
بقلم ـ عبد العزيز الخطابي

في بعض الحوارات التلفزيونية. لا تكمن خطورة السؤال في ما يقوله فقط. وإنما في ما يحاول أن يجعل الضيف ينساه.
وهذه. في تقديري. هي الزاوية الأكثر دلالة في ظهور جمال العسري. الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد. في برنامج «ساعة الصراحة – خاص بالانتخابات التشريعية 2026» الذي بثته القناة الثانية مساء الأحد 30 غشت 2026.
لم يكن اللقاء مجرد حوار انتخابي بين صحفي وضيف سياسي. كان. في عمقه. مواجهة بين منطقين مختلفين: منطق إعلامي يميل. بحكم طبيعة التلفزيون. إلى مطاردة الاسم والترشيح والخلاف والتفصيل الشخصي. ومنطق سياسي حاول أن يعيد السؤال إلى مكانه الطبيعي: أي انتخابات نريد؟ وأي مغرب نريد؟ وأي موقع للمواطن داخل هذا المغرب؟
ومن هنا تحديداً جاءت قوة حضور جمال العسري.
لم يدخل الرجل الاستوديو بمنطق السياسي الذي يبحث عن إجابة سريعة لكل سؤال. ثم ينتهي به الأمر إلى الدفاع عن نفسه وعن حزبه وعن مرشحيه. بدا، في أكثر من لحظة. وكأنه يفهم شيئاً آخر خلف السؤال: أن بعض الأسئلة. حتى وإن كانت مشروعة في ظاهرها. يمكن أن تدفع الحوار بعيداً عن جوهر الاستحقاق التشريعي. وتحوله من امتحان للبرامج إلى امتحان للأشخاص.
وهنا كان الاختبار الحقيقي.
هل يسمح السياسي بأن يصبح هو موضوع الحوار. أم يجعل السياسة هي موضوع الحوار؟
العسري اختار الطريق الثاني.
وهذا لا يعني أن كل سؤال وُجّه إليه كان غير مشروع. ولا أن الصحفيين دخلوا بالضرورة إلى الحوار بنية مسبقة. فالصحافة الجادة من حقها أن تسأل عن الترشيحات والخلافات التنظيمية والاستعدادات الانتخابية. بل إن من واجبها أحياناً أن تضع السياسي أمام الأسئلة المحرجة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الهامشي مركزاً. ويصبح الشخص أهم من الفكرة. ويصبح السؤال عن «من؟» أقوى من السؤال عن «ماذا؟»
فالانتخابات التشريعية ليست مسابقة في الأسماء.
وليست مباراة في العلاقات الشخصية.
وليست استفتاءً على من انتصر داخل هذا الحزب أو ذاك.
الانتخابات. في معناها الديمقراطي الحقيقي. سؤال حول السلطة والمجتمع والثروة والحقوق والعدالة والمستقبل.
وهنا حاول العسري أن يعيد النقاش إلى السياسة.
أن يقول. بصورة مباشرة أو غير مباشرة. إن الحزب الاشتراكي الموحد لا ينظر إلى انتخابات 2026 باعتبارها مجرد موسم انتخابي آخر. وإنما باعتبارها محطة داخل مسار نضالي ديمقراطي طويل. ومساحة لتقديم بديل سياسي واجتماعي واقتصادي.
وهنا بالضبط يظهر الفرق بين الحزب الذي يريد مقعداً والحزب الذي يريد أن يجعل من المقعد وسيلة لتغيير السياسات.
اليسار الذي ظهر في خطاب العسري لا يقدم نفسه باعتباره مجرد صوت غاضب من الحكومة. ولا باعتباره قوة احتجاجية تعيش على نقد الآخرين.
إنه يريد أن يقول للمغاربة: هناك بديل.
والبديل ليس كلمة رومانسية.
البديل يعني أن يكون للحديث عن العدالة الاجتماعية مضمون اقتصادي. وللحديث عن الكرامة مضمون اجتماعي. وللحديث عن الديمقراطية مضمون مؤسساتي. وللحديث عن السيادة الشعبية مضمون سياسي حقيقي.
وهنا تصبح الانتخابات أكثر من صندوق.
تصبح سؤالاً عن مصدر الشرعية.
من يملك القرار؟
ومن يحدد الأولويات؟
ولماذا يتحمل المواطن دائماً كلفة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي لم يشارك في صياغتها؟
هذه هي الأسئلة التي تجعل السياسة سياسة.
أما الحديث عن الأسماء وحدها. فهو قد يصنع فرجة انتخابية. لكنه لا يصنع ديمقراطية.
ولذلك كان مهماً أن ينتقل النقاش إلى الغلاء والأجور والقدرة الشرائية.
فحين يقترح العسري فكرة «السلم المتحرك للأجور» فإنه يحاول. بصرف النظر عن تقييم تفاصيل المقترح اقتصادياً. أن يخرج من اللغة الانتخابية التقليدية التي تكتفي بالقول: «سنحارب الغلاء»
الفرق جوهري.
أن تقول للمواطن إنك تتعاطف مع معاناته شيء. وأن تقدم له آلية سياسية واقتصادية لمواجهتها شيء آخر.
واليسار. إذا أراد أن يستعيد ثقة الناس. لا يستطيع أن يعيش طويلاً على التعاطف.
عليه أن يقدم أجوبة.
وفي الصحة. يصبح السؤال أكثر وضوحاً.
فالمنظومة الصحية ليست بنايات وأجهزة فقط. إنها قبل كل شيء بشر: طبيب. وممرض. وتقني، وإداري. وعامل يواجه يومياً أعطاب منظومة كاملة.
وحين يصبح الاهتمام بالأطر الصحية مدخلاً للإصلاح. فإننا نكون أمام رؤية تعتبر الخدمة العمومية حقاً اجتماعياً لا مجرد خدمة قابلة للاستهلاك.
وهنا تحديداً تتقاطع السياسة الاجتماعية مع الفلسفة اليسارية.
فالإنسان ليس رقماً في ميزانية.
والصحة ليست سلعة.
والتعليم ليس استثماراً تجارياً فقط.
والكرامة ليست امتيازاً.
إنها حقوق.
وهذا هو الفارق بين يسار يريد أن يحتفظ باسمه. ويسار يريد أن يستعيد معناه.
أما حديث العسري عن الإنتاج الوطني ومراجعة اتفاقيات التبادل الحر، فهو يفتح بدوره سؤالاً أكبر حول النموذج الاقتصادي.
هل نريد اقتصاداً يقيس نجاحه فقط بحجم المؤشرات الكلية. أم اقتصاداً يسأل أيضاً: من يستفيد من النمو؟ ومن يدفع ثمنه؟ وماذا يحدث للفلاح والعامل والمقاولة الوطنية والمستهلك؟
هذه ليست أسئلة أيديولوجية عتيقة كما يحاول البعض تصويرها.
إنها أسئلة المستقبل.
فالدولة التي لا تملك قدرة إنتاجية كافية. ولا تحمي قطاعاتها الحيوية. ولا تضمن توزيعاً أكثر عدالة للثروة. قد تحقق أرقاماً جميلة. لكنها تترك وراء تلك الأرقام مواطناً يشعر بأن النمو يحدث في مكان آخر.
وهنا يصبح اليسار مطالباً بأن يقدم أكثر من النقد.
عليه أن يثبت أن العدالة الاجتماعية يمكن أن تكون أيضاً مشروعاً اقتصادياً عقلانياً.
ومن جهة أخرى. فإن الحديث عن تحالف اليسار والاستعداد الانتخابي يحمل دلالة تتجاوز الحسابات التنظيمية.
فاليسار المغربي ظل طويلاً أسير سؤال الوحدة.
واليوم يصبح السؤال مختلفاً:
هل تستطيع الوحدة أن تتحول من شعار إلى قوة سياسية؟
فالتحالف ليس مجرد جمع للأسماء. والوحدة ليست صورة جماعية أمام الكاميرا.
الوحدة الحقيقية هي أن يكون للناخب سبب واضح للتصويت.
أن يعرف ماذا سيجد وراء الورقة الانتخابية.
أن يرى مشروعاً وليس مجرد تحالف انتخابي.
وهنا تبدأ المسؤولية التاريخية للحزب الاشتراكي الموحد وتحالف اليسار.
لأن المواطن المغربي لا يحتاج فقط إلى من يقول له إن الحكومة أخطأت.
هو يحتاج إلى من يقول له:
هذا ما سنفعله. وهذا كيف سنفعله. وهذا ما سيكلفه. وهذا ما يمكن أن ننجزه.
هنا فقط يصبح اليسار بديلاً.
أما المعركة الرقمية التي تحدث عنها العسري. فهي بدورها ليست تفصيلاً ثانوياً.
السياسة انتقلت إلى الهاتف.
انتقلت إلى الصورة والفيديو والخوارزمية والمنصة الرقمية.
لكن اليسار يواجه هنا تحدياً مزدوجاً: أن يدخل الفضاء الرقمي دون أن يفقد عمقه. وأن يبسط خطابه دون أن يسقط في الابتذال.
فالفكرة التي تحتاج إلى عشرين دقيقة لكي تُفهم تواجه اليوم فيديو لا يتجاوز دقيقة.
وهذه ليست مجرد مشكلة تقنية.
إنها معركة على كيفية تحويل الفكر إلى خطاب جماهيري.
لكن. رغم كل ذلك. ينبغي ألا يتحول الإعجاب بأداء العسري إلى إعفاء اليسار من النقد.
لقد نجح في الحوار في الحفاظ على تماسك الخطاب وعدم الانجرار الكامل إلى الشخصنة. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد انتهاء البرنامج.
فالسياسي يستطيع أن يكون هادئاً أمام الكاميرا.
ويستطيع أن يكون بليغاً.
ويستطيع أن يرد بذكاء.
لكن المواطن سيطرح عليه سؤالاً أكثر قسوة من أسئلة الصحفيين:
ماذا سيتغير في حياتي؟
هذا السؤال لا يمكن تفاديه.
لا بالمصطلحات.
ولا بالشعارات.
ولا بالتاريخ النضالي.
ولا بالخطابات الجميلة.
وهنا تحديداً ينبغي أن يكون اليسار أكثر جرأة مع نفسه.
عليه أن يحول مفاهيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة والسيادة الشعبية إلى سياسات واضحة. وأرقام قابلة للقياس. وأولويات محددة، وأجوبة يفهمها المواطن في القرية كما يفهمها المواطن في المدينة.
لقد فهم جمال العسري. في تقديري، شيئاً مهماً في تلك المواجهة الإعلامية: ليس كل سؤال ينبغي أن يسمح لك بأن تنسى السؤال الأكبر.
فإذا كان السؤال يريد أن يحاصرك في اسم. فذكّر الناس بالمشروع.
وإذا أراد أن يسحبك إلى خلاف. فذكّرهم بالسياسة.
وإذا أراد أن يحول الانتخابات إلى سباق أشخاص. فاسأل: ماذا عن المجتمع؟
هذه ليست مناورة إعلامية فقط.
إنها فلسفة في ممارسة السياسة.
فالسياسي الذي لا يعرف كيف يرفض السؤال الخاطئ قد يجد نفسه يجيب طوال الوقت عن قضايا لم يدخل الانتخابات من أجلها.
ومن هذه الزاوية. كان حضور العسري لافتاً.
ليس لأنه لم يتعرض للأسئلة الصعبة. وإنما لأنه حاول أن يرفض أن تكون الصعوبة في شخصه. بينما الصعوبة الحقيقية في المشروع الذي يقدمه للمغاربة.
وفي النهاية. ربما يكون هذا هو الدرس الأهم من «ساعة الصراحة»:
السياسة ليست أن تربح الحوار. بل أن تمنع الحوار من أن يخسر السياسة.
والانتخابات ليست أن نعرف من سيجلس على الكرسي. وإنما أن نسأل: لأي مشروع سيُستعمل الكرسي؟
أما الديمقراطية. فلا تبدأ يوم يفتح صندوق الاقتراع. ولا تنتهي يوم تُعلن النتائج.
الديمقراطية تبدأ عندما يشعر المواطن أن صوته ليس مجرد رقم في محضر. وأن إرادته ليست تفويضاً مفتوحاً. وأن السلطة ليست ملكاً لمن يصل إليها. وإنما مسؤولية أمام شعب هو مصدر الشرعية.
من هنا. يمكن فهم الرهان الذي يحمله الحزب الاشتراكي الموحد وتحالف اليسار.
إنه رهان أكبر من عدد المقاعد.
إنه رهان على إعادة السياسة إلى معناها.
إلى المواطن.
إلى العدالة.
إلى الحرية.
إلى الكرامة.
إلى المساواة.
وإلى السيادة الشعبية.
وهذ. في النهاية. هو ما ينبغي أن تكون عليه الانتخابات:
لا معركة بين الأشخاص على الكراسي، بل معركة بين مشاريع على مستقبل الوطن.
وفي هذه المعركة. يبقى على اليسار أن يثبت أن البديل الذي يتحدث عنه ليس مجرد حلم جميل. وإنما إمكانية سياسية قابلة للتحقق.
أما جمال العسري. فقد نجح في «ساعة الصراحة» في شيء لا ينبغي الاستهانة به: فهم اللعبة. من دون أن يسمح للعبة بأن تفهمه.
Views: 3







