“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

جسر التواصل4 مارس 2022آخر تحديث :
“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

سعيد غزالة 

                                                                         9
الألم أمي… شيء فظيع كصرختك وأنت تلدين أختي. لأول مرة بكيت بحرقة عليك أمي فأنا لا أستحمل ألمك… فهل ستستحملين ألمي وأنا قريب منك بعيد عنك؟ أنا خائف أمي من شيء ما يتربص بي، أشعر به يطارد روحي يتسابق وآلات الحفر المرابطة بقربي… هل يسبقها ويأخذ مني شيئا كان ملكي، لي، ولم يعد لي؟ لأول مرة أعرف أن للخوف طعم التراب… التراب الذي يحاصرني، يخنقني يزاحم حلمي الجميل… خائف أنا، أمي، من أن يأتيني عن طريق الذي كنت أرسمه على صخرة قريبة من بيتنا المتواضع والذي كان، رسمي، عبارة عن طفل صغير وولد ورجل وشيخ عجوز… لكني لم أجرؤ على رسم قبر ذاك الشيخ العجوز ولا بطن أم ذلك الطفل الصغير… خائف أنا أمي على كل تلك التهليلات والتكبيرات أن تذروها الرياح بلا طائل… هل ستمطر السماء، أمي، اليوم أو غدا؟ ربما قطرات الشتاء قد تجرف معها خيرا أو وحلا… لا اعتراض على ما يبغي ربي مني ومنك ومنا جميعا… عندما أخرج من هنا سنلعب تحت الأمطار ونغني لها وتبللنا حتى نصاب بنزلة البرد ولا يهم… فمشروباتك، أمي، الساخنة تعيد الحياة إلى عروقنا وتطفح في وجناتنا.
أمي، هل اقتربت الآلات من فتح الممر فلقد ضقت درعا بضجيجها وصرت أخشى عليها من قساوة حفر لا طائل من ورائه. وجماهير الناس التي تقف خارج الجُب تنتظر قدرا لا أعلمه ولا يعلمونه… أمي لم أعد أستطيع أن أرى نقطة الضوء التي كنت أستأنس بها… الظلمة أصبحت تستولي على كل أحاسيسي… الظلام أمي شيء مخيف رغم هدوءه، يضايقني هذا الضجيج الذي أصبح والصمت سيان! هل تطلبين مني أن أقاوم وأصبر؟ حاضر أمي سأحاول أن أكون مطيعا هذه المرة أكثر من المرات السابقة، لكني اسمحي لي أن أشكو لك من جارتنا التي رمت كلبي بحجر كاد أن يقتله… تعلمين أمي أني لا أحب الموت لحيوان ضعيف كيفما كان… إني أشفق وأحزن حزنا كبيرا عليه. طيِّبٌ أنا يا أمي… دائما كنتِ تنعتينني بهذا الوصف. طبعا، هذه الطيبوبة هي فيض منك فأنت مثال الطيبة في كل القرية. وقد تعلمت أيضا أن أطعم دجاجاتنا كل صباح حتى تبيض لنا بيضا كثيرا بعضه نأكله والبعض الآخر نتركه حتى يفرخ لنا دجاجات أخرى وديكة… جميلة صباحاتنا التي تتناوب ديكة القرية على إعلانها… أخبرني أبي أنها تتسابق بالآذان لصلاة الصبح. كنت أضحك لهذا الأمر فمؤذن المسجد الوحيد نادرا ما نسمع صوته وهو يعلن الصلاة… ربما لأن بعد المسجد عن القرية هو السبب… كان أبي يفضل الصلاة في البيت وكان يعجبني أن أقلده في الحفاظ عليها بشروطها ولو أني لم أبلغ السابعة من العمر بعد، أتمنى…
وكنت أتمنى أيضا أن أذهب إلى المسجد أيام الجمعة حتى نحظى بصدقات موسري القرية والمناطق المجاورة من صحون كسكس وتين وخبز أبيض… كانت أمي لا تستحسن هذا الأمر لكنها لا تمنعني على أية حال. لكن الألم أمي يتدخل في ليوقف هذا الاستذكار لذكرياتي الجميلة كيف أوقفه؟ أتسمعينني أمي؟

                                                                               10
أتسمعين هذا الصوت أمي؟ أظنه صوت سيارة نقل الموتى التي كانت تزور قريتنا لنقل ميت موسر عنده إمكانية استدعاء مثل هذه السيارة… فنحن في القرية موتانا يحملون في محامل على الأكتاف وترافقهم التهاليل… من مات أمي؟ أخبريني عبر فتحة الجُب أو ارمي لي بقصاصة من ورق علب السكر فأنا كنت أجمع منها الكثير مقصوصة إلى مقاسات متشابهة، كنت أحب الرسم عليها، أنت تعلمين مكانها… هل ما زلت تحتفظين برسوماتي؟ أتمناكم بخير أمي أنت وأبي وإخوتي وكلبي وحتى الجَدي الصغير… وكل الناس الذين أحبهم. الله يا أمي يختار الناس الطيبين لجواره، هل أكون من أولئك الناس الطيبين؟ لا تحزني أمي أعلم جيدا أنني ما أزال صغيرا على أن أكون بجوار ربي ميتا، بل هو الآن بجواري، في هذا المكان الضيق، حيا. نعم إنه يرعاني وقد يلهمكم الحيلة حتى تصلوا إلي… اشتقت للعالم فوق… هذا التراب زادت رطوبته. ربما قد تعود المياه إلى هذا الجُب لتغسلني من تراب على وجهي، يضايقني وجراح تؤلمني وعطش ابيضت له شفتاي… هل ما زلتم ترابطون حول الجُب هناك فوق؟ تصلني أحاسيسكم الجميلة والعامرة بالحب. لا أستطيع أن أسمعكم صوتي الواهن والصادق في صرخة: أحبكم. لكني أحبكم… اصبروا لربما أستطيع أن أسحب يدي من تحتي حتى ألوح للعين الزجاجية التي تلمع قريبة مني… أظنها مبعوثة من فوق تراقب حركاتي أو ترغب في تسجيل بعض من حركاتي أو همساتي، أو لأحرك شفتي بكلمة ما تفسرونها أملا في خروجي ومعاودتي الجري خلف الجدي وإطعام الكلب الوفي. لكني لا أستطيع أن أتخيل حملي في محمل على الأكتاف والذهاب بي إلى المقبرة في سفح التل! يكفي ما أنا فيه أمي، فحتى ما أنا بداخله قبر مفتوح يبتلع كل أمل في خروج قريب. هل سأخرج؟ لن أفكر في الجواب على هذا السؤال… فما الموت إلا رحلة إلى عالم أجمل مما نحن فيه كما كان يقول جدي… ربما يا أمي ستكون رحلة ممتعة… أليس كذلك؟ لا تغضبي مني أمي فأنا كثير السؤال والشغب. هل سأبقى ساكنا ساكتا هنا؟ لا. سأحادث كل الكائنات التي تزورني والتي لا أراها… أحدثها عن اليوم الأول الذي حذرني فيه أبي من التسلق في شجرة الإجاص الوحيدة ذات الغصون الرطبة حتى لا أكسرها. وأن أترك الثمار تستكمل نضجها فهي مازالت صغيرة على أن تقطف قبل أوانها… وعن لعبة حجرات الحظ والسباق إلى من يعانق النخلة في آخر الطريق… أسألها عن لَعبها هل يشبه لعبنا. أحن لقصبتي التي أمتطيها مقلدا رجل الحصان الذي يمر كل مساء من جانب بيتنا والتي تحمل شبيه رأس حصان صنعته من دوم وورق وخيوط. إذا كبرت أمي هل سيكون لي حصان يعدو؟ عندما أكبر أمي سأشتري لك بغلة جميلة عليها سرج أخضر وحصاني سأعطيه لأبي حتى يمر به من جانب بيتنا… وسيكون لي طفل صغير أحذره من السقوط في الجُب وهو يجري لاستقبال جده.

                                                                                    11
هناك على تلة الربيع التي تطل على الوادي كنت أراقب الشمس وهي تغيب وتختفي وأتساءل: أين تذهب تلك الشمس الدافئة وتتركنا لوحدنا في هذا الظلام الذي يطردنا لبيوتنا؟ الآن أنا مشتاق لها هنا معي، وأرغب في بعض من دفئها الذي أفتقده… هل أجد هنا منفذا آخر دونكم، أنتم الذين تنتظرون شيئا لا أعلمه ولا تعلمونه؟ لأجدها في مكان آخر بدفء مغاير، أو أنتظر خروجي من هذا الجُب الذي ألفني ولم أألفه لتعود الحياة إلى وضعها العادي والهادئ؟ هل سيُفتح الممر، ممر الرجل الطيب، وأخرج إلى هناك حيث الشمس وحيث غابة الزهور وحيث بنت زهور الأقحوان؟ لدي رغبة كبيرة في النظر إلى الشمس الساطعة دون أن أرمش وتفيض عيني بالدموع فأعطس من شدة الألم اللذيذ. اشتقت لهذه المتعة… واشتقت لأشياء كثيرة سأعدها لك أمي حتى لا أنساها وأنا في هذه الحفرة الضيقة اللئيمة. اشتقت إلى قطرات المطر وأنا أجمعها في طاسة النحاس. اشتقت للخبز المغموس في كأس الشاي الساخن. اشتقت لمص نعناع إبريق الشاي بعد إفراغه. اشتقت لدغدغات حكاية المعزة تحت الإبط. اشتقت للنظر إلى أبي وهو يهمس في أذنك شيئا تضحكين له، اشتقت لضحكك أمي. اشتقت للسعات قطرات الشمع المذاب على كفي. واشتقت لجَدْي الصغير، لربما يفتقدني كما أفتقده وأفتقد لأشياء كثيرة لا تعد ولا تحصى. هل مازالت الشمس تشرق كعادتها؟ هو سؤال غبي أعلم… فقط لأنني هنا لا أراها كما كنت قبل ساعات أو أيام، لم أعد أذكر شيئا وأضعت العد. لقد عاود صوت الحفر عمله مرة أخرى أسمعه لكنه ضعيف أو ربما سمعي ضعف بالتراب الذي يضايقني… لو تزيليه أمي بكفك عن وجهي وأذني؛ أريد أن أسمع أنفاس الرجل الطيب الذي يحفر الممر للمرة الألف أو أكثر… لا أعلم بالضبط كم من السنين وهو يحاول أن ينهي حفر هذا الممر… لقد سبق وأن حفر ممرا وزرع زهور الأقحوان والنرجس على جنباته… تعرفون القصة فلقد حكيتها قبلا… أصبحت أنسى ولا أعلم لماذا بعد كل هذا الإصرار للخروج من هنا… إحساس آخر يبقيني هنا ورغبة في الصمت والرغبة في النوم تستولي علي… تعبت أمي واشتقت لحضنك لآخر مرة. ولآخر مرة أطلب منكم أن تسكتوا هدير الآلات. لأعود إلى تلة الربيع في انتظار شمسي والتي لا تتوقف وهي تنشر أشعتها في كل مكان.
أمي هلا ذهبتي لتلة الربيع وأخبرتي شمسي بأن ريان سيعود إلى مواصلة استقبالها كل صباح؟ أنا أعلم أنها تحزن وهي تشرق ولا تجدني جالسا كعادتي أنظر إليها في حب. أخبريها نيابة عني أن عذر غيابي كبير وأقوى مني ومن كل الناس… لكن أكدي لها أنني سأعود… نعم، سأعود وأخرج من هنا وأنا معافى من خوفي ويأسي… قولي لها أن ريان يحبها وحتى عندما تغتم السماء بسحب الخير كان يحس بها وهي متخفية وراء تلك الغيوم الراحلة دوما والشمس هي الباقية. عندما تذهبين، أمي، إلى هناك لا تنسي أن تصطحبي جَدْي معك. أرجوك.

                                                                                  12
العطش أمي… هذا التراب رغم رطوبته يبخل علي حتى بقطرة ماء تبل شفتي اللتان يبستا، لم أعد قادرا على الصبر أكثر فلقد تأخرتم كثيرا للوصول إلي ولا أعلم لماذا؟ لا يهم… ربما هناك سبب معقول. لكن أليس من سبيل لأن تمطروا هذا الجُب بقطرات من ندى الصباح تجمعونه من على ورقات شجرات التين، أو ترسلوها مع فراشات الليل المضيئة… لا تخافي أمي فليس بالعطش وحده يموت الإنسان، ولا بالجوع… لكن أن يحس بنفسه وحيدا كذلك. إنه القهر أمي.
لم أجرب يوما أن أحرم حيوانا من الشرب فكيف أحرم منه أنا الآن… لا تتركوني أتكلم وحدي هكذا ألا من أحد فوق يقول شيئا؟ يصرخ يغني يرتل سورة من سور القرآن. تحضرني هذه السورة، بعد بسم الله الرحمن الرحيم:
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1) وَطُورِ سِينِينَ(2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ(3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ(5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ(6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ(7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ(8).
لقد حفظتها عن ظهر قلب مع مجموعة من السور القصيرة… هذه السورة بالذات، أمي، تذكرني بقريتي الجميلة… وكنت أخشى: أسفل سافلين تلك. هل أنا هنا من أسفل سافلين أمي؟ لم أكن أريد أن أكون في هذا الأسفل لكني وقعت فيه… أنا مازلت صغيرا ولربما تلك الآية التي تقول: “إلا الذين…” كانت تقصدني… أليست كذلك؟ لو أعود إليكم، أعدكم على أنني سأواضب على الذهاب إلى “المسيد” حتى أسأل الفقيه عن هذه “أسفل سافلين” وأكون مواضبا على طاعتك وأبي حتى تحميني دعواتكما من كل شر… لكن هذا العطش الذي يتواطأ وهذه التربة ما حكايته؟ سأصبر له فأنا مطيع ولن أبك ما دمتما تطلبان الله والناس أجمعين أن يُفتح هذا الممر بقدرة قادر، وحتى ما أعانق حريتي من حضن ترابي خانق.
تعاود الآلات سعيها لتسهيل عمل الرجل الطيب الذي يبذل قصارى الجهد لزرع النرجس والأقحوان وأن يضع خمسة شمعات حتى يذكر الناس بأن عمري مرتبط برقم مقدس: خمسة. خمس صلوات وأصابع كفي خمسة. وأركان الإيمان خمسة… والحمامة قد وضعت خمس بيضات، هل فقست؟ خبريني عنها أمي… فالحمام طيور جميلة عندما تمشي وعندما تطير وحيث ما حلت يعم الخير… هذا قولك أمي. هلا سمحتي لحمامة القرية أن تنزل عندي لأحدثها عن حكايتي حتى تنقلها للناس عبر هديل حزين ومعبر؟ قد تأخذ من جيبي، الذي أعجز عن الوصول إليه، ما تبقى من حلواي وتعطيها لأختي التي كانت تنظر إلي آخر مرة وهي ما تزال راغبة في المزيد.
ربما إخوتي يجلسون بعيدا عن الجُب وعن الناس… أراهم يرتعدون كما أرتعد حيارى ونظراتهم تنظر بتوسل لكل من يقف قرب الجُب متفقين على قول واحد: أخرجوا ريان من البئر إنه يتعذب. تنام أختي من السهر والإرهاق وهي تنتظر خروج ريان حتى تذهب معه لجمع حصيات الحظ. نامي أيتها الصغيرة فرحلة ريان ماتزال في بدايتها حتى يصل الرجل الطيب إلى زرع زهور النرجس. عندها سأهديك شمعة من شمعات الممر عندما ينتهون من حفره.

Views: 6

الاخبار العاجلة