
مامون زين من ولاية فيرجينيا الولايات المتحدة

منذ أكثر من ثلاثة عقود وأنا أحلم بزيارة مدينة أصيلة المغربية. ظل اسمها لحناً يتردد في داخلي كلما سرحت بخيالي في عوالم الفن والجمال والأدب، وكلما حملتني الأماني إلى الأمكنة التي أتوق لرؤيتها، حتى أكرمني الله بتحقيق ذلك الحلم في يونيو الماضي.
سمعت باسم المدينة لأول مرة عام 1994، بعد أن قرأت مقالاً في إحدى الصحف العربية عن تكريم أسرة مهرجان أصيلة الثقافي للأديب السوداني الطيب صالح خلال الدورة السادسة عشرة للمهرجان. وكانت مواسم أصيلة الثقافية قد انطلقت عام 1978 بمبادرة من الأديب والدبلوماسي الراحل محمد بن عيسى، والفنان التشكيلي الراحل محمد المليحي.
تقع أصيلة على شاطئ المحيط الأطلسي، على بُعد نحو 45 كيلومتراً جنوب طنجة، وحوالي 245 كيلومتراً شمال الرباط. وخلال العقود الماضية شهدت تحولات مهمة في بنيتها التحتية ومرافقها وعمرانها، حتى غدت قطباً ثقافياً وسياحياً بارزاً، ومركز إشعاع ثقافي في المغرب ومنطقة جبالة. وتتميز المدينة القديمة بأزقتها البيضاء ذات التأثيرات المتوسطية، وبعمارتها المغربية الأصيلة، فيما تشكل جدارياتها المنتشرة في الفضاء العام واحداً من أجمل معارض الفن المفتوح في البلاد.
برزت أصيلة منذ العهد الإدريسي ميناءً تجارياً مهماً يربط المغرب بأوروبا، ثم ازدهرت تجارتها مع مدن مثل جنوة والبندقية وبرشلونة. وفي القرن الخامس عشر أصبحت مركزاً سياسياً مهماً، قبل أن يحتلها البرتغاليون سنة 1471 بعد مقاومة قوية من سكانها. واستمر الصراع حولها سنوات طويلة حتى استعادها المغاربة وطردوا البرتغاليين منها سنة 1550.
عادت أصيلة لفترة قصيرة إلى السيطرة البرتغالية، ثم استرجعها المغرب نهائياً في أواخر القرن السادس عشر. وبعد ذلك شهدت ازدهاراً عمرانياً وتجارياً، وأصبحت ميناءً وقاعدة للنشاط البحري. وفي العهد العلوي حافظت على أهميتها التجارية، وظلت منطلقاً للعمليات البحرية حتى القرن التاسع عشر. وفي مطلع القرن العشرين أصبحت معقلاً لأحمد الريسوني، ثم خضعت للسيطرة الإسبانية حتى استقلال المغرب سنة 1956.
وتشتهر أصيلة بموسمها الثقافي الدولي الذي يحول المدينة إلى معرض فني مفتوح يجمع الأدب والموسيقى والرسم والنحت، ويستقطب فنانين ومبدعين من أنحاء العالم. وتبقى كثير من جداريات المهرجان ومنحوتاته معروضة طوال العام، فتمنح المدينة طابعها الفني المتفرد.
ولعل أجمل مصادفات الرحلة أن الرجل الذي عرّفني اسمه بأصيلة قبل اثنين وثلاثين عاماً، كان ينتظرني فيها بطريقته الخاصة؛ حديقة خضراء في قلب المدينة تحمل اسم الطيب صالح وفاءً لعلاقته الطويلة بمواسم المدينة الثقافية وإسهاماته فيها حيث كانت من أكثر الأماكن التي حرصت على زيارتها. وهي حديقة هادئة وارفة الظلال، تحيط بها الأشجار والخضرة في بساطة جميلة تبعث في النفس السكينة. وقفت فيها بشعور خاص من الفخر والحنين؛ فليس أجمل من أن تجد اسم أديب سوداني كبير باقياً في مدينة بعيدة أحبّها وأحبّته، وكأن أصيلة أرادت أن تحفظ له مكاناً دائماً بين أشجارها وذاكرتها.
ومن أبرز معالمها الحديثة مكتبة الأمير بندر بن سلطان، بما تضمه من فضاءات للمطالعة والسينما والندوات الثقافية، فيما تواصل المدينة تطوير مرافقها وفضاءاتها لتعزيز مكانتها مدينةً للثقافة والفنون.
كنت، وأنا في الطريق إلى أصيلة، أتخيل عروساً في كامل زينتها وأناقتها. وكلما تضاءلت المسافة واقتربت منها، ازدادت ضربات قلبي، وكأنني ذاهب إلى موعد غرامي انتظرته اثنين وثلاثين عاماً.
وفي المدينة القديمة ما إن تعبر إحدى البوابات حتى تشعر بأنك انتقلت من صخب الحاضر إلى سكينة زمن بعيد. خلف أسوارها البرتغالية العتيقة تستقبلك مدينة بيضاء وادعة، تتكئ على شاطئ المحيط الأطلسي، وتفتح أزقتها الضيقة للزائر كصفحات كتاب قديم تفوح منه رائحة البحر والتاريخ.
تبدو بيوت المدينة متقاربة كأنها تتساند وتتبادل الأسرار؛ جدران بيضاء تلتقط ضوء الشمس، وأبواب زرقاء وخضراء تزينها النقوش والمسامير النحاسية، ونوافذ صغيرة تعلوها شرفات تتدلى منها أصص الريحان والياسمين. أما الأزقة المتعرجة فتضيق حيناً وتتسع حيناً آخر، لتفضي بك فجأة إلى ساحة صغيرة، أو باب أثري، أو جدار تحول إلى لوحة فنية نابضة بالألوان.
في أصيلة لا تحتاج إلى خريطة؛ يكفي أن تترك قدميك تقودانك، فكل منعطف يحمل مفاجأة جديدة: طفل يركض خلف كرة، وامرأة تطل من نافذة مزخرفة، وشيخ يحتسي الشاي أمام دكانه، وفنان يضع لمساته الأخيرة على جدارية أضفت على المكان حياة أخرى.
وعلى جانبي الأزقة تنتشر الحوانيت الصغيرة، وقد امتلأت واجهاتها بالمصنوعات التقليدية التي تجذب أنظار الزوار. تتدلى الحقائب الجلدية المطرزة والأوشحة الملونة والسلال المنسوجة، وتصطف على الرفوف الأواني الخزفية والصحون المزخرفة وأباريق الشاي والمصابيح النحاسية مختلفة الاحجام.
ويجلس بعض الحرفيين أمام متاجرهم يواصلون أعمالهم في هدوء وصبر؛ فهذا ينقش النحاس بمطرقة صغيرة، وذاك يحفر الزخارف على الخشب، وثالث يشكل الجلد أو ينسج الخيوط الملونة. وفي واجهات أخرى تلمع الحلي والمصوغات التقليدية من أساور وخواتم وقلائد وأقراط، زُينت بأحجار كريمة وشبه كريمة أو بالخرز والزجاج المصقول، وحملت جميعها بصمة اليد التي صنعتها وروح المكان الذي وُلدت فيه.
والباعة أنفسهم جزء من سحر المدينة؛ يستقبلون المارة بابتسامات ودودة وعبارات ترحيب بلغات مختلفة التقطوها من زوار أصيلة القادمين من أنحاء العالم. يعرضون بضائعهم، ويشرحون طرق صناعتها، ثم تبدأ مساومة لطيفة لا تخلو من الدعابة؛ وقد يدخل الزائر الحانوت بدافع الفضول ويغادره حاملاً تذكاراً صغيراً وحكاية جميلة.
وتفوح من بعض الدكاكين روائح البخور والمسك والعنبر والصابون البلدي والزيوت العطرية، فتختلط بروائح التوابل القادمة من متجر قريب، حيث تتراكم ألوان الكمون والكركم والفلفل الأحمر والزنجبيل في سلال مفتوحة كأنها تلال صغيرة من الألوان الدافئة.
وغير بعيد عن المسارات السياحية تنبض الأسواق الشعبية بالحياة اليومية لأهل المدينة. هناك تتراص الخضروات والفواكه الموسمية، وتملأ رائحة النعناع والكزبرة والبقدونس أرجاء السوق، بينما تتعالى أصوات الباعة وهم ينادون على بضائعهم، وتتداخل مع حوارات الزبائن ومساوماتهم العفوية.
ولا تغيب رائحة البحر عن المشهد؛ فالأسماك الطازجة التي جاء بها الصيادون في الصباح تلمع فوق ألواح الثلج، فيما تحلق طيور النورس في السماء القريبة، وكأنها تعرف أن رزق المحيط قد وصل إلى المدينة.
أصيلة القديمة ليست مدينة تُزار على عجل، بل مكان يدعوك إلى التمهل وتأمل التفاصيل الصغيرة: نقش فوق باب، أو قطة تستريح على عتبة بيت، أو يد حرفي تحول مادة بسيطة إلى قطعة جميلة. وحين تغادر أسوارها لا تحمل معك صورة أو تذكاراً فحسب، بل تحمل أصوات باعة أزقتها، ورائحة أسواقها، وألوان جدارياتها، وهمس البحر المحيط بها.
وهكذا تبقى أصيلة في الذاكرة مدينة بيضاء تطل على زرقة لا تنتهي؛ صغيرة في حجمها، واسعة في أثرها، جمعت بين صرامة الأسوار ورقة الفن، وبين بساطة الأسواق وفتنة التاريخ. أما بالنسبة لي، فقد كانت أكثر من مدينة زرتها؛ كانت حلماً قديماً طال انتظاره، وحين تحقق وجدته أجمل مما ظللت أرسمه في الخيال.







