
·بقلم ـ عبد العزيز الخطابي
ليس أخطر ما يمكن أن يقوله الإنسان عن الله أن يختلف معه الآخرون. بل أن يعتقد أنه امتلك صورته الأخيرة. وأن ما في ذهنه من تصور عن المطلق هو المطلق نفسه. فمنذ أن بدأ الإنسان يرفع عينيه إلى السماء ويسأل عن أصل الوجود. لم يكن يبحث عن إجابة فحسب. بل كان يبحث عن حدود قدرته على السؤال. ومنذ ذلك الحين. أصبح الله أكبر من كل تعريف. وأوسع من كل مذهب. وأبعد من أن تستوعبه الكلمات التي صاغها الإنسان وهو لا يزال يقيس اللامتناهي بأدوات المحدود.
من هنا يمكن فهم العاصفة التي أثارتها تصريحات محمد الفايد حول «الله الحقيقي» حين استحضر الحلاج وسبينوزا في حديث واحد. فالمسألة. في ظاهرها. مجرد تصريح أثار اعتراضات فقهية وفكرية؟ لكنها في عمقها تعيد فتح سؤال قديم قدم الفلسفة نفسها: هل الله الذي نتحدث عنه هو الله في ذاته، أم الصورة التي صنعها عقل الإنسان عنه؟ وهل اختلاف الناس حول الله هو اختلاف حول الله نفسه، أم اختلاف حول اللغة التي يحاولون بها الاقتراب من سر لا تحيط به لغة؟
بحسب المقطع المتداول المنسوب إلى الفايد. يذهب إلى أن «الله الحقيقي» هو الله الذي تحدث عنه الحلاج وسبينوزا. العبارة. بصرف النظر عن الاتفاق معها أو رفضها. تحمل في داخلها قنبلة فلسفية صغيرة: إنها تفترض وجود فرق بين «الله» وبين التصورات البشرية عن الله. وهنا بالذات ينبغي ألا نسارع إلى الشتيمة قبل أن نفهم السؤال. ولا إلى التصفيق قبل أن نفحص الجواب.
فالقرآن نفسه يضع الإنسان أمام مفارقة معرفية هائلة. إنه يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ثم يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إنه ينفي المماثلة. لكنه لا ينفي المعرفة. يفتح للإنسان باب الحديث عن الله. لكنه يغلق عليه باب تحويل الله إلى نسخة مكبرة من الإنسان. وفي سورة الإخلاص يبلغ هذا التنزيه ذروته: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
هنا لا يقدم القرآن الله بوصفه «طبيعة» ولا بوصفه «قوة كونية» ولا بوصفه فكرة فلسفية مجردة. بل بوصفه الأحد الصمد. الخالق الذي لا يشبه خلقه. ومن هذه النقطة يبدأ الاختلاف مع كثير من الصيغ الفلسفية التي حاولت إعادة تعريف الإله خارج اللغة الدينية.
لكن التاريخ الإسلامي لم يكن تاريخ إجابة واحدة. ففي داخله ظهر المتكلم والفيلسوف والصوفي. وكل واحد منهم حاول أن يقترب من السؤال بطريقته. كان المتكلم يخشى التشبيه. وكان الفيلسوف يبحث عن العلة الأولى. وكان الصوفي يبحث عن الله في التجربة الداخلية. وكان الفقيه يحاول أن يحرس حدود النص من التأويل الذي يراه مهددًا لمعنى التوحيد.
ثم ظهر الحلاج.
الحلاج لم يدخل إلى الله من باب البرهان الفلسفي. وإنما من باب التجربة. وحين نقرأ العبارة الأشهر المنسوبة إليه: «أنا الحق» فإننا نكون أمام واحدة من أكثر العبارات انفجارًا في تاريخ التصوف الإسلامي. فالحق من أسماء الله، والإنسان هو القائل. كيف يمكن لإنسان أن يقول «أنا الحق»؟
هنا تبدأ المشكلة. وهنا يبدأ التأويل.
هل كان الحلاج يقصد حرفيًا مساواة الإنسان بالله؟ أم أن العبارة تعبير عن حالة صوفية من الفناء. حيث تتراجع الأنا الفردية أمام حضور المطلق؟ لقد أصبحت «أنا الحق» نموذجًا لما يسمى في تاريخ التصوف بالشطح. وهي عبارة تكشف عن لغة مختلفة تمامًا عن لغة الفقه والمنطق. وقد ظلت العبارة موضع تأويل ونقاش بين الباحثين والمؤرخين. ولم تكن مجرد تعريف فلسفي بسيط لعلاقة الإنسان بالله.
ثم يأتي ابن عربي. فينقل السؤال إلى طبقة أكثر تعقيدًا. فمعه لا يعود الأمر مجرد «أنا والحق» بل يصبح السؤال عن الوجود نفسه: ما علاقة الحق بالخلق؟ كيف تظهر الكثرة من الوحدة؟ وما معنى التجلي؟ وهل العالم مستقل بوجوده أم أن وجوده قائم على الحق؟
ولذلك فإن اختزال ابن عربي في العبارة الشائعة «وحدة الوجود» لا يكفي لفهم مشروعه. فالدراسات المتخصصة تشير إلى أن ابن عربي نفسه لم يجعل من اصطلاح «وحدة الوجود» عنوانًا مذهبيًا لمشروعه. وأن الصورة التي اختُزل فيها فكره لاحقًا أكثر بساطة من نصوصه الحقيقية.
وفي الضفة الأخرى يقف سبينوزا. الذي لم يكن صوفيًا ولا فقيهًا ولا متكلمًا إسلاميًا. وإنما فيلسوفًا أوروبيًا أعاد بناء السؤال عن الله بلغة العقل الميتافيزيقي.
في «الأخلاق» يبدأ سبينوزا بتعريف الله بوصفه كائنًا مطلقًا لا متناهيًا. أي جوهرًا يتكون من عدد لا متناهٍ من الصفات. ثم يبني على ذلك نظامًا كاملًا للوجود. وفي صميم فلسفته تظهر عبارته الشهيرة: «الله أو الطبيعة»؛ Deus sive Natura.
هذه العبارة وحدها كانت كافية لكي يتحول سبينوزا إلى أحد أكثر الفلاسفة إثارة للجدل في تاريخ الفكر الأوروبي. لكنها أيضًا تعرضت إلى تبسيط هائل. فسبينوزا لا يقول ببساطة إن الشجرة هي الله وإن الجبل هو الله وإن الإنسان هو الله. المسألة أكثر تعقيدًا: هناك جوهر واحد لا متناهٍ. والموجودات التي نراها ليست جواهر مستقلة عنه. بل أنماط ضمن هذا الوجود. ولذلك فإن فهم «الله أو الطبيعة» يحتاج إلى قراءة ميتافيزيقا سبينوزا كلها. لا إلى اقتطاع أربع كلمات من مشروعه.
وهنا. تحديدًا، تبدأ المسافة بين سبينوزا والقرآن.
في التصور القرآني هناك خالق وخلق. هناك الله وهناك العالم. يقول القرآن: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أما سبينوزا فيعيد بناء العلاقة بين الله والطبيعة ضمن تصور للوحدة والضرورة لا يطابق التصور الديني التقليدي لإله شخصي منفصل عن العالم.
وهذه ليست مسألة تفصيلية يمكن تجاوزها بابتسامة فلسفية.
إنها اختلاف في هندسة الوجود نفسها.
إذا كان الله عند سبينوزا هو الجوهر الواحد الذي تتحدد به الموجودات، فماذا يبقى من مفهوم الخلق كما تفهمه العقيدة التقليدية؟ وإذا كان كل شيء يدخل في نظام الضرورة. فماذا يعني أن يكون الله صاحب إرادة بالمعنى الذي تقوله العقائد الدينية؟ وإذا لم يكن الله كائنًا شخصيًا منفصلًا عن العالم. فما موقع الدعاء والمعجزة والاستجابة في هذا النظام؟
هذه الأسئلة تكشف أن المسافة بين سبينوزا والتصور الإسلامي ليست مجرد مسافة في المصطلحات. وإنما مسافة في معنى الإله والعالم والإنسان.
ومع ذلك. فإن هذا لا يجعل سبينوزا بلا قيمة بالنسبة إلى الفكر الديني. على العكس. ربما تكمن قيمته في أنه يجبر الفكر الديني على مواجهة أسئلته الأكثر صعوبة. إنه يسأل: ماذا نعني عندما نقول إن الله يفعل؟ ماذا نعني بالإرادة الإلهية؟ ماذا نعني بالحرية؟ وهل الإنسان حر فعلًا أم أنه جزء من سلسلة ضرورية من الأسباب؟
هنا يتحول سبينوزا من «خصم» إلى سؤال.
والفلسفة لا تتقدم حين نحرق الأسئلة. وإنما حين نملك الشجاعة على الجلوس معها.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم التقاطع الذي قد يكون أغرى الفايد بجمع الحلاج وسبينوزا في عبارة واحدة. فكلاهما. وإن اختلفا اختلافًا جذريًا. يقوداننا إلى منطقة تتراجع فيها الصورة البشرية البسيطة عن الله. الحلاج يفعل ذلك عبر الفناء والشهود. وسبينوزا عبر العقل والضرورة والجوهر. لكن التشابه في النتيجة اللغوية لا يعني التطابق في الطريق ولا في المذهب.
الحلاج لا يقدم «الأخلاق» في صورة صوفية.
وسبينوزا لا يعيش «الشطح» الصوفي.
وابن عربي ليس سبينوزا مسلمًا.
وسبينوزا ليس ابن عربي أوروبيًا.
هذه العبارات تبدو بديهية، لكنها تصبح ضرورية عندما تتحول المقارنة إلى شعارات.
وهنا يمكن أن نفهم أين تكمن قوة تصريح الفايد وأين تكمن هشاشته.
قوته. إذا كان مقصوده أن البشر قد يخلطون بين الله وبين الصور التي صنعوها عنه. تكمن في فتح سؤال معرفي عميق: هل يمكن للعقل المحدود أن يحيط بالمطلق؟ وهل كل ما نسميه «تصورًا عن الله» هو الله نفسه. أم أنه مجرد لغة بشرية تحاول الاقتراب من الحقيقة؟
أما هشاشته فتبدأ عندما يتحول هذا السؤال إلى مساواة بين تصورات مختلفة جذريًا. فإذا كان المقصود أن الله عند سبينوزا هو نفسه تمامًا الله الذي يقدمه القرآن. فإن المقارنة تنهار أمام أول اختبار فلسفي جاد. وإذا كان المقصود أن الحلاج وسبينوزا قدما تصورًا واحدًا. فالفارق بين التجربة الصوفية والنسق الميتافيزيقي يمنع هذه النتيجة.
المشكلة إذن ليست في أن الفايد ذكر سبينوزا.
وليست في أن يستحضر الحلاج.
وليست حتى في أن يطرح سؤالًا عن «الله الحقيقي»
المشكلة في أن كلمة «الحقيقي» تحتاج هي نفسها إلى تعريف.
ما هو «الحقيقي» هنا؟
هل هو الله كما وصف نفسه في القرآن؟
أم الله كما يفهمه العقل؟
أم الله كما يختبره الصوفي؟
أم الله كما يصوغه الفيلسوف؟
أم أن كل هذه التصورات ليست إلا محاولات بشرية ناقصة للحديث عن حقيقة لا يمكن للعقل أن يحيط بها؟
إذا كان الجواب هو الأخير. فإننا نقترب من السؤال الذي ظل يطارد الفلسفة واللاهوت والتصوف: هل نحن نعرف الله، أم نعرف فقط الطريقة التي تمكننا بها عقولنا المحدودة من التفكير فيه؟
وهنا يصبح الصراع بين الفايد وبعض منتقديه أقل أهمية من السؤال نفسه.
لأن الفقيه الذي يرفض السؤال قبل فهمه قد يحول الدين إلى حصن مغلق.
والفيلسوف الذي يحتقر الإيمان قبل فهمه قد يحول العقل إلى حصن آخر.
والصوفي الذي يرفض العقل تمامًا قد يحول التجربة إلى لغة لا يمكن مساءلتها.
أما الحقيقة. إن كانت هناك حقيقة يمكن للإنسان أن يبلغها، فلا تخاف من السؤال.
ربما يكون أعظم تواضع يمكن أن يصل إليه العقل هو أن يعترف بأنه يستطيع أن يسأل عن الله أكثر مما يستطيع أن يحيط بالله.
وربما تكون أعظم مشكلة في تاريخ البشر أنهم لم يكتفوا بالإيمان بالله. بل أراد كل فريق أن يمتلك التعريف النهائي له. وأن يجعل تصوره الخاص هو الحدود الأخيرة للمطلق.
وهنا تتحول العقيدة إلى ملكية، والفلسفة إلى سلطة. والتصوف إلى سر مغلق، ويصبح الله نفسه . أسيرًا للذين يتحدثون باسمه.
لكن الله. إذا كان هو المطلق، لا يحتاج إلى محامٍ.
ولا يحتاج إلى شرطي يحرسه من الأسئلة.
ولا يحتاج إلى فيلسوف يدعي امتلاك تعريفه النهائي.
الذي يحتاج إلى ذلك هو الإنسان.
الإنسان الذي يخاف من المجهول. فيصنع له صورة. ثم يعبد الصورة ويقاتل من أجلها. وينسى أن الصورة ليست الشيء.
ومن هنا قد يكون السؤال الحقيقي الذي أثاره كلام الفايد ليس: «هل الله عند سبينوزا هو الله عند الحلاج؟»
بل السؤال الأكثر إزعاجًا:
هل نحن نختلف حول الله. أم نختلف حول الصور التي صنعناها نحن عن الله؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُفتح في صحيفة فكرية، لا لأن له جوابًا سهلًا. بل لأنه سؤال لا يسمح للعقل أن ينام مرتاحًا.
فالحلاج وقف عند حافة الأنا وقال: «أنا الحق»
وسبينوزا وقف عند حافة العالم وقال: «الله أو الطبيعة»
والقرآن وقف بالإنسان أمام المطلق وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
ثلاثة أصوات. وثلاثة عوالم. وثلاث طرق إلى السؤال.
والخطأ ليس في أن نقارن بينها.
الخطأ أن نظن أن المقارنة انتهت قبل أن تبدأ.
فبين «الحق» عند الحلاج. و«الوجود» عند ابن عربي. و«الله أو الطبيعة» عند سبينوزا. و«الله الأحد الصمد» في القرآن. توجد مساحات من التقاطع. لكن توجد أيضًا هاويات فلسفية وعقدية لا يجوز أن نخفيها تحت بريق الكلمات.
وفي تلك المسافة تحديدًا يقف محمد الفايد. لا بوصفه صاحب الكلمة الأخيرة. ولا بوصفه صاحب الكلمة الباطلة بالضرورة. وإنما بوصفه شخصًا أعاد إلقاء حجر في ماء راكد.
والسؤال الآن ليس: من سيربح المعركة؟
السؤال هو:
هل نملك الشجاعة لنقرأ قبل أن نحكم. وأن نفكر قبل أن نكفّر. وأن نسأل قبل أن ندّعي امتلاك الحقيقة؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للفكر ليس أن يخطئ.
بل أن يفقد القدرة على السؤال.
·
Views: 0







