
عبد العزيز الخطابي
·في السياسة المغربية. لا تكمن المفارقة دائمًا في وقوع الخطأ. بل في الطريقة التي تتعامل بها الأحزاب مع الأزمات عندما تتحول إلى قضية رأي عام. فهناك قرارات تُتخذ بسرعة تحت الضغط. وملفات تثير أسئلة حول المسؤولية السياسية. وأحزاب تجد نفسها أمام امتحان صعب: هل تدافع عن أعضائها عندما تشتد العاصفة. أم تتخلى عنهم لتجنب كلفة الجدل؟
قضية مديحة خيير. المنتمية إلى حزب الاستقلال. أعادت هذا السؤال إلى الواجهة. فقد لم تستمر مهمتها الوزارية سوى يومين تقريبًا. بعد تعيينها في الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري. القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة. التي عُيّنت رئيسة للحكومة في 29 شتنبر 2026. قبل تعيين أعضاء حكومتها في 16 أكتوبر من السنة نفسها. وبعد ذلك. وافق الملك على طلب رئيسة الحكومة إعفاء مديحة خيير من مهامها. وفق بلاغ رسمي.
وقد بررت المنصوري القرار. في تصريحات لاحقة. بظهور معطيات ووثائق أثارت تساؤلات بشأن إسناد مسؤولية تدبير المال العام إلى المعنية بالأمر. مؤكدة أن هذه المعطيات لم تكن متوفرة لديها عند تشكيل الحكومة. كما أشارت إلى أن خيير سبق أن استفادت من رد الاعتبار القضائي سنة 2019. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن التوفيق بين الآثار القانونية لرد الاعتبار القضائي وبين المعايير السياسية والأخلاقية التي تعتمدها الحكومة عند اختيار المسؤولين؟

إن رد الاعتبار القضائي مسألة قانونية يجب احترام آثارها. ولا يجوز تجاهلها أو التعامل معها وكأنها لم تكن. وفي المقابل. فإن اختيار الأشخاص لتحمل المسؤوليات العامة يظل قرارًا سياسيًا ومؤسساتيًا يقتضي التدقيق في المعطيات المتاحة. وتوضيح المعايير المعتمدة. وتحمل مسؤولية الاختيار. كما أن الإعفاء من منصب وزاري لا يشكل في حد ذاته حكمًا قضائيًا بالإدانة.
لكن القضية لم تتوقف عند حدود الحكومة؟ فقد امتد النقاش إلى داخل حزب الاستقلال. الذي تنتمي إليه خيير. وأثارت تقارير صحفية مسألة انسحابها من المسؤوليات البرلمانية وتغيير رئاسة الفريق النيابي. وهو ما يطرح سؤالًا حول طبيعة موقف الحزب: هل يعتبر ما وقع قضية فردية تخص خيير وحدها. أم أنه يرى فيها أيضًا مسألة تتعلق بكرامة الحزب ومسؤوليته السياسية؟
وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحًا: هل يمكن أن يذهب حزب الاستقلال إلى حد مراجعة مشاركته في الحكومة دفاعًا عن مديحة خيير؟ وهل يمكن أن يفكر نوابه في الانسحاب من الأغلبية أو الاستقالة الجماعية من البرلمان، باعتبار ذلك شكلًا من أشكال رد الاعتبار؟
إلى حدود المعطيات المتاحة، لا ينبغي تقديم انسحاب الحزب من الحكومة أو استقالة نوابه جماعيًا باعتبارهما قرارين معلنين. فهذه خطوات سياسية كبيرة. تتجاوز التضامن الشخصي. وترتبط بالتزامات الحزب تجاه الناخبين. وبموقعه داخل الأغلبية. وبالبرنامج الذي تعهد بتنفيذه.
ومع ذلك. فإن السؤال مشروع. فإذا كان حزب الاستقلال قد اختار مديحة خيير ومثلته في التشكيلة الحكومية. فمن حق الرأي العام أن يسأل عن مسؤوليته في التزكية والاختيار. وإذا اعتبر الحزب أن ما حدث يستدعي موقفًا دفاعيًا. فعليه أن يوضح طبيعة هذا الموقف وحدوده وأهدافه. أما الاكتفاء بتغيير المسؤوليات الداخلية دون تقديم تفسير سياسي واضح. فقد يترك أسئلة الناخبين معلقة.
إن الانسحاب من الحكومة ليس مجرد ورقة ضغط. كما أن الاستقالة الجماعية من البرلمان ليست شعارًا يُرفع في لحظة غضب. فإذا اتخذ الحزب قرارًا من هذا النوع. فعليه أن يشرح أسبابه وتبعاته. وأن يوضح ما إذا كان هدفه الدفاع عن حق قانوني. أم الاحتجاج على طريقة تدبير القضية. أم مراجعة شروط مشاركته في الحكومة. أما إذا اختار الاستمرار في الأغلبية. فمن حق المواطنين أن يعرفوا كيف سيضمن احترام المعايير نفسها في الملفات المقبلة.
لكن النقاش لا يكتمل دون العودة إلى حزب الأصالة والمعاصرة. الذي تقود شخصيته البارزة فاطمة الزهراء المنصوري الحكومة الحالية. فقد شارك الحزب في الحكومة السابقة التي ترأسها عزيز أخنوش، إلى جانب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال. أما اليوم، وبعد انتقال المنصوري إلى رئاسة الحكومة، فإن المسؤولية السياسية لا تتعلق فقط بكيفية التعامل مع قضية مديحة خيير. بل أيضًا بمدى وضوح المعايير التي ستُطبق على جميع الأحزاب والشخصيات. دون استثناء.
وقد شهدت السنوات الماضية ملفات أثارت جدلًا واسعًا بشأن علاقة السياسة بالمال والنفوذ. من بينها قضية «إسكوبار الصحراء» التي ارتبطت بشخصيات سياسية معروفة. من بينها عبد النبي بعيوي وسعيد الناصري، اللذان ارتبط اسماهما بحزب الأصالة والمعاصرة. كما أثيرت في مدن أخرى قضايا وتحقيقات تتعلق بشبهات انتخابية وتدبير الشأن المحلي والمال العام.
غير أن الإنصاف الصحفي يقتضي التمييز بين الأحكام القضائية والاتهامات التي لا تزال محل بحث، وبين المسؤولية الجنائية الفردية والمسؤولية السياسية عن الاختيار والتزكية والمراقبة. فلا يجوز اعتبار الانتماء الحزبي دليلًا على ارتكاب جريمة. كما لا ينبغي أن يتحول الانتماء إلى حزب نافذ إلى سبب يمنع طرح أسئلة مشروعة حول المسؤولية العامة.
وهنا تتجلى أهمية مبدأ المحاسبة: إذا كانت الحكومة الجديدة ترى أن ظهور معطيات إضافية بشأن أحد المسؤولين يستدعي التدخل السريع. فمن حق المواطنين أن يسألوا عن المعايير التي ستُعتمد في الحالات الأخرى. وهل ستخضع الشخصيات المنتمية إلى الحزب الذي يقود الحكومة. أو إلى الأحزاب المشاركة فيها. للمسطرة نفسها؟ وهل ستُراجع آليات التزكية والتدقيق قبل التعيين. أم ستظل القرارات رهينة ضغط الإعلام وردود الفعل؟
إن التخليق لا ينبغي أن يكون شعارًا ظرفيًا يُرفع عندما تتصاعد الانتقادات. بل ممارسة مؤسساتية تبدأ قبل توزيع المناصب. وتستمر أثناء تدبير المسؤوليات. وتقتضي الشفافية في تفسير القرارات. كما أن التضامن الحزبي لا يعني تعطيل المساءلة. تمامًا كما أن المساءلة لا تعني تجاهل الحقوق القانونية للأفراد.
ومن هذا المنطلق. لا ينبغي اختزال قضية مديحة خيير في سؤال واحد: هل يستقيل حزب الاستقلال دفاعًا عنها؟ بل يجب توسيع النقاش ليشمل مسؤولية الحزب عن اختياراته. ومسؤولية الحكومة عن معايير التعيين. ومسؤولية الأحزاب عن مراقبة ممثليها. وحق المواطنين في معرفة الأسس التي تُتخذ وفقها القرارات الكبرى.
فإذا قرر حزب الاستقلال الانسحاب من الحكومة. وجب أن يكون ذلك نتيجة موقف سياسي معلل. لا مجرد رد فعل عابر. وإذا قرر البقاء. فعليه أن يوضح موقفه من القضية وأن يشرح كيف سيحافظ على استقلالية قراره السياسي وكرامة ممثليه. وإذا طُرحت استقالة النواب. فيجب مناقشة تبعاتها على تمثيل المواطنين. لا تقديمها باعتبارها الحل الوحيد الممكن.
وفي المقابل. فإن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مطالبة بأن تجعل وضوح المعايير أساسًا لعملها. وأن تميز بين ما يثبته القضاء وما يثيره النقاش السياسي. وأن تتعامل مع الملفات بالجدية نفسها مهما اختلفت الأسماء والانتماءات.
فالسخرية السياسية الحقيقية ليست في إعفاء مسؤول بعد يومين. بل في أن يتحول القرار إلى إعلان عن الجرأة. بينما تظل الأسئلة المتعلقة بمن اختار. ومن زكّى. ومن راقب. ومن يتحمل المسؤولية السياسية بلا أجوبة كافية.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام نزار بركة وقيادة حزب الاستقلال: هل ستظل قضية مديحة خيير أزمة داخلية تُعالج بتغيير المسؤوليات. أم ستتحول إلى محطة لمراجعة العلاقة مع الحكومة؟ وإذا اختار الحزب البقاء، فما الموقف الذي سيعلنه؟ وإذا اختار الانسحاب. فما الهدف السياسي الذي يريد تحقيقه؟
فالناخبون لا يمنحون أصواتهم للأحزاب كي تتبادل الاتهامات عند الأزمات. بل كي تتحمل مسؤولية اختياراتها في أوقات القوة والضعف معًا. ولا تُقاس الجرأة بسرعة اتخاذ القرار وحدها. بل أيضًا بوضوح المعايير. واتساقها. واستعداد الجميع للخضوع للمحاسبة في إطار القانون.





