من استشرف أزمة الماشية وغلاء الغذاء في المغرب؟ المندوبية السامية للتخطيط أمام سؤال المستقبل؟

جسر التواصل22 أكتوبر 2026آخر تحديث :
من استشرف أزمة الماشية وغلاء الغذاء في المغرب؟ المندوبية السامية للتخطيط أمام سؤال المستقبل؟

عبد العزيز الخطابي

ماذا تعني كل الدراسات والتوقعات والمؤشرات الاقتصادية إذا كانت الدولة تجد نفسها. بعد سنوات من الجفاف والضغوط الفلاحية. أمام تراجع مقلق في القطيع الوطني. وارتفاع أسعار اللحوم الحمراء. وتقلبات متكررة في أسعار الخضروات والمواد الغذائية؟ وهل يكفي أن نحصي الخسائر ونشرح أسباب ارتفاع الأسعار بعد وقوعها. أم أن وظيفة التخطيط والاستشراف تقتضي أن نقرأ المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمة تمس الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للمواطنين؟
هذه ليست أسئلة نظرية معزولة عن الواقع. ولا محاولة لإلقاء المسؤولية على مؤسسة واحدة. بل هي أسئلة تفرضها حصيلة السنوات الأخيرة. وتضع منظومة التخطيط في المغرب أمام ضرورة مراجعة العلاقة بين المعرفة المتاحة والقرار العمومي. فحين تتكرر سنوات الجفاف. وتتراجع الموارد المائية. وتتأثر تربية الماشية والإنتاج الزراعي. يصبح من المشروع التساؤل عن مدى استعداد المؤسسات المعنية لمواجهة هذه التحولات. وعن قدرة أدوات التخطيط على استباق تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
وفي قلب هذا النقاش تبرز المندوبية السامية للتخطيط. باعتبارها مؤسسة وطنية تضطلع بإنتاج الإحصاءات وتحليل الظواهر الاقتصادية والاجتماعية وإعداد التوقعات والدراسات. ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في أهمية دورها. بل بمساءلة أوسع حول القيمة العملية للمعرفة التي تنتجها. ومدى مساهمتها في بناء رؤية مستقبلية تساعد على اتخاذ القرارات قبل أن تتفاقم الاختلالات.
لقد أظهرت المعطيات الرسمية حجم التحديات التي واجهها القطاع الفلاحي المغربي. ففي فبراير 2025، أعلن وزير الفلاحة أن القطيع الوطني تراجع بنسبة 38 في المائة مقارنة مع سنة 2016. في سياق توالي سنوات الجفاف وتدهور المراعي وارتفاع تكاليف تغذية الماشية. وأدى هذا الوضع إلى الضغط على إنتاج اللحوم الحمراء وتعزيز الاعتماد على الاستيراد ضمن التدابير الرامية إلى تلبية حاجيات السوق. كما سجلت المندوبية السامية للتخطيط. في تحليلها للظرفية الاقتصادية. ارتفاع أسعار الخضروات بنسبة 24.1 في المائة على أساس سنوي خلال شهري يوليوز وغشت 2023، في سياق تراجع الإنتاج وتأثير الظروف المناخية. وهذه مؤشرات توضح أن المسألة لم تكن مجرد تقلب عابر في الأسعار. بل ارتبطت باختلالات أوسع في الإنتاج والموارد والقدرة على الصمود أمام الصدمات المناخية.
وهنا ينبغي أن نطرح السؤال بوضوح: إذا كانت المخاطر المناخية معروفة. وإذا كانت آثار الجفاف على المراعي والموارد المائية والإنتاج الزراعي قابلة للتحليل والتقدير. فإلى أي حد جرى استباق انعكاساتها على القطيع الوطني وأسعار اللحوم والخضروات؟ وهل كانت السيناريوهات المتاحة كافية لتوجيه التدخلات في الوقت المناسب. أم أن جزءًا من الاستجابة جاء بعد أن أصبحت الأزمة أكثر كلفة على المنتج والمستهلك معًا؟
إن الإنصاف يقتضي التأكيد أن الجفاف ليس قرارًا إداريًا، وأن المندوبية السامية للتخطيط ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن تدبير القطاع الفلاحي أو تنظيم الأسواق. فوزارة الفلاحة تضطلع بالسياسات القطاعية بينما تتوزع مسؤوليات تدبير الماء والأسواق والاستيراد والدعم بين مؤسسات حكومية متعددة. غير أن تعدد المتدخلين لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لغياب المساءلة عن التنسيق والاستباق. بل يفترض أن يدفع إلى السؤال عن مدى تكامل الأدوار. وكيفية تحويل المعطيات والتوقعات إلى إجراءات عملية قبل وقوع الأزمات أو اتساع آثارها.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الإحصاء والتخطيط والاستشراف. فالإحصاء يجيب عن سؤال ما الذي وقع. والتحليل يفسر جانبًا من أسباب وقوعه. والتخطيط يحدد الأهداف والوسائل. بينما يذهب الاستشراف إلى أبعد من ذلك. لأنه يحاول تحديد ما يمكن أن يحدث في ظل احتمالات مختلفة. وما الذي ينبغي فعله اليوم لتجنب أسوأ النتائج غدًا.
ولذلك. فإن إحصاء الماشية. في حد ذاته. لا يمثل نهاية المهمة فالقيمة الاستراتيجية للبيانات تكمن في قدرتها على بناء صورة مستقبلية عن تطور القطيع، وحاجيات الأعلاف، وتوازن أعداد الإناث المخصصة للتوالد. وقدرة المراعي على التجدد. وانعكاسات شح المياه على كلفة الإنتاج. كما أن تحليل أسعار الخضروات لا ينبغي أن يتوقف عند تسجيل الارتفاع والانخفاض. بل يتعين أن يرتبط بفهم العلاقة بين الإنتاج والتوزيع والتخزين والنقل والطلب والتصدير والظروف المناخية.
وهذا بالضبط ما يجعل السؤال الموجه إلى منظومة التخطيط سؤالًا جوهريًا: هل نمتلك آليات مؤسساتية تتيح الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى استباقها؟ وهل تتكامل الدراسات الاقتصادية والاجتماعية مع المعطيات الفلاحية والمائية والمناخية ضمن سيناريوهات مشتركة. أم أن كل قطاع يشتغل بأفقه الخاص. ثم تتدخل المؤسسات المختلفة عندما تصبح النتائج ملموسة في الأسواق وفي حياة المواطنين؟
إن المندوبية السامية للتخطيط ليست غريبة عن هذا النوع من التحليل؟ فقد تناولت في تقاريرها آثار الجفاف على الإنتاج الزراعي. وانعكاساته على الأسعار، وتطور نشاط تربية الماشية. كما أن هذه المعطيات نفسها تفتح المجال أمام مساءلة أكثر عمقًا بشأن كيفية توظيف التحليل الاقتصادي في بناء سيناريوهات طويلة المدى. وبشأن مدى وصول هذه السيناريوهات إلى صانعي القرار والقطاعات المعنية. فالمطلوب ليس أن تتنبأ مؤسسة واحدة بكل ما سيحدث. وإنما أن تساهم في بناء منظومة وطنية قادرة على الربط بين المؤشرات والإنذار المبكر والقرار.
ولا ينبغي أن ينحصر هذا النقاش في الفلاحة والماشية وحدهما. فالتنمية المستدامة والصيد البحري والأمن المائي والغذائي والتشغيل والتحولات الديمغرافية والتكنولوجية كلها ملفات مترابطة. وأي اختلال في أحدها يمكن أن ينعكس على الملفات الأخرى. ومن ثم. فإن التخطيط الاستراتيجي الفعّال يحتاج إلى كفاءات متعددة التخصصات. تجمع بين الاقتصاد والإحصاء والعلوم السياسية والاجتماعية والدراسات البيئية والاستشراف الاستراتيجي. فالمستقبل ليس معادلة حسابية فقط. بل شبكة من التحولات المتداخلة التي تتطلب فهمًا عميقًا للإنسان والمجتمع والاقتصاد وموازين القوة.
وهنا يبرز سؤال آخر يتعلق بعلاقة المؤسسات العمومية بالإنتاج الفكري الوطني. هل توجد قنوات مؤسساتية واضحة تسمح للباحثين والمفكرين المستقلين بالمساهمة في النقاش الاستراتيجي؟ وهل يجري اختبار الأفكار الجديدة ومناقشتها والاستفادة من نتائجها. بصرف النظر عن موقع أصحابها داخل المؤسسات أو خارجها؟ إن الاستشراف لا ينبغي أن يكون حكرًا على الإدارة. كما لا ينبغي أن يُختزل في الاجتهاد الفردي؟ بل هو عمل جماعي يتطلب الانفتاح على المعرفة. والقدرة على نقد الفرضيات. واستعداد المؤسسات لمراجعة خياراتها عندما تظهر معطيات جديدة.
وفي هذا السياق. تندرج مؤلفات عبد العزيز الخطابي الثلاثة: «ما بعد الإمبراطورية المغربية: رؤية مستقبلية — نظرة العالم» و«المطابخ السياسية العالمية: كيف تُطبخ القرارات وتُقدَّم للشعوب كأطباق جاهزة؟»، و«العصر الأخير للبشر». فهذه الأعمال تفتح، من زوايا فكرية مختلفة، أسئلة تتصل بمستقبل المغرب، وآليات صناعة القرار السياسي. والتحولات الكبرى التي قد تعيد تشكيل العالم والإنسان. ولا تُطرح هذه المؤلفات بوصفها بديلًا عن البحث العلمي المؤسساتي أو باعتبارها أجوبة نهائية، وإنما باعتبارها نماذج من الإنتاج الفكري الذي يمكن أن يثري النقاش العام حول الاستشراف وموقع المغرب في المستقبل.
إن قيمة هذا الانفتاح لا تكمن في تبني المؤسسات أطروحات بعينها. بل في خلق بيئة تسمح بمناقشتها واختبارها والاستفادة مما تثبته من قوة تفسيرية أو قيمة عملية. فالدولة التي تريد بناء رؤية مستقبلية لا يمكنها أن تعتمد على التقارير التقنية وحدها، ولا أن تتجاهل الأسئلة الفكرية التي تسبق أحيانًا ظهور المؤشرات في شكلها الكمي. إنها تحتاج إلى الجمع بين البيانات والتحليل، وبين الخبرة الميدانية والنقاش العلمي. وبين المعرفة المؤسساتية والاجتهاد المستقل.
ولعل الدرس الأهم من أزمة الماشية وارتفاع أسعار الغذاء هو أن الاستشراف لا يُختبر في عدد التقارير التي تنتجها المؤسسات، بل في قدرتها على المساهمة في تقليص المفاجآت المكلفة، وتحديد المخاطر في وقت مبكر، واقتراح البدائل. ومتابعة أثر القرارات. وإذا كانت الدولة قد اتخذت إجراءات لدعم المربين وإعادة تكوين القطيع وتشجيع الاستيراد. فإن السؤال الذي يستحق التقييم هو ما إذا كانت التدخلات قد استندت إلى سيناريوهات كافية. وما الذي يمكن استخلاصه منها لتفادي تكرار الاختلالات أو الحد من آثارها مستقبلًا.
إن المطلوب اليوم ليس البحث عن جهة واحدة لتحميلها كل المسؤولية. بل فتح نقاش مؤسساتي جاد حول منظومة التخطيط والاستشراف في المغرب. نقاش يوضح اختصاصات كل مؤسسة، ويكشف كيف تتبادل القطاعات المعطيات وكيف تُترجم الدراسات إلى قرارات، وكيف تُقاس فعالية الإنذار المبكر، وما إذا كانت هناك آليات لتقييم الفجوة بين التوقعات والنتائج الفعلية.
فحين ترتفع أسعار اللحوم والخضروات، لا يحتاج المواطن فقط إلى تفسير ما وقع. بل إلى معرفة ما الذي ستفعله المؤسسات لتقليل احتمال تكرار الأزمة، وما الذي تغير في طريقة التخطيط بعد التجربة السابقة. وحين تتراجع الموارد المائية وتتضرر القطاعات الإنتاجية، لا يكفي أن نسجل حجم الخسائر. بل ينبغي أن نعرف كيف ستُبنى القدرة على الصمود. وكيف ستُحمى الموارد. وكيف ستُوازن السياسات بين متطلبات الإنتاج والأمن الغذائي والاستدامة البيئية.
إن المغرب في حاجة إلى ثقافة استشرافية تجعل المستقبل حاضرًا في القرار اليومي. لا عنوانًا في التقارير. ثقافة تدفع المؤسسات إلى التفكير في السيناريوهات البديلة، وتسمح بتصحيح المسارات، وتربط التخطيط بالمحاسبة على النتائج. وتفتح المجال أمام الخبرة والكفاءة والنقاش العلمي.
وفي نهاية المطاف. يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه المندوبية السامية للتخطيط وسائر المؤسسات المعنية: كيف يمكن أن نجعل من الإحصاء أداة للاستباق. ومن التخطيط وسيلة للوقاية. ومن الاستشراف رافعة لتحسين حياة المواطنين؟ فالمعيار الحقيقي لنجاح منظومة التخطيط ليس قدرتها على وصف الأزمة بعد
وقوعها، بل مساهمتها في إعداد الدولة والمجتمع لمواجهة المخاطر قبل أن تصبح أزمات مفتوحة. وهذا هو الامتحان الذي يستحق أن نخوضه اليوم، إذا أردنا أن يكون مستقبل المغرب نتيجة رؤية واعية، لا مجرد استجابة متأخرة لما تفرضه الأحداث.

الاخبار العاجلة