
عبد العزيز الخطابي .

ليس أكثر إثارة للقلق من فكرة أن ما نعيشه يومياً، بكل تفاصيله المألوفة، قد لا يكون إلا طبقة رقيقة من الوهم، قشرة شفافة تخفي وراءها حقيقة مختلفة تماماً. هذا القلق الوجودي هو ما يمنح قوته الفلسفية. إذ لا يكتفي بعرض قصة خيال علمي، بل يضع الإنسان في مواجهة أقدم سؤال عرفه: ماذا لو كان كل شيء خاطئاً؟
إن ما يفعله الماتريكس ليس اختراع فكرة جديدة. بل إعادة إحياء شك عميق سكن الفلسفة منذ أن تساءل عن طبيعة الحقيقة في أسطورة الكهف. حيث لا يرى الإنسان سوى ظلال الأشياء ويعتقد أنها الواقع. غير أن الفرق الجوهري هو أن الكهف كان رمزاً بسيطاً، بينما الماتريكس يقدم نظاماً كاملاً، معقداً. محكماً. لا يترك مجالاً للشك من داخل التجربة نفسها. وهنا يتضاعف الإشكال: إذا كان الوهم كاملاً. فبأي أداة يمكن اكتشافه؟
يتعمق هذا السؤال أكثر حين نستحضر شك . الذي افترض إمكانية وجود قوة قادرة على خداع الإنسان في كل ما يدركه. لكن ديكارت. رغم شكه الراديكالي. وجد ملاذاً أخيراً في “أنا أفكر إذن أنا موجود”. أما في عالم الماتريكس. فإن هذا الملاذ نفسه يصبح موضع تساؤل. لأن التفكير ذاته يمكن أن يكون جزءاً من البرنامج، جزءاً من الوهم. لم يعد الشك وسيلة للوصول إلى اليقين. بل أصبح هاوية قد لا يكون لها قاع.
هنا. يتحول الإنسان من كائن يبحث عن الحقيقة إلى كائن مهدد بفقدانها بالكامل. لم تعد المشكلة في الجهل بالحقيقة. بل في استحالة التحقق منها. إن المعرفة. التي كانت دائماً طريق التحرر. تصبح في هذا السياق عبئاً ثقيلاً. لأن اكتشاف الحقيقة يعني فقدان العالم كما نعرفه. وفقدان المعنى الذي بنيناه فوقه. ولهذا. فإن لحظة اختيار الحبة الحمراء ليست مجرد قرار معرفي. بل هي قطيعة وجودية. انفصال عن الذات القديمة. وسقوط في عالم بلا يقين.
شخصية لا تمثل بطلاً تقليدياً بقدر ما تمثل وعياً يستيقظ على هشاشته. إنه لا يكتشف فقط أن العالم وهم. بل يكتشف أن ذاته. كما كان يفهمها. كانت جزءاً من هذا الوهم. وهذا ما يجعل الرحلة أكثر قسوة: ليست رحلة نحو الحقيقة فقط. بل نحو إعادة بناء الذات من الصفر. وهنا يظهر البعد الوجودي بوضوح. حيث لا يُعطى المعنى. بل يُصنع في مواجهة العدم.
لكن الماتريكس لا يكتفي بتفكيك الواقع. بل يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل الحقيقة مرغوبة فعلاً؟ شخصية تقدم جواباً صادماً حين تفضل العودة إلى الوهم. إلى عالم زائف لكنه مريح. هذا الاختيار ليس خيانة بقدر ما هو اعتراف بطبيعة الإنسان. الذي لا يسعى دائماً إلى الحقيقة. بل إلى الطمأنينة. وهنا تنقلب القيم: يصبح الوهم ملاذاً. والحقيقة عبئاً لا يُحتمل.
Views: 14






