
بقلم ـ عبد العزيز الخطابي

·ليست كل النصوص التي تبدو صادمة للعقل المعاصر صادمةً للنص نفسه. وليست كل المفارقات التي يصنعها العقل بين القرآن والسنة مفارقاتٍ حقيقية؟ فكثيراً ما تكون المشكلة في الطريقة التي نقرأ بها النص. لا في النص ذاته. ومن أكثر القضايا التي تكشف هذا الإشكال مسألة ما اصطلح على تسميته في كتب الفقه والحديث بـ«رضاع الكبير» وهي مسألة لا تكمن حساسيتها في مضمونها وحده وإنما في السؤال الأعمق الذي تفرضه على العقل المسلم: كيف نفهم حديثاً صحيحاً حين يبدو ظاهره متعارضاً مع السياق العام الذي رسمه القرآن للرضاعة؟ وهل كل ما ثبتت صحته من الروايات يتحول بالضرورة إلى حكم عام؟ وهل الواقعة الخاصة تصبح تشريعاً عاماً لمجرد ورودها في السنة؟ وأين ينتهي النص. وأين يبدأ الفقه؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً. لأن الدين حين يدخل مجال الفهم البشري يصبح أمام معادلة دقيقة: الوحي مقدس. أما فهم الإنسان للوحي فليس مقدساً. ومن هنا تبدأ مسؤولية الفقه. لا باعتباره تبريراً للنص. وإنما باعتباره علماً يحاول أن يحدد مراد النص بقدر ما تسمح به اللغة والسياق وسائر الأدلة.

إذا عدنا إلى القرآن. وجدنا أن الرضاعة وردت في منظومة أسرية واضحة المعالم. يقول تعالى.﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]. ويقول سبحانه: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]. ويقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: 15]
ولا يحتاج القارئ إلى كثير من التأمل حتى يدرك أن الحقل الدلالي لهذه الآيات هو حقل الطفولة والأمومة والتغذية والفصال. لا علاقة بين رجل بالغ وامرأة أجنبية عنه. ولكن الإنصاف العلمي يمنعنا من ارتكاب خطأ معاكس. فنقول إن القرآن نص صراحة على بطلان كل رضاع بعد السنتين. فهذا استنتاج فقهي. وليس عبارة قرآنية حرفية.
وهنا تبدأ أولى قواعد النزاهة العلمية: لا يجوز أن ننسب إلى القرآن ما استنبطناه نحن منه.
فالقرآن قال «حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة» ولم يقل في هذه الآية: «لا رضاع بعد الحولين» وقد بنى الفقهاء حكمهم في تحديد سن الرضاع المؤثر في التحريم على مجموع النصوص. لا على هذه الآية وحدها. وهذه التفرقة بين النص والاستنباط ليست ترفاً لغوياً؟ إنها صمام أمان يمنع الإنسان من تحويل اجتهاده إلى وحي.
ثم تأتي قصة سالم مولى أبي حذيفة. وهي النقطة التي تجعل المسألة أكثر تعقيداً.
كان سالم قد نشأ في بيت أبي حذيفة وزوجته سهلة بنت سهيل في سياق اجتماعي كان فيه التبني معروفاً قبل أن يُبطل الإسلام آثاره النسبية. ثم جاء القرآن ليعيد بناء مفهوم الأسرة على أساس النسب لا مجرد الانتساب الاجتماعي. فقال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: 4) وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ.) [الأحزاب: 5)
وهنا تظهر المفارقة التي كثيراً ما تضيع عندما تُقتطع الرواية من سياقها.
لم تكن المشكلة في أصلها أن امرأة أرادت أن تجعل رجلاً غريباً ابنها من الرضاعة. وإنما كانت المشكلة أن رجلاً نشأ داخل بيت على أنه ابنٌ في العرف الاجتماعي. ثم أصبح بعد تغيير الحكم المتعلق بالتبني أجنبياً عن المرأة التي ربته.
إنها. قبل أن تكون مسألة رضاع، مسألة انتقال تشريعي من نظام اجتماعي إلى نظام آخر.
وفي هذا السياق جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ، فقال لها. كما في صحيح مسلم: «أرضعيه تحرمي عليه»
الحديث صحيح. وثبوته لا يجوز إنكاره لمجرد أن العقل المعاصر يجد في ظاهره حرجاً أو غرابة. لكن هنا يجب أن نطرح السؤال الذي يسبق الحكم: ماذا أراد النبي ﷺ بهذا الأمر؟ وهل كان خطاباً عاماً. أم معالجة لواقعة مخصوصة؟
إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الفقه والتلقين.
فلو كانت كل واقعة عين قاعدة عامة. لتحول جزء كبير من السنة إلى أحكام عامة دون حاجة إلى معرفة سبب الورود أو المخاطَب أو الملابسات. لكن السنة نفسها مليئة بخطابات مخصوصة. وأحكام متعلقة بأشخاص وأحداث وأحوال. ولذلك نشأ في علم الأصول البحث في الخصوص والعموم. وفي دلالة الأمر. وفي القرائن. وفي أسباب الورود. وفي إمكان تخصيص الحكم أو حمله على واقعة معينة.
والأكثر دلالة هنا أن أمهات المؤمنين أنفسهن لم يفهمن قصة سالم باعتبارها باباً مفتوحاً لرضاع الرجال البالغين؟ فقد ورد في صحيح مسلم أنهن قلن لعائشة رضي الله عنها: «والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة»
هذه ليست عبارة فقهاء جاءوا بعد قرون؟ إنها شهادة من داخل البيت النبوي نفسه.
وهنا يصبح من الصعب علمياً أن نقول إن «النص واضح في عمومه» ثم نتجاهل أن زوجات النبي ﷺ، وهن الأقرب إلى معرفة سياقه وملابساته. فهمنه على الخصوصية.
لكن في المقابل. لا يجوز أيضاً أن نمحو صوت عائشة رضي الله عنها من التاريخ الفقهي. فقد كانت ترى الأخذ بقصة سالم في بعض الصور. وهو ما جعل المسألة أكثر تعقيداً من عبارة «أجمع العلماء»
وهنا تتكشف حقيقة ربما تكون أكثر أهمية من القضية نفسها: الاختلاف في فهم النص بدأ مبكراً. داخل الجيل الذي عاصر الوحي.
وهذا يعني أن وجود اختلاف في الفهم ليس دليلاً على فساد النص. وإنما هو دليل على أن النص يحتاج إلى عقل يقرأه. وأن القراءة نفسها قد تتعدد بحسب القرائن التي يعتمدها المجتهد.
ومن هنا فإن عبارة «أجمع العلماء على أن رضاع الكبير خاص بسالم» ليست دقيقة إذا أُطلقت على أنها إجماع تاريخي مطلق؟ لأن عائشة رضي الله عنها نفسها تمثل اتجاهاً مختلفاً. ولأن التراث الفقهي عرف نقاشاً في المسألة. والأدق أن يقال: إن جمهور الفقهاء لم يجعلوا قصة سالم حكماً عاماً لرضاع البالغين. وحملوا الواقعة على الخصوصية أو على سياقها الاستثنائي.
وهنا يظهر سؤال آخر أكثر حساسية: ماذا يعني أن يكون الحديث صحيحاً؟
صحة الحديث تعني، في اصطلاح المحدثين. ثبوت الرواية وفق شروط التصحيح. لكنها لا تعني أن كل فهم ممكن للرواية يصبح صحيحاً. ولا تعني أن الرواية يجب أن تُقرأ منفصلة عن القرآن وبقية السنة. فالحديث الصحيح يحتاج إلى فقه دلالته كما يحتاج إلى تحقيق ثبوته.
وهذه نقطة كثيراً ما تختلط في الخطاب الديني المعاصر: صحة السند لا تعني بالضرورة صحة كل استنباط يُبنى على المتن.
وإذا كان الحديث صحيحاً. فالسؤال لا ينتهي؟ بل يبدأ.
فهل يدل الأمر «أرضعيه» على حكم عام لكل بالغ؟ أم يدل على واقعة بعينها؟ وهل يمكن لواقعة اجتماعية استثنائية أن تنشئ قاعدة عامة؟ وهل السياق السابق لإبطال التبني عنصر أساسي في فهم الحديث أم مجرد خلفية تاريخية لا أثر لها؟
الجمهور اختار الطريق الثاني، واستند إلى جملة من القرائن، منها خصوصية قصة سالم، وموقف أمهات المؤمنين. وسائر نصوص الرضاع.
ومن أهم تلك النصوص قول النبي ﷺ: «إنما الرضاعة من المجاعة» وهو حديث صحيح رواه مسلم. والعبارة. في دلالتها. تربط الرضاعة المؤثرة بمرحلة يكون فيها اللبن غذاءً وحاجةً للطفل. وهو ما انسجم مع بناء جمهور الفقهاء لحكم الرضاع على رضاع الصغير.
إن جمع النصوص هنا ليس محاولة للهروب من حديث سالم. وإنما هو عين المنهج الفقهي: لا يُبنى الحكم على حديث واحد مع إهمال بقية الأحاديث المتعلقة بالباب.
وهنا يصبح السؤال أكثر فلسفية: هل النص الديني مجموعة جمل مستقلة، أم شبكة من المعاني لا يفهم بعضها إلا ببعض؟
إذا كان النص الديني شبكة، فإن اقتطاع حديث من شبكة السنة ثم وضعه في مواجهة آية من القرآن يشبه اقتطاع جملة من قانون ووضعها في مواجهة جملة أخرى دون معرفة بابها واستثناءاتها وشروطها.
أما إذا كان كل نص يُقرأ منفرداً. فإننا لا نحتاج إلى علم أصول الفقه أصلاً؟ لأن كل حديث سيصبح قانوناً مستقلاً. وكل آية ستصبح حكماً منفرداً. وسيتحول التشريع إلى مجموعة من الجزر المنعزلة.
لكن الفقه الإسلامي لم يعمل بهذه الطريقة.
لقد نشأ علم أصول الفقه لأن النصوص لا تُقرأ فقط بما تقوله منفردة. وإنما بما تقوله مجتمعة، وبما يحيط بها من قرائن، وبما يخصص العام ويقيد المطلق ويفسر المجمل ويكشف المقصود.
ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس: «هل يوجد حديث عن رضاع الكبير؟» فالجواب نعم. وهو ثابت في صحيح مسلم.
السؤال الصحيح هو: «ماذا يدل عليه هذا الحديث؟»
وهذا سؤال آخر تماماً.
والفارق بين السؤالين هو الفارق بين المحدث والفقيه. وبين نقل النص وفهم النص.
ثم تأتي مسألة أكثر حساسية. وهي كيفية إرضاع سالم.
لقد انتشرت في بعض الكتابات المعاصرة عبارة مفادها أن العلماء أجمعوا على أن سهلة لم ترضع سالم مباشرة. وإنما وضعت اللبن في إناء فشربه. لكن هذه الصياغة تحتاج إلى حذر؟ لأن الرواية الأساسية في صحيح مسلم تثبت الأمر بالإرضاع ولا تفصل كيفية تنفيذه.
ولهذا لا يصح أن ننسب إلى الحديث ما لم يذكره.
أما من جهة الفقه والاستنباط. فقد ناقش العلماء كيفية فهم الأمر ومقتضاه. لكن الباحث الذي يريد كتابة دراسة محكمة ينبغي أن يميز بين ما ثبت في الرواية وما قيل في تفسير الرواية.
وهذه القاعدة وحدها كافية لإعادة بناء كثير من النقاشات الدينية المعاصرة: كم من شيء نظنه «حديثاً» ليس في الحقيقة إلا شرحاً للحديث؟ وكم من رأي فقهي تحول مع مرور الزمن إلى ما يشبه النص؟ وكم من تفسير بشري أصبح في الوعي العام أكثر حضوراً من النص الذي فُسّر به؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الفقه ليس الاختلاف. وإنما تقديس الفهم البشري حتى يصبح منافساً للنص.
فالنص مقدس. أما الفقه فهو جهد إنساني لفهم النص.
والإمام أبو حنيفة ليس وحياً. ومالك ليس وحياً، والشافعي ليس وحياً، وأحمد ليس وحياً. كما أن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما ليستا معصومتين في كل اجتهاد. لكن قيمة هؤلاء جميعاً أنهم يمثلون تاريخاً حياً لتفاعل العقل المسلم مع النص.
ومن هنا لا ينبغي أن نخاف من القول إن الصحابة اختلفوا في فهم بعض النصوص؟ بل ربما يكون الاعتراف بهذا الاختلاف أكثر أمانة من اختراع إجماع لم يكن موجوداً.
إن الفقه الذي يخاف من الاعتراف بالاختلاف يتحول إلى عقيدة مغلقة. بينما الفقه الذي يعترف بتاريخ الاجتهاد يصبح أكثر قدرة على فهم نفسه.
وفي قضية رضاع الكبير تحديداً. لا نحتاج إلى إنكار الحديث حتى نرفض تعميمه. ولا نحتاج إلى تعميم الحديث حتى نحترم صحته.
يمكن أن نقول ببساطة: الحديث صحيح. والواقعة ثابتة. لكن دلالتها العامة محل بحث. وقد حملها جمهور الفقهاء على الخصوصية. بينما عرفت المسألة فهماً آخر منسوباً إلى عائشة رضي الله عنها.
هذه الصياغة قد تبدو أقل صخباً. لكنها أكثر قوة علمية؟ لأنها لا تهرب من النص ولا تتوسع فيه أكثر مما يحتمل.
أما في الواقع المعاصر. فإن تطبيق قصة سالم على العلاقات العادية بين الرجال والنساء البالغين لا يمثل مذهب الجمهور في الفقه الإسلامي. ولا يؤدي مجرد شرب اللبن إلى تحويل كل رجل بالغ إلى ابن من الرضاعة لكل امرأة. والحديث لا يمكن أن يُفصل عن السياق الذي فهمه فيه جمهور العلماء. ولا أن يتحول إلى ذريعة لإسقاط أحكام المحرمية والخلوة والحجاب.
لكن حتى هنا ينبغي ألا نستبدل البحث العلمي بالخطاب الانفعالي. فعبارات مثل «هذا عبث بالدين» أو «هذا فساد ومنكر» لا تكفي وحدها لإثبات الحكم. بل ينبغي أن يكون الحكم مؤسساً على الأدلة والقواعد الفقهية.
فحين يتحول النقاش العلمي إلى شتائم. نخسر العلم والدين معاً.
وحين يتحول الدفاع عن الدين إلى إنكار النصوص الصحيحة لأنها محرجة للعصر نخسر الأمانة العلمية.
وحين يتحول احترام الحديث إلى رفض كل بحث في دلالته. نخسر العقل.
والطريق الثالث هو الأصعب والأكثر نضجاً: أن نحترم الحديث، ونحقق دلالته. ونضعه داخل سياقه. ونقرأه مع القرآن وسائر السنة. ونفهم كيف تلقاه الصحابة، ثم ننظر في استنباطات الفقهاء.
إن قضية سالم. بهذا المعنى. لا تقدم لنا فقط حكماً في باب الرضاع. وإنما تقدم درساً في فلسفة التشريع ذاته.
فالقرآن لم يأت ليقدم للإنسان قائمة أوامر منفصلة عن الحياة. والسنة لم تأ لتكون مجموعة روايات مبتورة من سياقاتها. والفقه لم يكن مجرد عملية نسخ للنصوص. إنها منظومة متكاملة: نص. وسياق. ودلالة، واجتهاد.
ولذلك فإن السؤال الأكثر عمقاً ليس: «هل رضاع الكبير حلال أم حرام؟» بل: ما الذي يجعل حكماً ما عاماً أو خاصاً؟ وما الذي يجعل الواقعة تشريعاً أو استثناءً؟ ومن يملك سلطة تحديد ذلك؟
هنا نصل إلى جوهر الفقه.
فالفقه ليس مجرد معرفة «ماذا قال النص؟» وإنما معرفة «ماذا أراد النص؟» وهذه الثانية أصعب بكثير من الأولى.
إن حفظ الحديث يمكن أن يتم في الذاكرة. أما فهم الحديث فيحتاج إلى لغة وأصول وسياق ومقارنة واستقراء.
ولذلك فإن من يقرأ «أرضعيه تحرمي عليه» ثم يقف عند ظاهر الجملة. لم يقرأ الحديث كله؟ لقد قرأ الكلمات فقط.
أما الذي يسأل: من هو سالم؟ ولماذا كان يعيش في البيت؟ وماذا حدث للتبني؟ ولماذا جاءت سهلة إلى النبي ﷺ؟ وكيف فهمت أمهات المؤمنين الواقعة؟ وما موقف عائشة؟ وما بقية أحاديث الرضاع؟ وما الذي قاله الفقهاء؟ فهذا بدأ يقرأ الحديث فعلاً.
وهنا يصبح السياق ليس هامشاً للنص، بل مفتاحاً من مفاتيح فهمه.
إن المشكلة ليست أن لدينا حديثاً غريباً. وإنما أن لدينا عقولاً تريد من النص جواباً سريعاً عن سؤال معقد.
والدين الذي يُختزل في الإجابات السريعة يتحول إلى شعارات. بينما الدين الذي يُقرأ في عمقه يحتاج إلى صبر الباحث، وإلى تواضع الفقيه. وإلى شجاعة العقل.
وفي النهاية، فإن الإنصاف يقتضي أن نضع الحدود بين أربع دوائر لا يجوز خلطها: ما قاله القرآن. وما ثبت عن النبي ﷺ، وما فهمه الصحابة. وما استنبطه الفقهاء.
القرآن يقول إن الرضاعة في سياقها الأسري تمتد حولين لمن أراد إتمامها. والسنة الصحيحة تثبت واقعة سالم. وأمهات المؤمنين رأين أنها رخصة خاصة بسالم. بينما عائشة رضي الله عنها فهمت منها دلالة أوسع في بعض الصور. ثم جاء الفقهاء فبحثوا في كيفية الجمع بين هذه النصوص والآثار. وانتهى جمهورهم إلى عدم تعميم رضاع الكبير.
هذه هي الصورة التي تسمح بها المادة العلمية. دون حذف ما لا يناسبنا ودون إضافة ما لا يقوله النص.
أما تحويل القضية إلى معركة بين القرآن والحديث. فهو تبسيط مخل.
وتحويلها في المقابل إلى قاعدة عامة لكل رجل وامرأة بالغين. هو أيضاً تجاوز لما عليه جمهور الفقهاء.
وبين التبسيطين يقف الفقه الحقيقي. لا ليغلق السؤال. وإنما ليعلمنا كيف نسأل.
فالنص لا يخاف من السؤال. والحديث الصحيح لا يحتاج إلى حماية من البحث. والقرآن لا يحتاج إلى أن نخترع له ما لم يقله.
الذي يحتاج إلى الحذر هو فهم الإنسان. لأنه أكثر الأشياء قابلية لأن يختلط فيه المقدس بالبشري والنص بالتفسير. والوحي بالاجتهاد.
وربما لهذا السبب تحديداً بقيت قضية «رضاع الكبير» حية في النقاش: لأنها ليست في النهاية قصة عن اللبن وحده. بل قصة عن حدود النص. وسلطة السياق، وطبيعة الفقه. ومقدار ما يستطيع العقل أن يستنبط من الوحي دون أن يدعي امتلاك الوحي نفسه.
وهنا تكون المسألة قد خرجت من سؤال «كيف يُرضع الكبير؟» إلى سؤال أعمق بكثير:
كيف نفهم النص حين يكون ظاهره أضيق من أن يستوعب السياق، وحين يكون السياق أوسع من أن يختزل في ظاهر الجملة؟
في تلك المسافة بين اللفظ والسياق يولد الفقه. وفي تلك المسافة نفسها ينبغي أن يتعلم العقل المسلم الفرق بين قداسة النص وحدود الإنسان في تفسيره.







