
عبد العزيز الخطابي

في هذا الشرق المتعب، لا تبدو الحدود مجرد خطوط على الخرائط. بل أسوارًا عالية تُبنى أحيانًا حول الأفكار أكثر مما تُبنى حول الأوطان. فالدول لا تخشى دائمًا الجيوش. بل قد تخشى سؤالًا يخرج من ساحة عامة. أو هتافًا يولد في شارع ضيق. أو فكرةً تعبر الحدود من دون جواز سفر.
ولهذا يحق لنا أن نتساءل: لماذا تنشغل بعض العواصم بما يجري في عاصمة أخرى؟ أهو حرصٌ على الاستقرار الإقليمي. أم خوفٌ من أن تتحول شرارة سياسية إلى نقاش يتجاوز الحدود؟ يبقى الجواب محل نقاش وتحليل. ولا يمكن الجزم بدوافع الدول من دون أدلة واضحة.

إن سيادة الدول ليست شعارًا يُرفع في الخطب ثم يُطوى عند أول خلاف. بل هي مبدأ أساسي في العلاقات الدولية. فكما لا يحق لأحد أن يفرض على شعب طريقه. لا يحق لأحد أيضًا أن يصادر حق الشعوب في رسم مستقبلها بنفسها.
وتونس ليست صفحة بيضاء في كتاب التاريخ حتى تُكتب عليها الوصايا. إنها أرضٌ حملت آثار الأمازيغ. واستقبلت سفن الفينيقيين. وأنجبت قرطاج التي نافست روما. وسمعت وقع أقدام هانيبال وهو يعبر الجبال. ثم عرفت الرومان والبيزنطيين. واحتضنت القيروان. وعاشت دولًا إسلامية مزدهرة. ومرت بالعهد العثماني. ثم قاومت الاستعمار الفرنسي حتى نالت استقلالها. قبل أن تصبح في عام 2011 مهدًا لتحول سياسي هزّ المنطقة بأسرها.
ولذلك، فإن ما يحدث في تونس يقرره التونسيون وحدهم. قد تختلف الآراء حول السياسات. وقد تتباين المواقف من السلطة أو المعارضة. لكن الكلمة الأخيرة يجب أن تبقى للشعب. عبر الوسائل السلمية والمؤسسات الدستورية.
لقد علمنا التاريخ أن الأفكار لا تُعتقل. وأن الأسلاك الشائكة لا تمنع الريح. وأن الشعوب قد تصمت طويلًا. لكنها لا تتوقف عن التفكير. وكلما حاولت السياسة أن تجعل التاريخ يقف في طابور الانتظار، ابتسم التاريخ ساخرًا. ثم مضى في طريقه.
إن الدول القوية ليست تلك التي تراقب جيرانها بقلق. بل تلك التي تبني ثقة مواطنيها. وتفتح أبواب الحوار. وتجعل القانون أقوى من الأشخاص. والمؤسسات أبقى من الحكومات.
أما تونس. فقد كانت عبر القرون ملتقى للحضارات. وستبقى، مهما اشتدت الأزمات. جزءًا من ذاكرة المتوسط ومن ضمير العالم العربي. وتاريخها الطويل يذكرنا بأن الأوطان لا تُقاس بعدد البيانات السياسية. بل بقدرتها على تجديد نفسها كلما ظن الآخرون أنها وصلت إلى النهاية.
وفي النهاية. قد تختلف الحكومات. وتتبدل الرؤساء. وتتغير التحالفات، لكن يبقى مبدأ واحد لا يسقط بالتقادم: إن الشعوب ليست ضيوفًا في أوطانها، والسيادة ليست امتيازًا للحكام. بل حق للأمم. ولا يملك أحد أن يكتب مستقبل شعب إلا ذلك الشعب نفسه.
Views: 16







