جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير الاستاذ عزوز شخمان جسر التواصل بفصول من روايته الرائعة “بهلوان الَكراج ” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …
عزوز شخمان

” السيرك أخر الزمان! -2-
في الطابق الثاني التحت-أرضي من الكراج، وقفت أسترد أنفاسي بعد وصلة عمل متواصلة استغرقت ثمان ساعات مقابل أجر لا يغطي حتى مصروف الجيب ناهيك عن الوفاء بالتزامات السكن والتغذية، والتنقل والتغطية الصحية، وباقي ضروريات العيش. كنت منهمكا في فك شيفرة معادلة ملغزة بدت لي أشبه بالمستحيلة منذ وصولي! تساءلت بامتعاض:
كيف يعقل لإمبراطورية ليبرالية غنية بهذا الحجم والتطور والتحضر أن تعامل الكائنات الميكروسكوبية و “الصرصورية” بمثل هذه الدونية التي لا يوجد مثيل لها حتى في أسوء النماذج المتخلفة من منظومات الحكم الجبري؟ وكيف السبيل الى الصمود والتأقلم مع طاحونة متوحشة كهذه؟
تقدمت صوب المصعد الأوتوماتيكي وكلي قرف. كان في نيتي التوجه الى المدخل الرئيسي من البناية ومنه الى مقهى “ستاربكس” لاقتناء فنجاني الأثير من القهوة “دابل شات إسبريسو”. لكن ما أن انغلق علي باب المصعد حتى تهيأ لي بأنني بدأت في تجاوز وجهتي وأخذت أصعد أعلى وأعلى من دون توقف. كان المصعد قد انفصل بالفعل عن البناية وبدأ يشق طريقه نحو السماء ثم حلق بي فوق غمامات وأجواء كثيرة لم أعد أميز معها كم من مسافات قطعت، ولا أية قارات أو أراض من الأرضين اجتزت؟ كنت في معظم الطريق مغمض العينين تفاديا لرؤية ما لا تحمد عقباه. وأخيرا توقف المصعد ثم اختفى ولم يعد له أثر. ووجدتني أخطو بقدمي صوب إحدى الغمائم الشاردة. لم أشعر بأدنى أثر للشمس من فوق رأسي. كان هنالك نور ضئيل يتسرب من حيث لا أدري، لم أعد أتبين من خلاله سوى ملامح باهتة لأشباح النهار وخيالاته. صوبت نظري نحو الأسفل فرأيت خلائق النهار تقوم بما اعتادت أن تقوم به خلائق الظلام. كانت تلك المخلوقات -وبعضها كان يبدو لي أشبه بالآدميين-كانوا مزيجا. وكانت أفعالهم شنيعة. استغربت في أول الأمر ونظرت من حولي كانوا منهمكين في أنشطتهم بكل حرية وثقة واطمئنان! ولم أكن واثقا من حقيقة الزمكان الذي كنت أطل عليه من علياء سحابتي الشريدة، هل أنا في زمن المساواة بين الدواب والبشر أم ماذا؟ لم يكن يجدر بي أن أتابع التطلع والنظر فيما لا يعنيني مما يقع تحت السحاب لهذا قفلت راجعا الى غمامتي الأولى الشاردة، وصممت أذني، وأقفلت عيني آملا أن أفتحهما في المرة القادمة على مشاهد أرقى مما كان يجري تحت قدمي. (يتبع)
Views: 9























