“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

جسر التواصل16 مارس 2022آخر تحديث :
“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

سعيد غزالة

                                                                       21

والحصانان يعدوان بلا توقف دخلنا في ضباب ذو رائحة لا أتذكر أين شممتها من قبل لكنها رائحة مريحة بشكل غريب. لحظة وكأن ذلك الحصانيين كانيا حلما اختفيا ورأيت بأنني أمتطي سحابة من قطن وناريمان نبتا لها جناحان صغيرين كما ملاك من السماء تدفع بي سحابة القطن الدافئة… ثم، نمت.
أمي ماذا تفعلين بجانب الجُب؟ وكأنها لا تعرفني أجابت بأن طفلها ريان سقط في الجُب والناس تمر بجانبها ولا تلتفت للأمر ولا تريد أن تساعدها. قلت لها: أنا طفلك يا أمي لقد خرجت عبر ممر إليك. نظرت إلي في غضب. ثم ذهبت وعادت بعد قليل وهي مبتسمة تحمل حبلا قائلة: كل أطفال القرية أطفالي، هلا ساعدتني على سحب طفلي من البئر؟ قلت لها: الذي أعلم أمي أن طفلك لن يستطيع أن يمسك بالحبل. هو غير قادر وكل حركاته مشلولة. نظرت إلي في تساؤل. من أخبرك بذلك؟ لقد كنت هناك ومررت بنفس التجربة المؤلمة، والحبل الذي تحملين جد قصير فوق كل هذا… لم تنتبه لكلامي وأدخلت الحبل في فوهة الجُب في رمشة عين كنت في داخل الجُب أصرخ: الحبل قصير أمي. وأرانى من بعيد وأمي يطلان علي… بكيت بكاء حارا ومؤلما… كنت أتمنى أن يصل الحبل وأعاتبني أنا هناك: لماذا لم أقنع أمي بأن الحبل قصير وبأن ريان في الجُب كان عاجزا على الإمساك بالحبل إذا ما وصل؟ لكن أمي لم تيأس. فعادت تبحث عن حبل آخر ولكنها لم تجد وكل من كانت تطلب منه حبلا يعتذر منها لأن حبالهم هي الأخرى قصيرة ولا يرغبون في وصلها بحبال أخرى! عاودني النوم مرة أخرى لأستفيق على صوت ناريمان الشجي وهي تمرر ورقات زهرة الأقحوان على وجهي. لم يبق لها تلك الجناحين وأنا لا أمتطي سحابة القطن، بل في بيت متواضع جدا، بل غرفة واحدة لها باب مفتوح على منحدر وادي عميق ونوافذ كثقب في الجدار وشمعة لا تكاد تنير إلا نفسها. جلست وأنا أجيل النظر والاستغراب مستحوذ علي. وضعت ناريمان صحن زيتون أسود وخبز شعير وهي مبتسمة قائلة: لا تستغرب أيها الجميل إنك فقط في حلم ولن يطول ستسيقظ في الوقت المناسب. هذا الحلم هو اختبار لك… قاطعتها: لما تختبرونني هكذا؟ أنا لا أريد منكم شيئا. فقط أحن إلى حضن أمي وجَدْيي الصغير. ثم نزلت دموع من عيني. اقتربت مني ناريمان وطوقتني بدراعيها وهي تهمس في أذني بأنشودة خففت من حزني الكثير.
نم يا صغيري وابتسم
نور الشمس من هناك ستشرق كما العادة
والديك سيصيح كما العادة
والطيور ستغادر أعشاشها بحثا عن طعامها
كما العادة
نم قرير العين ودع الأحلام تراود الخيال
كما العادة…
أنت ريان الطفل الإنسان
أنت زهرة الأقحوان…
وأنا حاملة الزهور كما العادة.
سنطير نسافر ولن نتوقف…
الطريق طويل يا صغيري كما العادة…

عدت إلى نومي كما العادة علني أعود إلى سحابة القطن، ونواصل رحلة الاكتشاف. رحلة الاندماج. رحلة التحرر من الانتظار حتى يسمح لي بطرح السؤال. وحتى تتحقق أماني الخمسة: حضن، باب، ممر، حذاء، حكاية.
أمي. لا أستطيع أن أصف لك مدى حبي لك. سأكتب لك رسالة وسأطلب من بنت الأقحوان أن توصلها لك. أنا أعلم أنها تقرأ أفكاري لهذا سأكتبها وأضعها في جراب من جلد مع خيط من حرير أحمر لتصنعين لي منه سوارا من عقيق اللبان الأصفر كزهر الأقحوان. سأكون طفلك المميز أمي. أليس كذلك؟
أنا أعلم أنك تسمعينني. أحبك.

                                                                    22
بالأحمر ستكون رسالتي لك أمي… لون رمان بستان أم نزار الذي لا يتغير والثوب الصوفي الذي تضعينه على كتفيك عند كل صباح لحلب معزتنا السوداء. رسالة أكتبها لك بعد أن تعبت من أحلام تختلط بأحلام ونوم يضيع في آخر… تعبت من الأماني التي أكتبها على ورقات خمس… ومن بخل بنت الأقحوان على إكمال حكايتها. رغم سقوطي وخوفي ستبقين نقطة الضوء الوحيدة من تنير لي الطريق نحو عالم آخر إذا ما تم اختياري له، وستكون دعواتك خيولي التي سأمتطيها أسابق بها الرياح فوزا برضى الله. هي الجنة، أماه، تحت أقدامك، وإن سفري لن يطول. سأصل هناك وسأصلي.. أمي لن أخفيك أسراري التي كنت أخفيها عنك وأنا فوق. قبل أن أسقط في هذا الجُب كنت هاربا من غضب أبي لأني لم أكن راغبا في الذهاب ل”المسيد” لأني كنت أرغب في اللعب… ولم يكن بمقدوري أن أخبرك عن إعجابي بأخت نزار ولا عن حبي لغروب الشمس خلف الغابة وشروقها من طلة التلة… كنت تخشين علي المنحدر ورغم ذلك كنت أتسلل لموعد الشروق. أمي لا تقلقي ولا تحزني فالله وحده يعلم كم أشتاق إليك ولكل الناس وحيواناتي… وأشتاق لأخوتي. لا أستطيع أن أخفي عنك مدى رغبتي في أن نذهب في زيارة للمدينة الزرقاء وزيارة عائلاتنا هناك والجري عبر أزقتها التي وصفوها لنا وكأنها أزقة الجنة التي حدثنا عنها الفقيه. هل في الجنة أزقة؟ الجنة فيها كل شيء أمي أليس كذلك؟ أنا أعرف… ولكن أمي كل ما أتمناه في جنة الله بيت كبيتنا ومنحدر التلة وشمس تطل كل صباح مبتسمة في وجه الأرض، وجديٌ صغير كجَديي وكلب وفِيٌّ ككلبنا، ولما لا هو؟ سأطلب من الله عندما ألاقيه أشياء كثيرة، وأنا أعلم أنه لن يرفض لي طلب… أتخيل يا أمي، وأنا أطلب من الله ما أريد، أنه يبتسم لي في عطف كبير وينظر للملائكة الذين يحيطون به وكأنه يقول لهم: ألم أقل لكم أني أعلم ما لا تعلمون… هذا كلامه في القرآن الكريم. سأطلب منه أن يفتح لي الممر لكي أعود إليكم، وأطلب منه أن يوفق أبي ليشتري لي حذاء الجلد، وأن تذهبين أنت وأبي للحج… سأطلب منه أن يُبعد الشر عن طيور اللقلاق حتى تبقى حارسة قريتنا، وأطلب منه، كذلك، أن يعيد ملأ كل الآبار بالماء حتى نشرب منها ونسقي بها أحواض النعناع والزعتر، ونورد بهائمنا وعطش الأطفال. سأسجد له وسيفرح بطاعتي له ثم ينظر إلى الملائكة المسلِمة بالأمر. سأطلب منه أن يقفل باب جهنم وأن يجعل من الشمس رحيمة وأن يرسل لنا المطر. سأرجوه أن أكبر وأصبح فارس فانتطازيا أجول، بمهارة الفروسية، مناطق بلدي مفتخرا بأبي الذي سيعلمني ركوب الخيل والسباحة في الوادي وصيد وحيش الغاب. سأحكي له عن جُب لم يقفل فسقطت فيه… أمي، ربي يعلم كل شيء أليس كذلك؟ ويعلم كذلك أنني سألاقيه وأطلب منه كل هذه الأشياء وسيذكرني، برحمته، بأشياء أخرى نسيتها. وهكذا أكون طفلا مهذبا مؤمنا بكل ما قدره الله عليَّ. سأكتب لك رسالة مطولة أقول لك فيها ما لم أستطع قوله لك وأن أسابق جَدْيي الصغير. سأحكي لك عن ثوب تمنيته وفاكهة لم أتذوقها بعد وعن سباق الأرانب إلى جحورها… وعن أطفال الغدير في القرية المجاورة. سأعود لا محالة إلى فراشي البسيط جدا وأحضن وسادتي الخضراء ولن أرفع عنك نظراتي وأنت تمشطين شعرك الأسود مبتسمة لي حتى أنام وأدخل في حلم آخر من أحلامي الصغيرة.

Views: 23

الاخبار العاجلة