
عبد العزيز الخطابي
أحيانًا لا يبدأ السؤال الديني من داخل المسجد. بل من الشارع. ولا يأتي الاعتراض على ممارسة دينية من خصم للدين. وإنما من مواطن وجد نفسه أمام باب بيته أو في طريقه محاصرًا بصفوف المصلين. هنا تحديدًا تتحول الواقعة اليومية إلى سؤال أكبر من مجرد خلاف عابر: هل يمكن أن تُمارس العبادة في الفضاء العام بطريقة تُعطّل حقوق الآخرين؟ وأين ينتهي حق المصلين في أداء شعيرتهم. ويبدأ حق الناس في المرور والوصول إلى منازلهم وقضاء مصالحهم؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة في المغرب بعد تداول مقطع فيديو لمواطنة عبّرت فيه عن استيائها من إغلاق بعض الممرات والأزقة المؤدية إلى منزلها بسبب امتداد صفوف المصلين أثناء صلاة الجمعة. وما قالت إنه ترتب عن ذلك من تضييق على السكان وحركة المرور. وتزامن ذلك مع تداول مقطع للدكتور محمد الفايد أيّد فيه. بحسب المقطع المتداول. موقف المواطنة. منتقدًا أن تتحول الصلاة إلى سبب في تعطيل مصالح الناس وإغلاق الطرق.
وبعيدًا عن الجدل الذي رافق الواقعة وعن الأشخاص الذين أصبحوا جزءًا من النقاش. فإن السؤال الحقيقي الذي يستحق أن يُطرح بهدوء هو: ماذا يقول الفقه الإسلامي عندما تمتد صفوف صلاة الجمعة إلى الطريق، فتمنع المرور أو تعرقل الوصول إلى المنازل أو تعطل مصالح الناس؟
الإجابة ليست بالبساطة التي تقدمها بعض المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. فلا يصح القول. من الناحية العلمية. إن المذاهب الإسلامية الأربعة أجمعت على تحريم الصلاة في الطريق أو على بطلانها. كما لا يصح بناء المسألة كلها على حديث «المواطن السبعة» الذي ورد فيه النهي عن الصلاة في «قارعة الطريق» لأن الحديث مختلف في تصحيحه. وقد ضعفه عدد من أهل الحديث. ولذلك فإن الاستدلال به يحتاج إلى احتراز علمي. ولا ينبغي تقديمه باعتباره نصًا صحيحًا متفقًا على ثبوته.
لكن وجود هذا الخلاف الحديثي لا يعني أن الشريعة تركت الطريق بلا حماية. على العكس. هناك أصل نبوي أكثر قوة وثبوتًا يتعلق مباشرة بالموضوع. وهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس في الطرقات» فلما ذكر الصحابة حاجتهم إلى مجالسهم. قال لهم: «فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه» ولما سُئل عن حق الطريق ذكر من ذلك «كف الأذى»
وهنا تكمن أهمية الحديث بالنسبة إلى النقاش المعاصر. فالطريق في التصور الإسلامي ليس مجرد مساحة مادية مفتوحة. وإنما له «حق» ومن أهم حقوقه ألا يتحول إلى مصدر للأذى أو إلى فضاء تُعطل فيه مصالح الناس. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل «كف الأذى» جزءًا من حق الطريق. فإن استعمال الطريق بطريقة تمنع الناس من المرور أو تحاصر مداخل منازلهم أو تعرقل مصالحهم لا يمكن أن يكون مسألة هامشية في ميزان الشريعة.
وتأتي قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» لتؤكد هذا المعنى. وهي من القواعد الفقهية الكبرى التي استند إليها العلماء في أبواب واسعة من المعاملات والأحكام. ومضمونها واضح: لا يجوز للإنسان أن يحصل على مصلحة لنفسه بإلحاق ضرر معتبر بالآخرين.
لكن هنا ينبغي الحذر من تبسيط المسألة. فخروج المصلين من المسجد إلى الفضاء الخارجي لا يعني بالضرورة وقوع مخالفة شرعية. فإذا امتلأ المسجد في صلاة الجمعة أو العيد. واضطر الناس إلى الصلاة في الساحات أو الأماكن المحيطة به. فقد ذكر الفقهاء حالات تجيز الصلاة خارج المسجد عند الحاجة. ولهذا فإن مجرد وجود صفوف للمصلين في الشارع لا يكفي وحده لإصدار حكم بالتحريم أو البطلان.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الحاجة إلى تعدٍّ. وعندما يتحول استعمال الطريق إلى تعطيل للطريق نفسه.
هناك فرق كبير بين أن يصلي المصلون في مساحة عامة واسعة مع إبقاء ممرات المرور مفتوحة. وبين أن يُغلق شارع حيوي بالكامل. أو يُمنع السكان من الوصول إلى بيوتهم، أو تتعطل حركة السيارات. أو يستحيل مرور سيارات الإسعاف والطوارئ. ففي الحالة الأولى نحن أمام استعمال مؤقت للفضاء العام تفرضه الحاجة. أما في الثانية فنحن أمام ضرر يمس حقًا مشتركًا لا يملكه المصلون وحدهم.
وهنا أيضًا تظهر أهمية التفريق بين المذاهب. فالقول بأن «المذاهب الأربعة تحرم الصلاة في قارعة الطريق وتبطلها» قول غير دقيق. فالحنفية والشافعية والمالكية لهم تفصيلات مختلفة. وفي الجملة لا يجعلون الصلاة في الطريق باطلة لمجرد وقوعها فيه. وإن كانت الكراهة أو المنع قد يتعلقان بظروف المكان وما يترتب على الصلاة فيه من أذى أو تضييق. أما عند الحنابلة فهناك قول مشهور بعدم صحة الصلاة في قارعة الطريق. مع وجود تفصيلات واستثناءات مرتبطة بالحاجة. ومن بينها حالات امتلاء المسجد وعدم وجود موضع آخر للصلاة.
وهذا الاختلاف الفقهي نفسه يكشف أن المسألة ليست معركة بين «من يؤيد الدين» و«من يعارضه» كما يحاول البعض تصويرها على مواقع التواصل الاجتماعي. إنها في جوهرها مسألة فقهية تتعلق بكيفية الموازنة بين مصالح متعددة: مصلحة أداء الشعيرة. ومصلحة المحافظة على حق الطريق. ومصلحة السكان والمارة وأصحاب المصالح.
بل إن من المفارقات أن تحويل الموضوع إلى مواجهة بين الدين وحقوق المواطنين يسيء إلى الطرفين معًا. فالإسلام لا يضع العبادة في مواجهة الإنسان. ولا يجعل الشعيرة ذريعة لإلحاق الأذى بالآخرين. كما أن المطالبة بتنظيم استعمال الطريق لا تعني بالضرورة رفض الصلاة أو معاداة المتدينين.
المشكلة الحقيقية هي غياب التنظيم عندما تتجاوز أعداد المصلين قدرة المسجد على الاستيعاب. فإذا كان مسجد ما يعرف مسبقًا أن أعداد المصلين يوم الجمعة تفوق طاقته. فإن الحل لا ينبغي أن يكون ترك الشوارع تُغلق بصورة عشوائية. بل وضع ترتيبات واضحة تضمن للمصلين أداء شعيرتهم وتحافظ في الوقت نفسه على ممرات السكان والمارة والخدمات الضرورية.
وفي المدينة الحديثة. تصبح هذه المسألة أكثر حساسية مما كانت عليه في الأزمنة السابقة. فالطريق اليوم ليس مجرد ممر للمشاة؟ إنه جزء من شبكة للنقل والخدمات والإسعاف والدفاع المدني والطوارئ. وقد يكون إغلاق شارع لدقائق في حي مكتظ كافيًا لتعطيل سيارة إسعاف أو منع شخص مسن أو مريض من الوصول إلى منزله. ولذلك فإن مفهوم «حق الطريق» في الفقه الإسلامي يمكن أن يكتسب اليوم دلالة أكثر وضوحًا. لا أقل.
ومن هنا فإن السؤال الأصح ليس: هل يجوز للمسلمين أن يصلوا في الشارع؟ وإنما: هل يجوز أن تؤدى الصلاة في الشارع بطريقة تلحق ضررًا معتبرًا بالآخرين؟
والجواب الذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها العامة هو أن الحاجة إلى الصلاة خارج المسجد لا تعني إلغاء حقوق الناس. فإذا امتلأ المسجد واضطر المصلون إلى التوسع خارجه، فذلك يمكن أن يكون مفهومًا من الناحية الفقهية. لكن لا ينبغي أن يتحول إلى رخصة مفتوحة لإغلاق الطرق وتعطيل مصالح المواطنين.
فالعبادة لا تكتسب مشروعيتها من مقدار ما تُحدثه من تعطيل للآخرين. وإنما من موافقتها للشرع ومقاصده. وإذا كانت الشريعة قد جعلت كف الأذى جزءًا من «حق الطريق»، فإن احترام الطريق ليس قيمة مدنية حديثة فحسب. بل له جذور واضحة في الأخلاق الإسلامية نفسها.
وفي المقابل. ينبغي ألا يتحول هذا النقاش إلى ذريعة للتضييق على الشعائر الدينية. فالجمعة شعيرة إسلامية. والمساجد قد تضيق بالمصلين. والمجال العام يمكن أن يستوعب بعض مظاهر العبادة عندما تفرض الحاجة ذلك، شريطة أن يكون الأمر منظمًا وألا تتحول الحاجة إلى فوضى أو ضرر.
المطلوب إذن ليس منع الصلاة في الشوارع على إطلاقها، ولا تركها بلا تنظيم على إطلاقها، وإنما بناء توازن عاقل بين حرمة العبادة وحقوق العباد.
ولعل أجمل ما يمكن أن ينتهي إليه هذا النقاش أن احترام حق الطريق ليس نقيضًا للتدين. بل يمكن أن يكون جزءًا منه. وأن المصلّي الذي يحرص على صلاته ينبغي أن يحرص كذلك على ألا يحاصر جاره. ولا يمنع مريضًا من الوصول إلى بيته، ولا يعطل سيارة إسعاف. ولا يجعل شعيرة يفترض أن تحمل السكينة سببًا في الأذى والفوضى.
فالشارع للجميع. والمسجد للعبادة. والجمعة شعيرة. والإنسان له حق لا يجوز تجاهله.
وفي النهاية. ليست القضية أن نختار بين «حق الله» و«حق الناس»، وكأنهما بالضرورة متعارضان؛ فجوهر الشريعة أن العبادة نفسها تُمارس في إطار العدل وعدم الإضرار. ولذلك يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا أمام المجتمع والفقهاء والسلطات المحلية معًا: كيف نحمي حرمة الشعيرة من دون أن نهدر حق الطريق؟
إنها ليست مسألة تنظيم مرور فحسب. ولا خلافًا فقهيًا عابرًا. بل اختبار حقيقي لقدرتنا على تحويل القيم الدينية إلى سلوك مدني يحترم الإنسان والمدينة والفضاء المشترك.
وقد يكون المعيار الأبسط والأكثر وضوحًا هو ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الطريق: «فأعطوا الطريق حقه»







