
بقلم . عبد العزيز الخطابي

عندما أقدم طه حسين على مساءلة الشعر الجاهلي. لم يكن ينحت عملاً في هامش الأدب. بل كان يستهدف طبقة أعمق: طبقة المعرفة التي يتكئ عليها التراث. لقد جعل من “قصيدة جاهلية” مادة لسؤال فلسفي لا يُستثار عادة في مجال الدراسات التراثية؛ سؤال: ما الذي يجعلنا على يقين بأن ما ننسبه إلى الماضي هو فعلاً ماضٍ كما نتخيله؟ وفي أي معنى يمكن أن تكون “الحقيقة” هنا حقيقةً، لا مجرد عادة ثقافية، أو رضى جماعي.أو ثقة متوارثة؟
هذا التحويل يضعنا أمام مفترق طرق: فإذا كانت الدراسات الأدبية عادة تبحث في الجمال والاتساق الداخلي للنص.فإن مشروع طه حسين يطلب شيئاً آخر: أن يُساءل النص بصفته دعوى تاريخية، وأن تُعامل الذاكرة بوصفها موضوعاً للاختبار لا مسكناً للموروث. لكن هل يعني ذلك أن منهج الشك قادر على إصابة الماضي إصابةً معرفية مباشرة؟ أم أنه لا يفعل ذلك إلا عبر إعادة تنظيم الماضي داخل مخبره الخاص؟ هنا تبدأ القراءة النقدية الفلسفية: لا لتختبر فقط استنتاجات طه حسينن. بل لتفحص بنيته المعرفية ذاتها؟ وتحديداً علاقة الشك بالمنهج. وحدود العقل حين يتعامل مع نص لا يزال يسكن في منطقة وسيطة بين الذاكرة والأدب والتاريخ.
ليس الشك مجرد أداة. بل هو أيضاً موقف من العالم. ولهذا يتحول المشروع، دون أن يصرح بذلك دائماً. إلى موقف أخلاقي-معرفي: أن يرفض الباحث ما لم يثبت، وأن لا يكتفي بإجماع السلف. وأن يطلب أدلة تفصيلية لا “حججاً بالنيابة”. لكن في المقابل. حين يتحول الشك إلى نزعة شمولية. يصبح خطره مضاعفاً: فهو لا يكتفي بنقد الوهم. بل قد ينقد كذلك ما لا يُمكن تفكيكه جذرياً. لأن موضوعه نفسه لا يحتفظ دائماً بإمكانات تحققٍ تامة. والشعر الجاهلي بالذات يفرض عجزاً بنيوياً على أي معيار صلب: فالنص.إن صحّت تسميته نصاً.لا يأتي من لحظة الكتابة التي تضمن ثباتاً. بل يأتي من سلسلة انتقال شفهي، ثم من ضبط لاحق. ثم من تدوين في زمن متباعد، ثم من انتقالٍ عبر رواةٍ وطبقاتٍ من الوعي. إذن نحن لا نقف أمام وثيقة. بل أمام أثر. والأثر.مهما ألحّ الباحث.لا يساوي الأصل. ولا يمكن استجوابه بالطريقة نفسها التي تُستجوب بها شهادة كُتبت فور وقوع الحدث.
من هنا يبدو سؤال طه حسين مفهوماً ومشروعاً: كيف نثق؟ وكيف ننسب؟ وكيف نزن الاحتمال؟ غير أن الفلسفة لا تُقيم منهجاً لأنها “تشُك”، بل لأنها تُقيمه بقدر اتساقه مع نوع مادته وبقدر احترامه لمنطقها الداخلي. فالشعر الجاهلي ليس مادة كيميائية تُعاد اختباراتُها في المختبر بالمعيار نفسه. إنه خطاب بُني لغاية جمالية، ثم أُلحق.لاحقاً.بوظائف معرفية: منها وظيفة “الإثبات التاريخي” ومنها وظيفة “التفسير الحضاري”. فإذا كان طه حسين يريد تحريره من هذه الوظائف، فهو يقترب من موقف فلسفي سليم: النص لا يَرِد إلى التاريخ كما يَرِد الحجر إلى البحر. بل يمر عبر وسيط التأويل. لكن هل فعل ذلك دوماً بقدرٍ من الدقة يمنع الشك من أن يتحول إلى إدانةٍ مسبقة؟
إن نقد المشروع يبرز. هنا. في نقطة محورية: هل الشك عند طه حسين مجرد منهج لتصحيح المعرفة، أم أنه صار.بحكم حماسه—منطقاً ينتج النتيجة قبل أن يحسمها الدليل؟ قد يبدو هذا الاتهام قاسياً، لكن الفلسفة لا تتعامل مع النوايا بل مع البنى. فإذا كان الباحث يتعامل مع النقل والرواية باعتبارهما أصلاً للانحراف. فإن الإجراء التالي هو أنه يميل إلى فرض صرامة حديثة على مادة لم تكن حديثة في شروط إنتاجها. وبذلك يصبح المنهج أداة لتقليل “قيم التراث” لا لاستعادة شروط معرفته. هنا تحدث القفزة: من “لم يُثبت بما يكفي” إلى “لا يمكن أن يكون”. القفزة بين الاثنين ليست دائماً منطقية. لأن عدم التحقق الكامل لا يساوي نفي الحق.
أكثر من ذلك: إن العقل حين ينتقل من عالمٍ مكتوبٍ إلى عالمٍ شفهي. يواجه اختلافاً في طبيعة البرهنة. فالشاهد الشفهي لا يعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها النص المدوّن: إنه يتغير أثناء النقل. ويخضع للتثبيت الجزئي. وقد يستقر على هيئة ما لا لأنه الأصل حرفياً، بل لأنه الأكثر تماسكاً في ذاكرة الجماعة، أو الأكثر قدرة على أداء وظيفته داخل المجتمع. هذا لا يعني أنه لا أصل له. بل يعني أن أصل النص ربما لا يمكن العثور عليه كنسخة واحدة متطابقة. إن السؤال لا يكون “هل هذا حرفياً كما قيل؟” بل أيضاً “كيف استقرت بنية المعنى أو الصورة؟” لأن الاستقرار قد ينتج من عوامل جمالية ووظيفية، لا من مؤامرة أو تصنيع متعمد.
وبقدر ما يعترف طه حسين بأن الشعر ليس تاريخاً دقيقاً، بقدر ما يواجه نفسه بإشكال التقسيم: التاريخ مقابل الأدب. فمن السهل أن نقرر أن الشعر لا يساوي التاريخ. لكن الأصعب هو تحديد ما الذي يظل صالحاً تاريخياً حين يكون النص أدبياً. فإذا أسقطنا كل قيمة تاريخية بحجة أن الشعر خيال، فإننا نُفقد التراث إحدى وظائفه:تمثيل الذوق والقيم والصورة الذهنية عن العالم. لكن إذا منحنا الشعر قيمة تاريخية على نحوٍ مُطلق—بحجة أنه يعبّر عن الواقع—فسنقع في مقابلةٍ أخرى: تحويل الأدب إلى وثيقة بلا وسيط.
الموقف الوسط.إن طُرح.لا يعني التخفف من الشك. بل يعني أن الشك نفسه يجب أن يكون درجاتياً. فليس هناك شك واحد يطبق على الجميع بنفس القوة. توجد فروق بين طبقة “اللغة” وطبقة “المعنى” وطبقة “التفاصيل الواقعية” وطبقة “الرمز”. قد يكون بعض التفصيلات منتحلة أو متأخرة، لكن بنية الصورة أو الإيقاع أو روح الخطاب قد تحمل آثاراً لأزمنة أقدم. وإذا كان مشروع طه حسين يميل أحياناً إلى شطب الذاكرة بحجة هشاشتها. فإن النقد هنا يقترح إعادة تمييز: التفكيك ليس إلغاء، بل هو تحديد نطاق ما يمكن قبوله بوصفه “معرفة احتمالية” لا بوصفه “حقيقة نهائية”.
ثم هناك العقدة الأكثر حساسية: أثر السلطة والسياق. لا يكفي أن نقول إن طه حسين كان يحمل مشروعاً تحديثياً. أو أنه استُدعي زمنه لتبرير النقد. الفلسفة تقتضي الاعتراف بأن كل معرفة تُنتجها شروطها. وأن الباحث حين يقترب من التراث لا يقترب من موضوع بريء. إنه يقترب من موضوع مُحمّل بقيمة هوية وبوظيفة ثقافية وسياسية. وفي زمن عربي كان فيه سؤال الهوية يتصارع مع خطاب التحديث. يمكن لخطاب الشك أن يتحول.حتى دون قصد.إلى سلاح ضد “سلطة” موروثة: سلطة لا تقول فقط “هذا صحيح” بل تقول أيضاً “ومن حقكم أن تسألوا؟”. حين تُمس هذه السلطة قد تنشأ رغبة في تقطيع أوصالها لا بقدر ما تستحقه من فحص، بل بقدر ما تتيحه من انتقام معرفي.
لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن نقع في فخ التبرير السهل الذي يجعل نقد طه حسين مجرد رد فعل على سلطة. النقد ليس دائماً تصحيحاً سياسياً، بل قد يكون محاولة لرفع المعرفة إلى مستوى منضبط. المشكلة ليست في السياق. بل في إمكانية أن السياق يوجّه الاستنتاجات: أن يصبح المنهج مرآة لرغبة معرفية أو أيديولوجية في “إعادة بناء” الماضي على نحو يخدم الحاضر. هنا تظهر ضرورة النقد الفلسفي: أن نميّز بين مسار المنهج ومسار الأثر. فالمنهج قد يصدق في جزئيات. لكن أثره العام قد يفضي إلى حكم شامل لا تسمح المادة نفسها بتحمله.
إن أبرز اعتراض فلسفي يمكن صياغته على مشروع طه حسين هو الآتي: حين يقود الشكُ المنهجَ إلى نتيجة واسعة، يصبح السؤال ليس “هل يمكن أن يكون الشعر الجاهلي كما وصل؟” بل “لماذا نُسقط احتمال أن يكون جزئياً.لا كلياً.صحيحاً؟” و”لماذا يُقدَّم احتمال العكس على أنه أكثر معقولية؟” هذه ليست اعتراضاً على فكرة الشك، بل اعتراض على مركز الثقل في تقدير الاحتمالات. الشك المنهجي يفترض توازناً: أن تُقيَّم الأدلة وفق معيار، ثم أن تترك للمادة هامشاً من التعقيد. أما حين يتحول الشك إلى يقين سلبي—يقينٍ بنفي الأصل أو بنفي نسبة كبيرة من النص.فإننا لا نكون قد طبقنا الفلسفة، بل طبقنا نزعة.
فلسفة المعرفة لا تقوم على رفض كل ما لا يملك برهاناً مكتملًا، بل على بناء درجات من الاعتقاد: معرفة يقينية، معرفة احتمالية. معرفة وظيفية، معرفة رمزانية. والشعر الجاهلي، بوصفه خطاباً مشفوعاً بالانتقال والذاكرة، يقترب من المعرفة الاحتمالية والوظيفية. إن كان لدى طه حسين ميل إلى الصرامة التي تُفضي غالباً إلى نفي واسع، فالنقد يقتضي تليين هذه الصرامة أو إعادة ضبطها: بحيث يتحول البحث من بحث “هل هو صحيح حرفياً؟” إلى بحث “ما الذي يسمح به النص من آثار زمنية؟” و”كيف تشتغل الذاكرة في تثبيت الصور؟” و”ما هي حدود قدرة اللغة الشعرية على حمل الدلالة التاريخية؟”
وفي قلب ذلك سؤال آخر: ما معنى “الماضي” أصلاً عندما نحلله عبر الشعر؟ هل هو سلسلة أحداث مادية؟ أم هو تصور جماعي لهذه الأحداث؟ إذا كان الشعر جزءاً من تصور الجماعة، فإن عدم مطابقته الحرفية لا يُسقط قيمته المعرفية. قد لا يخبرنا الشعر عن تاريخ الوقائع، لكنه يخبرنا عن تاريخ الحسّ والقيم. وحين يُختزل الشعر إلى وثيقة وقائع، نكون قد طلبنا منه ما ليس له. وحين يُرفض تماماً لأنه ليس وثيقة وقائع، نكون قد طلبنا منه أيضاً ما ليس له. ثم عاقبناه. الفلسفة هنا تقترح انقلاب السؤال: بدل أن نطلب من الشعر الجاهلي أن يكون “تاريخاً” نطلب منه أن يكون “خطاباً” يشي بما لا يصرح به، وبما لا يمكن أن نقبض عليه إلا عبر قراءات تتعامل مع الاستعارة والرمز والإيقاع باعتبارها طرقاً للمعرفة.
وعليه. يمكن تلخيص النقد الفلسفي في ثلاث نقاط متشابكة:
أولاً، أن الشك المنهجي ضروري، لكنه يجب أن يبقى خاضعاً لمنطق المادة لا لمنطق العصر. فإذا استُخدم الشك كأداة لإنتاج نفي شامل. فقد تحوّل من علاج معرفي إلى مرض معرفي.
ثانياً، أن الفصل الصارم بين الأدبي والتاريخي لا يُغني. فالأدبي قد يحمل تاريخاً من نوع آخر: تاريخ الصور والقيم والبنى الذهنية. لا تاريخ التفاصيل الواقعية. وفي غياب هذا التمييز يصبح الحكم متسرعاً.
ثالثاً. أن سياق الباحث لا يلغي مشروعه، لكن قد يلوّن اتجاهه. والفلسفة النقدية لا تتستر خلف “موضوعية” مزعومة؛ بل تفتش عن كيفية تشكّل الاستنتاج تحت ضغط حاجات الحاضر.أي ضغط الحاجة إلى بناء هوية عقلية جديدة عبر تفكيك القديم.
لكن هل يعني هذا كله أن مشروع طه حسين خطأ؟ ليس هذا هو المطلوب. إن القيمة الكبرى لهذا المشروع.حتى عند من يختلف معه—أنه نقل الدراسات التراثية من منطق التلقي إلى منطق الفحص. لقد علّم القارئ أن التراث ليس كتاباً مقدساً للمعرفة. بل مادة تحتاج إلى أدوات. وإلى صبر، وإلى تمييز. ومع ذلك. فإن النقد الفلسفي لا يكتفي بالمديح، بل يطالب بالمحاسبة المفهومية: أن يراجع ما إذا كانت أدوات طه حسين تتسع لتعقيد موضوعه، وما إذا كان شكوُه قادراً على إنتاج معرفة أدق دون أن يتحول إلى أحكام واسعة.
في النهاية. بين الشك والمنهج تظهر الحقيقة المزعجة: ليس الشك ضماناً للصدق بذاته. الشك قد ينقذ المعرفة من السذاجة. لكنه قد يوقعها أيضاً في نوع آخر من السذاجة: سذاجة أن “الصرامة” تعني دائماً “الصواب”. أما المعرفة الفلسفية الناضجة فتفهم أن الصواب ليس مجرد درجة من التشدد، بل هو توافق بين طبيعة السؤال وبين طبيعة الدليل. ومن ثم، فإن قراءة طه حسين حول الشعر الجاهلي لا تُختزل إلى خصومة بين مؤيد ومعارض. بل يجب أن تُقرأ كاختبارٍ لعلاقة العقل بتراثٍ لا يُسلِّم نفسه بسهولة. تراثٌ شفهته أطول من زمن كتابته، ورمزه أقوى من مجرد توثيق حوادثه. لذلك لا يكفي أن نطلب من الماضي أن يبرر نفسه أمام محكمة حديثة؟بل يجب أيضاً أن نسأل: هل هذه المحكمة هي المكان الوحيد للحقيقة؟ وهل الحقيقة لا تأتي إلا بزيّ البرهان الحرفي؟ أم أنها.في التراث تحديداً.قد تكون نوعاً من الوفاء المعرفي لعلامات غير كاملة، لا إلى يقين كامل؟
Views: 37







