
بقلم . عبد العزيز الخطابي

يمكن اختزال النزاع حول الإرادة الحرة في سؤالين أساسيين: هل توجد قدرة عقلية قادرة على تغيير مسار الفعل بعد انطلاقه، وهل يكفي وجود مثل هذه القدرة لإسناد مسؤولية أخلاقية؟ من زاوية مغايرة للنهج التوفيقي المعتاد، أقترح هنا موقفًا دفاعيًا مشروطًا: أعتبر الرفض الواعي آلية محتملة وذات أهمية، لكنني أشدد على أن قيمتها الفعلية تخضع لضوابط تجريبية ومنهجية واجتماعية تجعلها أقل «خلاصية» بكثير مما تتصوره بعض القراءات الحماسية للتجارب العصبية أو الاستعارات الثقافية.
الأساس التجريبي للنقاش يبدأ بتلك النتائج التي يشار إليها باسم تجارب ليبت: تسجيل نشاط عصبي يسبق شعور المرء بعزمه على التحرك. أنماط التفسير التي استنبطت منه استنتاجات قاطعة حول عدمية الإرادة عادة ما تفترض أن تقدم النشاط العصبي يوازي سببًا نهائيًا للقرار، وأن وعي الفرد مجرد تابع متأخر. هذا الاستنتاج يخطئ في مفصلين منهجي وفلسفي. المنهجي أن التجارب استهدفت قرارات طفيفة (رفع إصبع) في بيئة معملية اصطناعية، فيما تختلف القرارات الأخلاقية أو التخطيطية عن هذه السياقات من حيث الزمن والعمق المعرفي. والفلسفي أن الاستدلال من ترتيب زمني عصبي إلى إلغاء لوظيفة الوعي يتجاهل أن السبب يمكن أن يكون متعدد المستويات: ما نراه كإشارة لاواعية قد يكون نمطًا أوليًا في نظام معقد طويل السلسلة السبب-نتيجة، وفي الوقت ذاته جزءًا من الذات البيولوجية-الشخصية-الاجتماعية التي تستحق الاعتبار كمصدر للقرار.
من هنا أقترح قراءة مزدوجة للرفض الواعي: تقنيًا، قد تكون هناك شبكات قشرية أمام جبهية تعمل كحواجز أو فيتوات تمنع تنفيذ أوامر حركية أو سلوكية معينة، وهذه الآليات قابلة للقياس والتعديل. فلسفيًا، يجب أن نُعرّف الرفض ليس كأصلٍ مستقل للقرار بل كوظيفة رقابية ضمن منظومة فعلية أوسع تشمل النوايا، القيم، الذاكرة، والتعلم الاجتماعي. إن نجحت الدراسات المستقبلية في إظهار أن تأثير هذه الشبكات يمتد إلى قرارات معقدة زمنياً وقيمياً، فسنكون أمام دليل عملي قوي على أن الإنسان يمتلك قدرة إلغائية ذات معنى أخلاقي . أما إن بقيت الأدلة مقتصرة على حركات بسيطة، فستبقى قيمة الرفض محدودة وظيفياً.
هناك عنصر ثالث لا بد من أخذه بعين الاعتبار: البنية الاجتماعية والتكنولوجية. حتى لو فرضنا وجود قدرة إلغاء واعية قوية، فلا يمكن تجاهل أن النظم الاجتماعية والتقنية القوية قد تمتلك وسائل لإبطال مفعولها.سواء عبر تعديل الدوافع، أو عبر تشكيل آليات رد فعل تحطم فاعلية الكبح الواعي. في عالم يزداد فيه الاعتماد على خوارزميات التنبؤ والسلوكيات الموجهة، يصبح السؤال حول حرية الفعل أكثر تعقيدًا: هل الحرية شأن فردي بحت أم أنها خاصية مؤسسية .هيكلية تستلزم تغييرات في البيئة الاجتماعية والتقنية للسماح بعمل آليات الرفض والرقابة الذاتية؟ إن كانت الإجابة هي الثانية، فإن الدفاع عن الإرادة يصبح مشروعًا سياسيًا وتقنيًا بقدر ما هو فلسفيًا وعلميًا.
مواجهًا موقفًا مشككًا قد يرد بأن كل آليات الرفض نفسها مجرد حلقات أخرى في سلسلة سببية لاواعية، أجيب بأن هذا الاحتمال لا يقود تلقائيًا إلى سحب مفهوم المسؤولية الأخلاقية. حتى في نظم سبب-نتيجة، يمكننا اعتبار الفرد مسؤولًا عندما تكون أسبابه وتكوين صفاته نابعة من تاريخه القيمي والتربوي وتعبّر عن الذات بمعنى معيار معيّن. المسؤولية هنا ليست مسألة لَحظة تأسيسية لقرار خالٍ من السببية، بل صفة نسبية تُمنح عندما تتقاطع قدرات الرقابة والنية والاتساق القيمي بحدود مقبولة. الرفض الواعي يسهم في هذا الشرط حين يعكس قدرة الفرد على مطابقة أفعاله مع نفسه القيمية.
من ناحية البحث، أوصي بتحول منهجي: إلى تجارب تجمع بين مهام زمنية ممتدة (قرارات أخلاقية أو تنفيذ خطط)، تتبع عصبي متعدد المستويات ، وربما تسجيلات خلوية عند الإمكان الحيواني)، ونماذج حسابية تراكمية تسمح باختبار سيناريوهات تدخل/إلغاء. كذلك يجب ربط هذه التجارب بدراسات سوسيولوجية تقيس كيف يؤثر السياق الثقافي والتقني في فعالية المراقبة الذاتية. فلسفيًا، ينبغي التركيز على صياغة مفهوم وظيفي للمسؤولية يربط بين الأسباب البيولوجية والتكوينات الشخصية والسياق الاجتماعي، بدل السعي خلف برهان ميتافيزيقي للأزلية.
خلاصة الموقف المدافع المشروط هي أن الرفض الواعي جدير بالاهتمام كآلية ممكنة تمنح للفرد هامش تصحيح ذاتي داخل نظام سببي، لكنها ليست تذكرة تلقائية لاسترداد الحرية المطلقة. قيمته الأخلاقية والسياسية مرهونان بمدى اتساع تأثيره خارج مختبرات التجارب وبإمكانية حماية وتمكين هذه الآليات ضمن بيئات اجتماعية وتقنية عادلة. الدفاع عن الإرادة، إذن، ليس نداءً لرفض العلم ولا استسلامًا للحتمية، بل هو مشروع متعدد الطبقات يجمع بين البحث العلمي الدقيق، التفكير الفلسفي الصارم، والعمل السياسي الذي يحمي شروط عمل الوكالة الإنسانية.
Views: 21






