
عبده حقي

يواجه المشهد السياسي المغربي مفارقة لافتة تستحق أكثر من قراءة عابرة. فمن جهة، تتعالى الدعوات إلى إشراك الشباب في الحياة السياسية، وتجديد النخب، وتوسيع المشاركة في الأحزاب والانتخابات والمؤسسات المنتخبة، ومن جهة أخرى، يستمر جزء مهم من الشباب في النظر إلى العمل الحزبي بكثير من التحفظ والشك، بل وأحيانا باللامبالاة. وفي الاتجاه المقابل، نشهد ظاهرة أخرى لا تقل إثارة للقلق، تتمثل في انتقال بعض السياسيين من حزب إلى آخر تبعا للحسابات الانتخابية أو تغير موازين القوة، حتى أصبح ما يعرف بـ«الترحال السياسي» واحدا من العوامل التي تضعف صورة الالتزام الحزبي وتفرغ الانتماء السياسي من معناه الفكري والأخلاقي.
الظاهرتان، في تقديري، ليستا منفصلتين. فكلما شاهد الشباب سياسيا ينتقل بسهولة من حزب إلى آخر، ومن خطاب إلى نقيضه، ومن موقع في المعارضة إلى صف الأغلبية أو العكس، من دون تفسير فكري مقنع، ازداد اعتقادهم بأن السياسة مجرد مجال لتبادل المواقع والمصالح، وليست فضاء للدفاع عن مشاريع مجتمعية وقناعات وبرامج.
لا أعتقد أن الشباب المغربي يفتقر بطبيعته إلى الاهتمام بالشأن العام. فحضوره المكثف في النقاشات الرقمية، وتعليقه على قضايا التعليم والشغل والصحة والعدالة الاجتماعية والرياضة والثقافة والسياسات العمومية، يؤكد أنه يتابع ما يجري حوله ويتفاعل معه. المشكلة الحقيقية تكمن في المسافة التي تفصل بين الاهتمام بالشأن العام وبين الانخراط في المؤسسات الحزبية التقليدية.
كثير من الشباب يسأل اليوم: ماذا سيضيف إليَّ الانضمام إلى حزب سياسي؟ هل سأجد فضاء للنقاش والتكوين والمبادرة؟ هل يمكن أن أصعد داخله بالكفاءة والاجتهاد، أم أن الطريق إلى المسؤوليات تمر عبر شبكات العلاقات والولاءات الداخلية؟
عندما يشعر الشاب بأن صوته داخل الحزب لا يساوي الكثير أمام سلطة القيادات التقليدية، وأن فرص الوصول إلى مواقع القرار محدودة، وأن الوجوه نفسها تتكرر في الانتخابات والمؤسسات، يصبح العزوف نتيجة يمكن فهمها، وإن كانت نتائجها خطيرة على الديمقراطية.
العزوف السياسي لا يعني دائما رفض الوطن أو المؤسسات، كما لا يعني بالضرورة انعدام الوعي. فقد يكون في حالات كثيرة احتجاجا صامتا على طريقة ممارسة السياسة نفسها.
لكن خطورة هذا الاحتجاج الصامت تكمن في أنه يترك الساحة فارغة أمام الفئات الأكثر تنظيما وقدرة على التحكم في آليات الترشيح والتعبئة الانتخابية.
إلى جانب عزوف الشباب، تبرز ظاهرة انتقال بعض المنتخبين والفاعلين السياسيين بين الأحزاب، خصوصا كلما اقتربت المواعيد الانتخابية مثلما هو الشأن اليوم .
الأصل في السياسة الحزبية أن ينتمي الإنسان إلى حزب لأنه يقتنع بأفكاره وبرامجه وتصوره للمجتمع والاقتصاد والدولة. ومن الطبيعي أيضا أن يغير السياسي قناعاته وأن يغادر حزبا إذا وقع خلاف فكري أو تنظيمي عميق، فالسياسة ليست ثلاجة ولا سجنا مؤبدا.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح تغيير الحزب عملية موسمية مرتبطة أساسا بالبحث عن التزكية الانتخابية أو الموقع الأقرب إلى الفوز أو النفوذ.
في هذه الحالة يفقد الانتماء السياسي قيمته. فما معنى أن يقضي سياسي سنوات يدافع عن برنامج حزب معين، ثم ينتقل إلى حزب آخر يحمل مرجعية مختلفة من اليسار الراديكالي إلى اليمين المتطرف أو العكس، وبعد مدة ينتقل مجددا إلى تنظيم ثالث، من دون أن يشرح للرأي العام أسباب هذا التحول؟ وما الرسالة التي يتلقاها الشاب من هذا السلوك؟
إن أخطر ما ينتجه الترحال السياسي هو انتشار صورة ذهنية تعتبر السياسة سوقا مفتوحة للفرص. فالناخب لا يعود أمام مرشح يمثل مشروعا سياسيا محددا، بل أمام شخص قد يغير لونه الحزبي في الموعد الانتخابي التالي. وهنا تفقد الانتخابات جزءا من معناها السياسي.
الناخب الذي يصوت على مرشح لأنه يمثل حزبا وبرنامجا معينا يريد منطقيا أن يظل ذلك المنتخب وفيا، قدر الإمكان، للتعاقد السياسي الذي قدم نفسه على أساسه.
أما إذا أصبح الانتقال بين الأحزاب أمرا عاديا تحكمه الحسابات الشخصية، فإن المواطن يبدأ بالتساؤل: لماذا أميز أصلا بين حزب وآخر؟ ومن هنا تبدأ أزمة أعمق هي تراجع الفوارق السياسية في وعي المجتمع.
وعندما يشاهد الشباب مسؤولا يهاجم حزبا بشدة بالأمس ثم ينضم إليه في الغد ، أو يرفع شعارات معينة ثم يتخلى عنها بمجرد تغير موقعه السياسي، فإن الضرر لا يلحق بالشخص وحده، بل بصورة السياسة كلها.
وتتراكم هذه المشاهد تدريجيا حتى تتشكل قناعة جماعية لدى بعض الشباب مفادها أن الخطابات الحزبية ليست سوى لغة انتخابية مؤقتة. وهذه القناعة، سواء كانت عادلة في تعميمها أم لا، تعتبر خطيرة للغاية.
إن الحزب السياسي الحقيقي والعتيد ليس وكالة للترشيحات، بل مؤسسة اجتماعية وسياسية يفترض أن تنتج الأفكار والنخب والبرامج.
وعندما تصبح الحدود بين الأحزاب على اختلاف مرجعياتها الإيديولوجية والتاريخية والنضالية مترهلة وشديدة المرونة، ويستطيع الشخص الانتقال بينها بسهولة كبيرة بحثا عن فرصة انتخابية، فإن مفهوم «المناضل الحزبي» نفسه يبدأ في التراجع لمصلحة مفهوم «المرشح».
يجب أن يشعر الشاب بأن الحزب يحتاج إلى فكره، لا إلى صوته فقط؛ إلى مبادرته، لا إلى حضوره في المهرجانات الانتخابية؛ وإلى قدرته على النقد والتغيير، لا إلى الطاعة التنظيمية. فالانتماء السياسي الحقيقي يولد من الإحساس بالمشاركة في صناعة القرار.
لذلك فإن المعركة الأساسية التي تنتظر الأحزاب المغربية اليوم ليست فقط معركة الفوز في الانتخابات المقبلة، وإنما معركة استعادة الثقة في السياسة نفسها.
فالبلد لا يحتاج إلى شباب يكتفي بمراقبة السياسة من بعيد، كما لا يحتاج إلى سياسيين يحملون حقائبهم من حزب إلى آخر كلما تغيرت الحسابات.
إنه يحتاج إلى ثقافة جديدة تجعل الانتماء السياسي مسؤولية، والاختلاف الفكري قيمة، والالتزام الحزبي تعاقدا أخلاقيا مع المواطن.
وحين تستعيد السياسة هذه المعاني والأفكار الوازنة والنبيلة ، يمكن للشباب أن يجد فيها مجالا يستحق المشاركة، ويمكن للأحزاب أن تستعيد دورها باعتبارها مؤسسات لصناعة الأفكار والنخب والبرامج ، لا مجرد محطات عابرة في مسارات الباحثين عن المقاعد الوثيرة والامتيازات الشخصية .
Views: 1







