانغلاق. و«الخَرْق» فعل اقتحام وتجاوز. لذلك يحمل العنوان طاقة تمرد وانفلات تختلف عن عناوين الشوق والذاكرة.
10. «يد الريح»
عنوان شديد الاقتصاد. الريح لا تُرى، لكن لها «يد» في المخيلة الشعرية؛ تحرك، تمحو، تبعثر، تحمل، وتغير.
وهذا العنوان يفتح مساحة كبيرة للتأويل، خصوصًا إذا كانت الريح في القصيدة فاعلًا في الذاكرة أو المصير.
11. «رفوف الذاكرة»
عنوان جميل وواضح الصورة. الذاكرة هنا ليست فضاءً سائلاً، بل مكتبة ذات رفوف، تحفظ الأشياء وتراكمها.
والجميل أنه يتجاور مع «حكايا الفراغ» و«خارطة الشوق»: الفراغ، الشوق، الذاكرة تصبح أمكنة داخلية.
12. «لنجمة هناك»
هذا العنوان يترك الديوان في حالة إشارة لا اكتمال.
«هناك» كلمة مكانية مبهمة، والنجمة بعيدة ومرئية في الوقت نفسه. و«لنجمة» تجعل العبارة أقرب إلى الإهداء أو النداء أو التوجه نحو كائن بعيد.
ومن الناحية الموسيقية، أجد أن هذا العنوان يصلح جدًا لأن يكون عنوانًا ختاميًا؛ لأنه لا يغلق الديوان، بل يتركه مفتوحًا على الأفق.
أظن أن المدخل الأخصب إلى «رقص الغواية الأخير» ليس القول إن احميدة بلبالي «انتقل من الزجل إلى الشعر»، لأن هذه العبارة توحي بأن الزجل شيء والشعر شيء آخر. والأدق هو القول إن الزجل عند بلبالي كان منذ البداية طريقًا إلى الشعرية، وأن مساره الطويل انتهى إلى تقوية هذه الشعرية وتحريرها من التصنيف الضيق.
فمساره الإبداعي ليس وليد هذا الديوان؛ فقد بدأ بـ «لسان الجمر» ، ثم توالت أعماله : «الرحيل ف شون الخاطر» و«شمس الما» و«بريه ف كم الريح» و«لا زربة على صباح»، إلى أن وصل إلى «رقص الغواية الأخير» . وهذا التراكم يجعل الديوان محطة في مشروع ممتد، لا قطيعة مفاجئة مع الماضي، ويجعل صاحبه ذا خلفية جمعوية ، فنية، ثقافية.. تتماهى مع اختصاصه العلمي. فهو بذلك جمع ما بين الحسنين. العلم والأدب .
هذه إطلالة تقريبية للقارئ للديوان من خلال عناوينه المعبرة ، والتي تقتفي أثرها في نصوص القصائد، التي نود إشراك القارئ والناقد والمهتم بالجمال، أن تمنح له فرصة الحصول على الدهشة والإمتاع من خلال ديوان: ” رقصة الغواية الأخير”.
————-
– في انتظار أن تتاح فرصة لقاء عرض قراءة شاملة للديوان.

الاخبار العاجلة