عندما ارتدت التفاهة بدلة الفيلسوف؟

جسر التواصلمنذ ساعتينآخر تحديث :
عندما ارتدت التفاهة بدلة الفيلسوف؟

عبد العزيز الخطابي

يقولون إن الفلسفة ماتت. لكن الفلسفة لا تموت؟ إنها فقط تنسحب من الضجيج. تاركةً الساحة لمن يظنون أن الصدى هو الصوت. وأن التصفيق هو الحقيقة.
نحن لا نعيش عصر التكنولوجيا. بل عصر المرايا. كل مرآة تعكس وجهًا. لكنها لا تعكس روحًا. كل شاشة تضيء. لكنها لا تنير. وكل إشعار جديد يطرق باب الهاتف. بينما ينسى أن يطرق باب العقل.
في الأزمنة القديمة. كان الإنسان يخاف الجهل. أما اليوم فيخاف الصمت. لأن الصمت قد يجبره على التفكير. والتفكير رحلة خطيرة. قد تنتهي باكتشاف أن الإمبراطور لا يرتدي سوى ثياب الوهم.
لقد تحولت الخوارزميات إلى كهنة جدد. تمنح البركة لمن يثير الغرائز. وتحجبها عمن يوقظ الأسئلة. وصار سوق الأفكار يشبه سوقًا تُباع فيه المرايا أكثر مما تُباع النوافذ؟ فالمرايا تُرضي النرجسية. أما النوافذ فتفتح على الحقيقة. والحقيقة سلعة كسدت تجارتها.
في هذا المسرح الكبير. قد يتحول بعض السياسيين إلى ممثلين بارعين. يتقنون تغيير الأقنعة أكثر من تغيير الواقع. وقد يتحول بعض رجال الأعمال إلى صيادين ماهرين. لا يصطادون الأسماك. بل يصطادون أحلام الناس ومخاوفهم ورغبتهم الدائمة في الاستهلاك. وليس هذا وصفًا للجميع. بل نقدٌ لظواهر تتكرر كلما تراجعت قيمة الكفاءة أمام بريق الصورة.
أصبح الزمن يصفق للظل. بينما يقف الجسد في آخر الصفوف. وأصبحت الكلمات تُوزن بعدد الإعجابات. لا بعدد الأفكار التي تحملها. صار الكتاب ضيفًا ثقيلًا. والمقطع القصير نبيًا جديدًا. والعناوين أعلى صوتًا من المعاني.
التفاهة ليست شخصًا. بل نظامٌ يتغذى على الاستعجال. إنها شجرة تسقيها الخوارزميات. ويُسمّدها الاستهلاك. وتقطف ثمارها ثقافة ترى الإنسان مستهلكًا قبل أن تراه مفكرًا. وزبونًا قبل أن تراه مواطنًا.
ومع ذلك.لا يزال العقل حيًا. لكنه يشبه منارةً وسط بحرٍ امتلأ بالألعاب النارية؟ لا يلتفت إليها كثيرون. لأن الضوء المؤقت أكثر إغراءً من النور الذي يهدي السفن.
ربما لم يعد السؤال: هل ماتت الفلسفة؟ بل: هل ما زال الإنسان يملك الشجاعة الكافية ليجلس مع نفسه بلا شاشة. وبلا ضجيج. وبلا جمهور؟ فهناك فقط يبدأ التفكير. وهناك فقط تستعيد الفلسفة اسمها الحقيقي.
إن الحضارات لا تنهار يوم تنفد ثرواتها. بل يوم يصبح الحكيم موضع سخرية. ويغدو المهرج مرجعًا. ويُقاس العقل بسرعة التصفيق لا بعمق الفكرة. عندها لا تكون التفاهة مجرد عيب ثقافي. بل تتحول إلى دستور غير مكتوب. وإلى لغة يومية. وإلى هواء يتنفسه الجميع حتى ينسى الجميع أن الهواء كان يومًا نقيًا.
وربما سيكتب مؤرخ المستقبل سطرًا واحدًا عن عصرنا: “لقد امتلك الإنسان أسرع الحواسيب لكنه أضاع أبطأ فضائله… التأمل.”

Views: 15

الاخبار العاجلة