فوزي لقجع و«الفراقشية»: حين يكتشف السياسيون الغلاء في موسم الانتخابات 

جسر التواصلمنذ 28 دقيقةآخر تحديث :
فوزي لقجع و«الفراقشية»: حين يكتشف السياسيون الغلاء في موسم الانتخابات 

 بقلم ـ عبد العزيز الخطابي
·يبدو أن الانتخابات المغربية تملك قدرة خارقة لا تمتلكها لا الحكومات ولا المعارضة ولا حتى مؤسسات الإحصاء: إنها قادرة على اكتشاف المواطن فجأة.
المواطن الذي كان حاضراً طوال السنوات الماضية. وهو يراقب الأسعار وهي تصعد مثل مصعد لا يعرف زر النزول. أصبح اليوم موضوعاً مفضلاً في الخطب والتصريحات والاجتماعات الحزبية. فجأة أصبح الجميع قلقاً على قدرته الشرائية. والجميع اكتشف أن اللحوم غالية. وأن المحروقات أثقلت الجيوب. وأن المواد الغذائية لم تعد بريئة من تهمة استنزاف الرواتب.
يا لها من صحوة!
المشكلة الوحيدة أن المواطن كان مستيقظاً طوال الوقت.
كان مستيقظاً عندما كان يدخل السوق ويخرج منه وهو يتساءل إن كان قد اشترى حاجيات أسرته أم اشترى نصفها فقط.
وكان مستيقظاً عندما كان يقف أمام محطة الوقود ويشاهد عداد المضخة وهو يلتهم جزءاً من دخله.
وكان مستيقظاً عندما أصبحت اللحوم مناسبة للمناسبات الكبرى أكثر منها طعاماً عادياً على موائد كثير من الأسر.
أما السياسي. فيبدو أنه كان يحتاج إلى شيء آخر كي يستيقظ.
كان يحتاج إلى موعد الانتخابات.
ومن هنا تأتي تصريحات فوزي لقجع الأخيرة حول «الفراقشية» وحول من قال إنهم حوّلوا فرحة عيد الأضحى إلى قلق وخوف بالنسبة إلى الأسر المغربية. وهي تصريحات جاءت في توقيت سياسي بالغ الحساسية. بعد التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي. وفي خضم سجال أصبح علنياً بين شخصيات وأحزاب من داخل الأغلبية نفسها.

وهنا لا تعود المسألة مجرد تصريح عن اللحوم.
تصبح المسألة سياسية بامتياز.
فلقجع ليس مراقباً صحفياً يجلس خارج المشهد الحكومي ويكتب ملاحظاته على دفتر صغير. إنه مسؤول حكومي مكلف بالميزانية. وفاعل حزبي داخل الأصالة والمعاصرة. وبالتالي فإن كلامه عن الأسعار والقدرة الشرائية لا يمكن أن يُقرأ فقط بوصفه احتجاجاً على «الفراقشية»
من حق المواطن أن يستمع إليه.
ومن حقه أيضاً أن يسأله.
بل من واجبه أن يسأل الجميع.
أين كنتم؟
أين كان هذا الغضب عندما كانت الأسعار ترتفع؟
أين كانت هذه اللغة عندما كان المواطن يشتكي من المحروقات؟
أين كان الاستنفار السياسي عندما أصبحت القدرة الشرائية للمغاربة تتآكل؟
وهنا ينبغي أن نكون منصفين: لا يمكن تحميل شخص واحد مسؤولية كل ارتفاع في الأسعار. ولا يمكن اختزال الاقتصاد في وزير أو حزب أو حكومة. هناك عوامل دولية. وتقلبات الأسواق. والجفاف. وكلفة الاستيراد. وغيرها من العوامل التي تؤثر في الأسعار.
لكن الاعتراف بهذه العوامل لا يلغي شيئاً بسيطاً اسمه المسؤولية السياسية.
فالوزير لا يُحاسب فقط على الأشياء التي يستطيع التحكم فيها بالكامل. وإنما أيضاً على طريقة تدبيره لما يستطيع التأثير فيه.
والحكومة لا تُحاسب لأنها تملك عصا سحرية تخفض الأسعار بأمر إداري. وإنما لأنها مسؤولة عن السياسات التي يفترض أن تحمي المواطن من آثار الاختلالات الاقتصادية.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل توجد «فراقشية»؟
بالطبع توجد مضاربة ووسطاء واختلالات في الأسواق. وهذه مسائل يجب أن تعالج بالقانون والمراقبة.
لكن السؤال الأكثر إحراجاً هو:
لماذا نكتشف وجودهم دائماً بعد أن يدفع المواطن الفاتورة؟
ومن كان مسؤولاً عن المراقبة؟
ومن كان يملك أدوات التدخل؟
ومن اتخذ القرارات؟
ومن يقيس نتائجها؟
ومن يعترف بالفشل عندما لا تنجح؟
هذه هي الأسئلة التي لا تحب السياسة سماعها. لأنها لا تنتج تصفيقاً سريعاً.
فالأسهل أن تقول للمواطن: هناك «فراقشية»
أما الأصعب فهو أن تقول له: هذه سياستنا. وهذه نتائجها. وهذا ما نجح. وهذا ما فشل. وهذا من يتحمل المسؤولية.
الأولى خطاب انتخابي.
والثانية سياسة.
والفارق بينهما هو الفارق بين الميكروفون والمرآة.
ثم هناك المفارقة الأكبر.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه السياسيون عن المواطن. يتحدث السياسيون أيضاً عن بعضهم البعض.
تسجيل صوتي منسوب إلى مسؤول سياسي.
ردود.
انتقادات.
تلميحات.
اتهامات سياسية.
ثم ردود على الردود.
والمواطن جالس في مكانه. لا يعرف لماذا أصبحت معركته مع الأسعار مناسبة لمعركة أخرى بين الأحزاب.
هو لا يريد أن يعرف من انتصر في السجال.
ولا يريد أن يعرف من أحرج الآخر.
ولا يريد أن يعرف من حصل على نقطة سياسية ومن خسرها.
يريد أن يعرف فقط لماذا أصبح كيلو اللحم امتحاناً للقدرة المالية. ولماذا أصبحت فاتورة السوق تحتاج أحياناً إلى آلة حاسبة أكثر من حاجتها إلى محفظة.
وهنا تبدو السياسة وكأنها مباراة كرة قدم.
لكن هناك فرقاً بسيطاً:
في كرة القدم. الجمهور يشاهد المباراة.
أما في السياسة. الجمهور هو الذي يدفع ثمن المباراة.
وهذه ليست مسألة صغيرة.
فالمواطن يدفع ثمن القرارات التي تتخذها الحكومة. ويدفع ثمن السياسات الاقتصادية. ويدفع ثمن الأخطاء. ثم يُطلب منه في النهاية أن يكون صبوراً ومتفهماً.
وبالمناسبة. يبدو أن المواطن المغربي أصبح أكثر الناس تفهماً في هذا البلد.
يفهم التضخم.
يفهم الجفاف.
يفهم الحرب.
يفهم الأسواق الدولية.
يفهم الإكراهات.
يفهم الظروف.
يفهم حتى الأخطاء.
لكن هناك شيئاً واحداً يبدو أن السياسيين لم يفهموه بعد:
المواطن أيضاً له ذاكرة.
ويتذكر.
يتذكر من كان في الحكومة.
ويتذكر من كان في المعارضة.
ويتذكر من تكلم.
ويتذكر من صمت.
ويتذكر من وعد.
ويتذكر من قال إن الأمور تحت السيطرة.
ويتذكر أيضاً أن بعض الذين يتحدثون اليوم عن معاناته كانوا جزءاً من المشهد السياسي نفسه عندما كانت تلك المعاناة تتشكل.
أما المعارضة. فليست خارج السؤال.
نعم. المعارضة تكلمت في مراحل مختلفة عن الغلاء والمحروقات والقدرة الشرائية. ومن غير المهني القول إنها لم تتحدث إطلاقاً.
لكن المواطن يريد أكثر من تصريحات.
يريد معارضة دائمة. لا معارضة موسمية.
يريدها حاضرة عندما تكون الكاميرات غائبة. لا فقط عندما تبدأ الحملة الانتخابية.
يريد منها أن تقدم البديل. لا أن تكتفي بإعلان أن الحكومة أخطأت.
لأن المواطن يعرف أن الحكومة قد تخطئ.
السؤال هو:
ماذا كنت ستفعل أنت لو كنت مكانها؟
وهنا يسقط كثير من الخطاب السياسي في امتحان بسيط.
الحكومة تقول: هناك ظروف.
المعارضة تقول: هناك فشل.
والحزب يقول: هناك استهداف.
والسياسي يقول: هناك مضاربون.
والمواطن يقول:
وماذا عني أنا؟
ذلك هو الصوت الذي يضيع وسط ضجيج السياسة.
صوت المواطن.
الرجل الذي لا يملك حزباً.
ولا ميكروفوناً.
ولا منصة انتخابية.
ولا فريقاً من المستشارين.
يملك فقط راتبه. إن كان لديه راتب. وفاتورته. وذاكرته.
وهذه الأخيرة قد تكون أخطر ما يملكه.
لأن السياسي يستطيع أن يغير خطابه.
ويستطيع أن يغير الشعار.
ويستطيع أن يغير الصورة.
ويستطيع حتى أن يغير موقعه داخل الخريطة الحزبية.
لكن المواطن يستطيع أن يقول له يوم الانتخابات:
أنا أتذكر.
وهنا تصبح الانتخابات أكثر من مجرد منافسة بين الأحزاب.
تصبح امتحاناً للذاكرة.
فمن شارك في الحكم عليه أن يقدم حصيلته.
ومن شارك في المعارضة عليه أن يقدم حصيلته.
ومن يريد الحكم غداً عليه أن يقدم برنامجاً لا قصيدة انتخابية.
لا نريد أن نسمع أنكم «مع المواطن»
هذه العبارة فقدت كثيراً من بريقها.
لأن الجميع مع المواطن.
الحكومة معه.
المعارضة معه.
الأحزاب معه.
المرشحون معه.
حتى الذين يختلفون فيما بينهم يتفقون جميعاً على شيء واحد:
المواطن عظيم قبل الانتخابات.
ثم تبدأ مرحلة أخرى بعد إعلان النتائج.
ولهذا. فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يوجه إلى فوزي لقجع وإلى كل مسؤول سياسي، حكومياً كان أو حزبياً. ليس فقط عن «الفراقشية»
السؤال هو:
لماذا أصبح الغلاء بهذه القوة في الخطاب السياسي الآن؟
هل لأن معاناة المواطن أصبحت أكثر وضوحاً؟
أم لأن الانتخابات جعلت هذه المعاناة أكثر قيمة سياسية؟
لا نملك حق الجزم بالنية.
لكن لدينا حق السؤال.
والصحافة الجادة لا تقرأ النوايا؟ تقرأ الوقائع والتوقيت والسياق. ثم تترك للقارئ أن يحكم.
وهنا تحديداً تكمن أهمية السجال الحالي.
فإذا كان هناك خلاف سياسي داخل الأغلبية. فليكن واضحاً.
وإذا كانت هناك أخطاء في السياسات العمومية. فلتُشرح.
وإذا كان هناك مضاربون. فليتم ضبطهم.
وإذا كانت هناك اختلالات. فلتُصلح.
أما أن يتحول المواطن إلى مادة في معركة انتخابية. فهذا ما يجب رفضه.
لأن المواطن ليس «فراقشياً» في سوق السياسة.
هو صاحب السوق كله.
هو الذي يمنح الصوت.
وهو الذي يمنح الشرعية.
وهو الذي يستطيع أن يسحبها.
ولذلك ربما آن الأوان لكي تتوقف الأحزاب عن التعامل مع المواطن باعتباره ذاكرة قصيرة.
فالمواطن الذي استطاع أن يتدبر حياته وسط الغلاء. وأن يقتصد. وأن يستغني. وأن يؤجل. وأن يحسب كل درهم، استطاع أيضاً أن يتعلم شيئاً مهماً:
أن يميز بين من يتحدث عن ألمه ومن يشعر بمسؤوليته تجاهه.
وهنا لا يعود السؤال: من هو الفراقشي؟
السؤال يصبح أكثر إزعاجاً:
من الذي ضارب في معاناة المواطن سياسياً؟
من الذي اشترى الوقت بالوعود؟
من الذي باع الأمل بالشعارات؟
من الذي اكتشف الفقراء عندما احتاج إلى أصواتهم؟
هذه ليست اتهامات لأشخاص بعينهم.
إنها أسئلة عن ثقافة سياسية يجب أن تتغير.
لأن أخطر شيء في الديمقراطية ليس أن يخطئ السياسي.
السياسي بشر ويخطئ.
الأخطر أن يخطئ. ثم يطلب من المواطن أن ينسى.
أن يفشل. ثم يطلب منه أن يصفق.
أن يعد. ثم يطلب منه أن ينتظر.
أن يقترب موعد الانتخابات. ثم يعود إليه بابتسامة جديدة وخطاب جديد وكأن السنوات الماضية لم تكن موجودة.
لكن السنوات موجودة.
والأسعار موجودة.
والفواتير موجودة.
والذاكرة موجودة.
ولهذا فإن الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تكون موسم «اكتشاف المواطن»
المواطن ليس اكتشافاً جديداً.
المواطن هو صاحب الاكتشاف منذ البداية.
اكتشف الغلاء قبل السياسي.
واكتشف صعوبة الحياة قبل الحزب.
واكتشف الفاتورة قبل الخطاب.
والآن، ربما جاء الدور على السياسي كي يكتشف شيئاً آخر:
أن المواطن لم يعد يريد أن يسمع فقط من المسؤول عن المشكلة.
بل يريد أن يعرف:
من المسؤول عن الحل؟
وهنا فقط يمكن أن تتحول السياسة من مباراة في تبادل الاتهامات إلى مسؤولية حقيقية.
أما «الفراقشية» فليحسم أمرهم القانون.
وأما السياسيون، فليحسم أمرهم المواطن.
ففي السوق يمكن أن ترتفع الأسعار وتنخفض.
وفي السياسة أيضاً يمكن أن ترتفع الأسهم وتهبط.
لكن هناك سعراً واحداً لا ينبغي لأي سياسي أن يستخف به:
سعر ثقة المواطن.
وحين تسقط الثقة. لا تنفع كثرة الخطب. ولا حرارة التصريحات. ولا براعة الحملات.
لأن المواطن، في النهاية. لا يصوت لما يسمعه فقط.
يصوت أيضاً لما يتذكره.

Views: 3

الاخبار العاجلة