“بهلوان الكراج” الفصل الثاني “الثالثة ما بعد منتصف الليل (دائما وأبدا) ” : للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل2 ديسمبر 2021آخر تحديث :
“بهلوان الكراج” الفصل الثاني “الثالثة ما بعد منتصف الليل (دائما وأبدا) ” : للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير الاستاذ عزوز شخمان جسر التواصل بفصول من روايته الرائعة “بهلوان الَكراج ” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …

عزوز شخمان

الثالثة ما بعد منتصف الليل (دائما وأبدا)

8
كان الكراج في ملكية أحد فروع المؤسسة زيطا، ويتكون من سبع طبقات. الطبقة الأولى أرضية تطل على الشارع وتضم مكتبا صغيرا للإدارة وكشك زجاجي يستعمل كشباك الأداء بالنسبة لمستعملي المرأب، أما الطوابق الباقية فكانت تحت أرضية وكلها عبارة عن باركينغ لصف السيارات على مدار أربعة وعشرين ساعة.. تلك هي المهمة الجديدة التي أنيطت بي قبل أن تستأنس قدماي بأرض الأحلام الجديدة التي حططت بها من علياء أوهامي. ولم يكن قد مر على انتشالي من بالوعة الصراصير إلا اياما معدودات وجت نفسي بعدها مباشرة تحت وطأة مصفوفة جهنمية كأنها عصارات عاد وثمود والفراعنة وبابل مجتمعة ومختزلة، مع نكهة مستحدثة من بهارات صهيون. وكان ثمة سباق وحيد، محموم ومستديم للطفو على السطح خشية الغرق العظيم. أما التقسيم الطبقي السائد فكان هو ذات التقسيم الكوني العتيق، أغلبية مستعبدة تكدح ليل نهار لسد الرمق أو ما دون الرمق لخدمة النخبة من مصفوفة الأخطبوط.
إنها ورطتي الوجودية الجديدة من حتمت علي التعايش مع كينونتي الجديدة في عتمات هذه السراديب التي لا قعر لها؟
هكذا كنت أحدث نفسي وأنا منهمك في كنس الغبار الأسود الذي لا ينتهي من آثار أدخنة عوادم السيارات التي لا تتوقف طوابيرها عن القدوم والمغادرة دون أن تترك لي فرصة التقاط انفاسي. تابعت سيل أفكاري الحانقة وأنا أستحضر الوجه الآخر من المسألة.
ماذا تريد أكثر؟ ألم تكن تلك رغبتك؟ ألست أنت من سعيت خلف مزيد من الديموقراطية وحرية التعبير والكرامة الإنسانية والفرص السانحة؟ أنت الذي راهنت على أنك لن تجدها في أية بقعة أخرى من العالم إلا هنا!
كنت أحاول السيطرة على مشاعر الإحباط وتبريرها. وسرعان ما اندلعت موجة من السخط والاحتجاج كان بطله “الأنا الأعلى”. فتوجهت نحوه -مستبقا- تمرده المحتمل:
ماذا كنت تتوقع من دخولك لهذا العالم أيها الأحمق المغفل؟
لم أكد أنهي كلامي حتى فوجئت ب “الأنا الأعلى” اللعين ينسلخ عني بعنف ويتحول إلى “ظل وقح” أوما يشبه الكائن الشبحي وإذا به يحدق في عيني بكل غرور وكبرياء رافعا صوته في وجهي الشاحب المرهق:
أتريد أن تعرف حقا ما كان مفترضا أن يحدث! كان يفترض من دخولك هذه البلاد ألا يقل أهمية وفخامة من دخول كريستوف كولومبوس وامثاله!
(لم أستطع تمالك نفسي من الضحك):
لا شك أنك جننت!!
أنت الذي جننت حتى ترضى لنفسك بهذا المصير؟ أتريدني أن أنسى بهذه السرعة ما كنا عليه من قبل وما أصبحنا عليه الآن؟
ماذا كنا أصلا أيها الكولومبوس الجديد؟ هل اكتشفت ما لم يكتشفه غيرك؟
كيف تتناسى مهنتك “الأصلية” التي بنيت حولها كل أحلامك وأمانيك؟ ألست نفسك الصحفي المعتد بنفسه ومهنته وأفكاره ومواقفه إلى عهد قريب؟
عن أي عهد تتحدث؟ لم يبق ثمة سوى عهد وحيد ويقولون انه العهد الجديد او العصر الاخير؟
وما شأني بذلك؟ فليسمونه ما شاءوا؟ ما يهمني هو مصيرنا. أما من أمل في العودة الى الأضواء والشهرة التي غمرتنا طوال تلك السنوات الزاهيات؟
لم تكن سوى سنوات خداعات، كنا فيها مجرد ذرة في سرب الفقاعات المحاطة بالأضواء الزائفة. كانت شهرة خادعة، أضوائها مزيفة ودروبها مضللة!
حتى لو كانت خادعة فقد كان لنا فيها صيتا وسمعة وامتيازات؟
كفى هراء! لم تكن أكثر من كائن مفرط في حماسته يمتهن الثرثرة من وراء قناع.

(يتبع)

Views: 14

الاخبار العاجلة