جريدة جسر التواصل.
في زمن أصبحت فيه الذاكرة الرقمية قادرة على الاحتفاظ بكل ما يُنشر تقريباً، لم تعد التنبؤات القديمة مجرد حكايات تُروى بعد وقوع الأحداث، بل أصبحت قابلة للمقارنة مع ما كُتب ونُشر قبل الحدث نفسه. ومن هذه الزاوية تحديداً تبرز تجربة الفلكي المغربي عبد العزيز الخطابي، الذي ظل اسمه لعقود حاضراً في الصحافة المغربية والعربية بسبب توقعات سياسية واجتماعية ودولية أثارت، ولا تزال تثير، جدلاً واسعاً حول طبيعتها وحدودها وقيمتها التنبؤية.
الخطابي يقدّم نفسه، في حواراته المنشورة، باعتباره باحثاً في التنجيم يعتمد على الحسابات والخرائط الفلكية، ويرفض أن يُقدَّم بوصفه عرّافاً يدّعي معرفة الغيب. وفي حوار صحفي منشور، دعا بنفسه إلى الرجوع إلى كتبه ومنشوراته ومقارنتها بما وقع لاحقاً، مؤكداً أن الفيصل بالنسبة إليه هو ما تقوله الوثائق المنشورة لا الانطباعات الشخصية. كما تحدث عن توقعاته المتعلقة بأحداث 11 سبتمبر، ومصير الأميرة ديانا، وتحولات سياسية كبرى شهدها العالم العربي.

واللافت في مسيرته أن أرشيف الصحافة يتيح بالفعل العثور على مواد منشورة قبل عدد من الأحداث التي جاءت لاحقاً، وهو ما يمنح القضية بعداً مختلفاً عن مجرد استعادة توقعات بعد وقوع الوقائع. ففي 4 نونبر 2010، مثلاً، نشرت صحيفة «الراكوبة» مادة تضمنت توقعات الخطابي لسنة 2011، قبل دخول السنة الجديدة، كما نشرت «هسبريس» في 5 نونبر 2010، أي قبل أسابيع من بداية 2011، قائمة واسعة من توقعاته للعام المقبل، شملت اضطرابات سياسية في عدد من البلدان، وتوترات مغاربية، وكوارث طبيعية، واحتجاجات، ومحاولات اغتيال لشخصيات سياسية، وتغيرات في عدد من الدول.
وهنا تكتسب مسألة التوثيق أهميتها. فالفارق كبير بين أن يُقال بعد وقوع حدث ما إن شخصاً «تنبأ به»، وبين أن يكون هناك نص صحفي مؤرخ يمكن الرجوع إليه والتأكد من أنه كان متداولاً قبل وقوع الحدث. وفي حالة الخطابي، توجد نماذج موثقة من هذا النوع في أرشيف الصحافة العربية، خصوصاً منذ نهاية العقد الأول من الألفية وبداية العقد الثاني منها.
في 26 دجنبر 2008، نشرت وكالة «عمون» الإخبارية مادة تضمنت توقعات الخطابي للمرحلة المقبلة، ومن بينها قراءات سياسية مرتبطة بالولايات المتحدة والعالم العربي وشمال إفريقيا، فضلاً عن توقعات بعيدة المدى حول الصين وكوريا والمريخ. وتكتسب هذه المادة أهميتها الزمنية لأنها منشورة في نهاية 2008، أي قبل الأحداث التي ستقارن بها بعض توقعاته لاحقاً.
وفي 2011، اتسعت مساحة التغطية الصحفية لتوقعاته. ففي 26 أكتوبر من تلك السنة نشرت صحيفة «الوطن» مادة مطولة حول توقعاته لعام 2012، أعادت فيها عرض عدد من توقعاته السابقة المتعلقة بأحداث سياسية وأمنية عالمية، من بينها اغتيال إسحاق رابين، وحرب العراق، ونهاية صدام حسين، وأحداث 11 سبتمبر، وغزو أفغانستان، ووفاة ياسر عرفات، إلى جانب توقعات مرتبطة بالأميرة ديانا. لكن هذه الجزئية تحديداً ينبغي التعامل معها صحفياً باعتبارها توثيقاً لاحقاً لما كان الخطابي يقوله عن أرشيفه السابق، لا بديلاً عن العدد الأصلي الذي نُشرت فيه كل توقعات تلك الأحداث.
وهذه الدقة ليست تفصيلاً شكلياً، بل هي جوهر العمل الصحفي. فالصحافة لا تحتاج إلى أن تحسم علمياً ما إذا كان التنجيم قادراً على التنبؤ بالمستقبل، كما أنها ليست مطالبة بتبنّي تفسير الخطابي لنجاح بعض توقعاته. مهمتها الأولى هي أن تحدد ما الذي نُشر، ومتى نُشر، وما الذي وقع بعد ذلك، ثم تترك للقارئ والباحث مهمة المقارنة.
ومن بين الوثائق اللافتة في هذا السياق مادة «هسبريس» المؤرخة في 5 نونبر 2010، والتي تقدم توقعات محددة لعام 2011 قبل بدايته. وتضمنت المادة إشارات إلى احتجاجات واضطرابات في عدد من المناطق، وتوترات بين دول المغرب الكبير، وأحداث في الشرق الأوسط، ومظاهرات في أوروبا، وأزمات اقتصادية واجتماعية في مناطق مختلفة من العالم. وقد أصبحت هذه المادة نفسها جزءاً من الأرشيف الصحفي الذي يمكن العودة إليه عند تقييم ما قيل قبل وقوع أحداث 2011.
وفي 2013، عادت الصحافة المغربية إلى أرشيف الخطابي من خلال مادة نشرتها «أخبارنا» في 30 دجنبر، تحت عنوان يتناول توقعاته لعام 2014. ولم تكتف المادة بتقديم توقعات السنة الجديدة، بل ذكرت أيضاً عدداً من التوقعات السابقة التي ارتبط اسمه بها، ومنها اغتيال إسحاق رابين ووفاة ياسر عرفات، وتوقعات مرتبطة بفيضانات سنة 2008 ورحيل عدد من الفنانين والأدباء، إضافة إلى أحداث 11 سبتمبر ومصير الأميرة ديانا.
وتكشف هذه العودة المتكررة إلى اسمه في الصحافة عن ظاهرة أخرى لا تقل أهمية: الخطابي لم يكن يظهر في الإعلام فقط بعد وقوع الأحداث، بل كان يقدم توقعات سنوية منشورة ومؤرخة، بعضها قبل الحدث بأسابيع أو أشهر. وهذا واضح أيضاً في حوار نشرته «الأسبوع الصحفي» في 13 يناير 2018، حيث قدم توقعاته السياسية للمغرب والعالم خلال السنة الجديدة، فتحدث عن مستقبل حكومة سعد الدين العثماني، وعزيز أخنوش، وناصر الزفزافي، وعبد الإله بنكيران، والانتخابات المقبلة، إلى جانب توقعات مرتبطة بالولايات المتحدة والجزائر وقضية الصحراء.
والأهم أن جزءاً من هذه المادة محفوظ في أرشيف صحفي قابل للرجوع إليه؛ فقد نشرت «المشعل» في عدد يعود إلى سنة 2016 حواراً خاصاً مع الخطابي حول الانتخابات المغربية المقررة في 7 أكتوبر، تضمن توقعاً بمشاركة انتخابية ضعيفة، وقراءات لمستقبل عبد الإله بنكيران وعدد من الفاعلين السياسيين، وتوقعات بشأن عزيز أخنوش وغيره. وجود المادة في نسخة صحفية مؤرشفة يمنحها قيمة توثيقية أكبر من مجرد نقل شفهي لاحق.
لكن الأرشيف نفسه يكشف أيضاً الوجه الآخر للقصة: ليست كل التوقعات التي نُسبت إلى الخطابي قد تحققت، ولا ينبغي للصحفي أن ينتقي النتائج التي وافقت الواقع ويغفل تلك التي لم توافقه. فالتقييم المهني لأي سجل تنبؤي يقتضي النظر إلى الصورة كاملة، بما فيها التوقعات التي لم تقع أو وقعت بصورة مختلفة أو جاءت نتائجها بعيدة عن النص الأصلي. وهذه القاعدة هي التي تفصل التحقيق الصحفي عن المادة الدعائية.
ومن هنا تأتي أهمية تجربة الخطابي بوصفها ظاهرة إعلامية وثقافية مغربية قبل أن تكون مسألة تتعلق بالحكم على التنجيم نفسه. فمنذ سنوات، تحولت توقعاته السنوية إلى مادة تتداولها الصحف والمواقع، وأصبح اسمه مرتبطاً بلقب «نوستراداموس العرب»، وهو لقب ظهر في مواد صحفية متعددة، لا باعتباره اسماً علمياً رسمياً، وإنما بوصفه توصيفاً إعلامياً للشهرة التي أحاطت بتوقعاته.
وحتى في المجال الرياضي، ظل الخطابي يقدم توقعاته بصورة منشورة ومؤرخة. ففي 16 ماي 2018، نشرت «هسبريس» توقعه بشأن مشاركة المنتخب المغربي في كأس العالم بروسيا، متحدثاً عن حظوظ المنتخب وعن إمكانية أن «يقول كلمته» في البطولة، وهو مثال إضافي على استمرار حضوره الإعلامي في مجالات تتجاوز السياسة والأحداث الدولية.
أما التوقعات الأقدم، المرتبطة بأحداث مثل اغتيال أنور السادات سنة 1981، ومصير الأميرة ديانا سنة 1997، واغتيال إسحاق رابين سنة 1995، وأحداث 11 سبتمبر 2001، ووفاة ياسر عرفات سنة 2004، فإنها تمثل الجزء الأكثر إثارة في أرشيف الخطابي، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى أعلى درجات التوثيق. فوجود إشارات لاحقة في الصحافة إلى تلك التوقعات يثبت أن الخطابي كان يقدمها بوصفها جزءاً من سجله، لكنه لا يعفي الباحث الصحفي من محاولة الوصول إلى النسخة الأصلية من الصحيفة أو المجلة التي نشرت التوقع قبل الحدث، مع تحديد التاريخ والعدد والصفحة متى كان ذلك ممكناً. وهذا هو الطريق الأكثر صرامة لإثبات السبق الزمني.
وهنا بالضبط تكمن قوة قصة عبد العزيز الخطابي: ليست في إطلاق حكم مسبق على التنجيم، ولا في تحويل الرجل إلى أسطورة، وإنما في وضع أرشيفه أمام أرشيف الأحداث. ماذا قال قبل الحدث؟ ومتى قاله؟ وأين نُشر؟ وما مقدار التطابق بين النص الأصلي وما وقع فعلاً؟ وما هي التوقعات التي لم تتحقق؟ تلك الأسئلة أكثر إثارة صحفياً من أي حكم جاهز.
وبعد عقود من الحضور الإعلامي، تبدو تجربة الخطابي اليوم قابلة للقراءة باعتبارها حالة نادرة في الثقافة الإعلامية المغربية؛ رجل جعل من قراءة المستقبل موضوعاً دائماً للنشر، وترك وراءه سلسلة من الكتب والحوارات والتوقعات السنوية والمقالات الصحفية التي يمكن الرجوع إليها ومقارنتها بالتاريخ الفعلي للأحداث.
وفي عصر الأرشيف الرقمي، لم تعد الذاكرة وحدها كافية. الوثيقة هي الفيصل، والتاريخ المنشور هو نقطة البداية، والنص الذي سبق الحدث هو الذي يسمح بإجراء المقارنة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه تجربة عبد العزيز الخطابي ليس فقط: «هل تنبأ بالمستقبل؟»، وإنما سؤال أكثر دقة وإثارة: ماذا كتب قبل أن يقع الحدث، وماذا وقع بعد ذلك؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى أسطورة ولا إلى خصومة مع التنجيم؛ تحتاج فقط إلى الأرشيف.























