حين يقف العقل أمام مرآته:حوار فلسفي بين إدريس هاني وعبد العزيز الخطابي في الجهل والتجهيل ومحنة العقل 

جسر التواصلمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
حين يقف العقل أمام مرآته:حوار فلسفي بين إدريس هاني وعبد العزيز الخطابي في الجهل والتجهيل ومحنة العقل 

 

ليس الجهل نقيض المعرفة فحسب؛ فقد يكون أحيانًا النتيجة الأكثر تعقيدًا لعلاقة الإنسان بما يعتقد أنه يعرف. فالإنسان الذي يجهل قد يبحث عن المعرفة. أما الذي يجهل أنه يجهل. فقد يحوّل جهله إلى يقين. ويقينه إلى سلطة. وسلطته إلى جدار يمنع الأسئلة من العبور. وعند هذه النقطة لا يعود الجهل مجرد نقص في المعلومات. بل يصبح مشكلة في بنية الوعي. وفي قدرة العقل على مساءلة ذاته ومصادر أحكامه.
من هنا تبدأ هذه المحاورة الفلسفية. انطلاقًا من الإشكالات التي يثيرها مقال إدريس هاني حول الجهل والتجهيل والتهافت على التفاهة. لتتجاوز حدود التشخيص إلى مساءلة أعمق: ما طبيعة العقل الذي نتحدث عن أزمته؟ وهل تكفي إدانة الجهل لتأسيس المعرفة؟ وهل يستطيع الخطاب التنويري أن يتحرر من السلطة التي ينتقدها. أم أنه قد يعيد إنتاجها في صورة جديدة؟ ثم أين يقع العقل الإسلامي في هذه المساءلة. وما موقع تراثه الفلسفي والكلامي من سؤال النهضة المعرفية؟

ليس المقصود هنا محاكمة شخص. ولا انتزاع اعتراف من محاور. ولا توزيع شهادات الوعي والجهل؟ بل اختبار الأفكار في فضاء يسمح للاختلاف بأن يصبح أداةً للفهم. لا ذريعةً للإقصاء. فالفلسفة لا تبدأ حين يتفق العقل مع نفسه. بل حين يكتشف أن ما كان يظنه بديهيًّا قد يحتاج إلى برهان. وأن نقد الآخر لا يكتمل ما لم يفتح باب النقد أمام الذات.
عبد العزيز الخطابي:
إن الحديث عن الجهل والتجهيل يضعنا أمام سؤال يتجاوز الظاهرة الاجتماعية إلى أساسها المعرفي. فالجهل قد يكون حرمانًا من التعليم. وقد يكون نتيجةً للتضليل. وقد ينشأ من العجز عن التفكير النقدي؟ لكنه قد يتحول أيضًا إلى موقف إرادي حين يرفض الإنسان مراجعة ما يؤمن به. لا لغياب الدليل فحسب. بل لأن المراجعة تهدد صورته عن ذاته.
غير أنني أتحفظ على كل تشخيص يجعل التجهيل قوةً خارجية خالصة. ويعفي الفرد من مسؤوليته في إنتاج وعيه. فلو كان الإنسان مجرد ضحية للخطابات المهيمنة. فمن أين تبدأ إمكانية التحرر؟ وكيف نفسر قدرته على المقاومة والاجتهاد والاختلاف داخل الشروط نفسها التي تسهم في تشكيل وعيه؟
إنني أرى أن المشكلة ليست في وجود قوى تنتج الجهل فحسب. بل في العلاقة المعقدة بين تلك القوى وبين استعداد الإنسان لقبول ما يريحه من عناء التفكير.
إدريس هاني.
إن التجهيل لا يُفهم بمجرد النظر إلى الفرد منفصلًا عن شروطه. فالمعرفة لا تتشكل في فراغ. والوعي يتأثر بالتعليم والإعلام والمؤسسات وبنية المجال العام. وقد يصبح التضليل أكثر فاعلية حين يتخفى في صورة معرفة. أو حين يقدم للإنسان أجوبةً جاهزة تمنحه شعورًا باليقين وتجنبه مواجهة تعقيد الواقع.
لكن الاعتراف بهذه الشروط لا يعني نفي مسؤولية الفرد؟ بل يعني فهم الحدود التي تعمل داخلها هذه المسؤولية. فالإنسان ليس حرًّا حريةً مطلقةً من شروطه. وليس في الوقت نفسه آلةً عاجزةً عن مقاومتها.
عبد العزيز الخطابي:
إذن. نحن أمام علاقة جدلية بين شروط إنتاج الوعي وقدرة الإنسان على مراجعتها. لكن يبقى السؤال: من يمتلك حق تعريف الجهل؟ ومن يحدد المعايير التي نفرق بها بين المعرفة والوهم، وبين التفكير النقدي والتضليل؟
إن هذه المسألة ليست شكلية؟ لأن من يحتكر تعريف المعرفة قد يتحول إلى سلطة معرفية، ومن يمنح نفسه حق تصنيف العقول قد يجعل من النقد وسيلةً لإخضاعها. وليس كل خطاب يرفع شعار العقل عقلانيًّا. كما أن كل خطاب يعلن انتسابه إلى التنوير لا يصبح بمجرد ذلك محصنًا من الوصاية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للفكر النقدي هو أن يتحول من ممارسة تسائل السلطة إلى سلطة ترفض أن تُسائل.
إدريس هاني.
هذا اعتراض يستحق التمييز بين أمرين: نقد الأفكار. واحتكار الحق في الحكم على أصحابها. فليس من التنوير أن نساوي بين جميع الآراء. أو أن نتخلى عن التمييز بين الحجة والادعاء. لكن من مقتضيات العقلانية أن تكون معايير الحكم قابلةً للتفسير والمناقشة. وألا تتحول مكانة صاحب الفكرة أو انتماؤه إلى بديل عن البرهان.
فالعقل لا يفقد حقه في إصدار الأحكام. وإنما يفقد مشروعيته حين يرفض بيان أسسها أو يطالب الآخرين بما لا يقبله من مساءلة.
عبد العزيز الخطابي:
هنا نصل إلى مسألة العقل نفسه. إنني لا أرى أن الحديث عن العقل العربي وحده كافٍ لتفسير الأزمة؟ لأن العقل الإسلامي. بوصفه تاريخًا من الاجتهادات الفلسفية والكلامية والأصولية، يطرح أسئلة لا تختزلها البنية اللغوية أو الاجتماعية أو السياسية. ثمة تاريخ طويل من النقاش حول علاقة العقل بالنقل. والبرهان بالوحي. والنص بالتأويل. والحرية بالمسؤولية. وحدود الاجتهاد ومشروعية الاختلاف.
إن إغفال هذا البعد قد يجعل التحليل عاجزًا عن تفسير بعض أعمق التوترات التي ما زالت تحكم علاقتنا بالمعرفة والسلطة والحقيقة. لكنني لا أدعو إلى الفصل المطلق بين العقل العربي والعقل الإسلامي؟ فالتاريخان متداخلان. وإن لم يكونا متطابقين.
السؤال الذي يهمني هو: هل نملك تصورًا واضحًا لما نعنيه بالعقل الإسلامي؟ أهو مجموع إنتاج المسلمين الفكري؟ أم هو بنية معرفية تشكلت حول النصوص والمؤسسات والتأويلات؟ أم هو مشروع حضاري لم يكتمل؟ إن اختلاف الإجابات ليس أمرًا ثانويًّا. لأن كل تعريف منها يقود إلى تشخيص مختلف للأزمة وإلى تصور مختلف للخروج منها.
إدريس هاني.
إن استعمال مفهوم العقل الإسلامي يقتضي الحذر من تحويله إلى ذات متجانسة. فقد عرف التاريخ الإسلامي اتجاهات متباينة. وتعددت فيه طرائق الاستدلال ومناهج فهم النص والوجود. ولم يكن الخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء مجرد خلاف في النتائج، بل كان في أحيان كثيرة خلافًا حول طبيعة المعرفة ومصادرها وحدود العقل.
ولهذا فإن الحديث عن أزمة العقل الإسلامي ينبغي أن يحدد أيَّ تقاليد معرفية يقصد. وأيَّ تحولات تاريخية يدرس. بدل أن ينسب إلى تاريخ طويل ومتعدد موقفًا واحدًا.
عبد العزيز الخطابي:
أتفق مع ضرورة التمييز. لكنني أريد أن أضيف أن استعادة العقل الإسلامي لا ينبغي أن تكون استعادةً احتفالية. فالتراث ليس شاهدًا نرفعه لإثبات أننا امتلكنا العقل يومًا. وليس عبئًا نلقيه وراءنا كي نعلن انتماءنا إلى الحداثة. إنه مجال للفهم والنقد وإعادة بناء الأسئلة.
لقد أنتج الفكر الإسلامي مناظرات عميقة حول البرهان والتأويل والسببية والحرية والعدل. وأسهم فلاسفة ومفكرون مسلمون في تشكيل مسارات الفلسفة والعلوم. غير أن ذكر هذه الإنجازات لا يكفي لإثبات استمرار فاعليتها في حاضرنا. فالتراث لا يمنحنا النهضة بالنيابة عنا، كما أن الإقرار بأخطائه لا يقتضي محو قيمته.
إن الوفاء الحقيقي للموروث الفكري لا يكون بتكرار أجوبته. بل باستعادة قدرته على السؤال. ولا يصبح التراث حيًّا لأننا نقدسه. بل لأننا نضعه في حوار نقدي مع مشكلات عصرنا. من دون أن نفرض عليه أسئلةً لم يعرفها، أو نعفيه من مساءلة ما أنتجه من تصورات وحدود.
إدريس هاني.
تلك هي المفارقة التي تواجه كل مشروع يروم وصل التراث بالحاضر: كيف نتجنب تحويل الماضي إلى سلطة. من دون أن نجعله غريبًا عنا؟ وكيف نستفيد من منجزاته من غير أن ننسب إليه أجوبةً جاهزة عن مشكلات جديدة؟
لعل السبيل هو التمييز بين القيمة التاريخية للفكرة وإمكانها المعرفي الراهن. فقد تكون فكرة ما ذات أثر حاسم في تاريخها، لكن ذلك لا يجعلها صحيحةً في كل سياق. وقد يظل سؤال قديم حيًّا. لا لأن جوابه القديم صالح بالضرورة. بل لأن الإشكال الذي أثاره لم يفقد أهميته.
عبد العزيز الخطابي:
وهنا يبرز التنوير بوصفه مشكلة فلسفية. لا مجرد شعار تاريخي. فهل التنوير هو تحرير الإنسان من الجهل. أم تحريره كذلك من الوصاية التي تحدد له ما ينبغي أن يعرفه ويعتقده؟ وهل يستطيع العقل أن يعلن استقلاله من دون أن يحول استقلاله إلى امتياز يحتكره؟
إنني أرى أن التنوير يفقد جزءًا من معناه حين يصبح هويةً يتباهى بها أصحابها. بدل أن يكون ممارسةً دائمةً للنقد. فليس كافيًا أن ينتقد المرء سلطةً دينيةً أو سياسيةً أو اجتماعيةً ليصبح متحررًا من السلطة؟ إذ قد ينشئ من نقده سلطةً جديدةً ترفض بدورها الاختلاف والمراجعة.
إن العقل لا يُختبر فقط في قدرته على تفكيك ما يرفضه. بل أيضًا في قدرته على مساءلة ما يؤمن به. وهذه. في تقديري. هي النقطة التي يفترق عندها النقد بوصفه ممارسةً معرفية عن النقد حين يتحول إلى هوية مغلقة.
إدريس هاني .
لكن هذا التحفظ لا ينبغي أن يؤدي إلى إضعاف مفهوم التنوير حتى يصبح كل موقف مقبولًا لمجرد أنه يعلن اختلافه. فهناك فرق بين احترام حق الإنسان في التفكير. وبين اعتبار كل ما يفكر فيه صحيحًا. وهناك فرق بين مقاومة الوصاية وبين التخلي عن معايير المعرفة.
إن التنوير يحتاج إلى النقد. لكنه يحتاج أيضًا إلى معايير تتيح لنا التمييز بين المواقف. ولا تكفي النية الحسنة ولا ادعاء التحرر لإثبات سلامة الحجة؟ إذ ينبغي أن تخضع الأفكار للأدلة والاتساق والقدرة على تفسير الوقائع.
عبد العزيز الخطابي:
هذا صحيح، لكن المعايير نفسها تحتاج إلى مساءلة. لا من أجل إلغائها. بل من أجل فهم شروطها وحدودها. فالمشكلة ليست في وجود معيار للحقيقة. وإنما في الاعتقاد بأن جهةً بعينها تمتلكه امتلاكًا نهائيًّا.
ولعل ما يهدد الفكر المعاصر ليس انتشار الخطأ وحده. بل تحوّل بعض أنماط الخطاب إلى أنظمة مغلقة لا تحتاج إلى البرهان لأنها تستمد قوتها من التكرار. أو من المكانة الاجتماعية. أو من قدرة أصحابها على إثارة الانفعال. وقد يصبح الرأي واسع الانتشار أقوى حضورًا من الحجة. لا لأنه أكثر صدقًا. بل لأنه أكثر ملاءمةً لاقتصاد الانتباه.
هنا تظهر مسألة التفاهة. لكنني لا أريد أن أختزلها في اتهام الجمهور أو الحنين إلى ماضٍ متخيَّل كان فيه الناس أكثر عمقًا. فكل عصر عرف الضحالة والابتذال، مثلما عرف الإبداع والفكر. والسؤال الأجدى هو: ما الشروط التي تجعل خطابًا ما ينتشر، بينما يتراجع خطاب آخر يحتاج إلى وقت وتأمل؟ وما مسؤولية المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية في تشكيل هذا التفاوت؟
إدريس هاني.
إن اختزال الأزمة في ذوق الجمهور قد يحجب دور البنية التي تنتج المحتوى وتوزع فرص ظهوره. فالمجال الثقافي لا يتحدد فقط بما يختاره الأفراد. بل أيضًا بما يُعرض عليهم، وبما تكافئه المؤسسات. وبما تتيحه وسائل التواصل من أنماط للانتشار والتلقي.
ومع ذلك. لا يمكن إعفاء المثقف من المسؤولية. فالنقد الذي لا يراجع لغته ولا يفكر في شروط وصوله إلى الناس قد ينتهي إلى عزلةٍ يفسرها على أنها دليل تفوق. وليس المطلوب أن يتنازل الفكر عن عمقه. بل أن يبحث عن أشكال للتواصل تحافظ على دقته. وتتيح للمعرفة أن تصبح جزءًا من الحياة العامة.
عبد العزيز الخطابي:
لكنني أريد أن أضيف أن المثقف لا يواجه التفاهة بمجرد إعلان العداء لها. ولا يثبت عمقه بازدراء الجمهور. فالمعرفة التي تعجز عن التواصل قد تحتاج إلى مراجعة طرائق عرضها. كما أن الخطاب الذي يرضي الجمهور بإلغاء التعقيد قد يحتاج إلى مراجعة مضمونه.
المسألة ليست اختيارًا بين العمق والبساطة. بل بين تبسيط يفتح باب الفهم واختزال يغلقه. وليست بين المعرفة والجمهور، بل بين خطاب يشارك الناس في بناء قدرتهم على التفكير. وخطاب يعاملهم بوصفهم مستهلكين لا شركاء في السؤال.
إن المثقف الذي يشتكي من تراجع الثقافة من دون أن يسأل عن مسؤوليته في إنتاجها يظل جزءًا من الأزمة التي يصفها. والنقد الذي لا يترجم نفسه إلى عمل معرفي قد يتحول إلى نوع آخر من الاستهلاك، يكتفي فيه صاحبه بتسمية العطب من دون أن يشارك في تغييره.
إدريس هاني.
إن مسؤولية المثقف لا تنفصل عن مسؤولية المؤسسات والمجتمع. لكنها لا تختفي داخلهما. فالمعرفة تحتاج إلى شروط مادية وتعليمية وثقافية، كما تحتاج إلى أفراد يمتلكون الشجاعة والصبر على البحث. ولا يكفي أن نطالب المثقف بأن يكون مؤثرًا إذا كانت البيئة لا تكافئ المعرفة، كما لا يكفي أن نلوم البيئة كي نعفيه من واجبه.
عبد العزيز الخطابي:
أريد أن أعود إلى العلاقة بين العقل الإسلامي والتنوير الأوروبي؟ لأن هذه العلاقة كثيرًا ما تقع بين طرفين متقابلين: طرف يختزل الحداثة الأوروبية في ذاتها. كأنها ولدت من فراغ. وطرف يستدعي الإسهامات الإسلامية القديمة ليجعل منها دليلًا على تفوق حضاري مطلق.
كلا الموقفين يختزل التاريخ. فقد أسهم انتقال المعارف الفلسفية والعلمية، ومن بينها أعمال لفلاسفة مسلمين. في تشكيل جوانب من الفكر الأوروبي. وكان لابن رشد، مثلًا، حضور مؤثر في تاريخ تلقي الفلسفة الأرسطية في أوروبا. لكن هذا التأثير لا يعني أن النهضة الأوروبية والتنوير يمكن تفسيرهما بعامل واحد. أو أن مساراتهما كانت مجرد امتداد مباشر لفكر الحضارة الإسلامية.
إن المسألة ليست سباقًا على ملكية العقل. ولا معركةً لإثبات أن حضارةً ما كانت أسبق من أخرى؟ بل هي سؤال عن كيفية انتقال المعرفة، وكيف أعادت المجتمعات المختلفة صياغتها داخل شروطها التاريخية والمؤسسية.
إدريس هاني.
إن قراءة التاريخ على هذا النحو تحررنا من حاجتنا إلى الانتصار الرمزي. فالاعتراف بإسهامات الحضارة الإسلامية لا يتطلب إنكار خصوصية التحولات الأوروبية. كما أن فهم التجربة الأوروبية لا يقتضي محو الأدوار التي أدتها حضارات أخرى في نقل المعرفة وتطويرها.
إن القيمة الفلسفية لهذا التاريخ لا تكمن في أنه يمنحنا سببًا للفخر وحده. بل في أنه يكشف أن المعرفة تتجاوز الحدود الحضارية. وأنها تتطور من خلال التفاعل والنقد وإعادة البناء.
عبد العزيز الخطابي:
وهذا ما أراه ضروريًّا في أي مشروع يروم فهم أزمة العقل الإسلامي اليوم. فلا يكفي أن نثبت أن أسلافنا امتلكوا أدوات معرفية مهمة؟ ينبغي أن نسأل عن الشروط التي سمحت بازدهارها. وعن التحولات التي غيرت مواقعها. وعن المؤسسات التي تستطيع اليوم أن تعيد بناء شروط التفكير الحر.
إن التاريخ لا ينجز النهضة نيابةً عنا. كما أن استدعاء الماضي لا يعوض غياب الإنتاج المعرفي في الحاضر. فالذاكرة التي لا تتحول إلى قدرة على الفهم والعمل قد تصبح تعويضًا رمزيًّا عن عجز لم نواجه أسبابه.
ولا أريد عقلًا إسلاميًّا يعيش على أمجاد الماضي. ولا عقلًا عربيًّا يقيس كل إمكاناته على معيار خارجي واحد. أريد عقلًا قادرًا على فهم تجارب الآخرين من دون عقدة نقص. وفهم تاريخه من دون أساطير تمجيد. وبناء أسئلته انطلاقًا من الواقع الذي يعيشه ومن الإمكانات التي يستطيع تطويرها.
إدريس هاني.
إن تجاوز عقدة النقص لا يتحقق بالانتقال إلى نقيضها. أي ادعاء التفوق المطلق. فكلا الموقفين يجعل الآخر معيارًا لصورة الذات بدل أن يجعل المعرفة معيارًا للفهم. وما يحتاج إليه التفكير هو القدرة على المقارنة التاريخية الدقيقة. وعلى الاعتراف بالإنجازات والإخفاقات من دون تحويلها إلى أحكام نهائية على الحضارات.
عبد العزيز الخطابي:
وهنا أصل إلى السؤال الذي أعدّه أكثر إلحاحًا: كيف نضمن أن خطابنا عن الجهل لا يعيد إنتاجه؟ وكيف نمنع النقد من التحول إلى يقين مغلق. والتنوير من التحول إلى وصاية. واستعادة التراث من التحول إلى تقديس، والحداثة من التحول إلى تقليد؟
إنني لا أبحث عن خطاب جديد يوزع شهادات الوعي والجهل. بل عن منهج يجعل أحكامه نفسها قابلةً للفحص. فربما كانت أولى علامات العقل الحر أن يشك في سهولة الأحكام التي تمنحه شعورًا بالتفوق على الآخرين.
ولا يعني ذلك أن نتخلى عن المواقف أو أن نجعل الحقيقة نسبيةً إلى حد إفراغها من معناها؟ بل يعني أن ندرك الفرق بين الدفاع عن حجة نعتقد بصوابها. وبين الادعاء بأننا نمتلك الحقيقة امتلاكًا نهائيًّا. فالحجة القوية لا تخشى الاختبار. والفكرة التي لا تستطيع الصمود إلا بمنع الاعتراض تكشف عن ضعفها مهما ارتفعت نبرة صاحبها.
إدريس هاني.
لعل الاختبار الحقيقي لأي مشروع فكري هو مدى اتساقه مع المبادئ التي يطالب الآخرين باحترامها. فإذا دعا إلى النقد، فعليه أن يقبل النقد؟ وإذا دعا إلى تحرير العقل. فعليه ألا يفرض عليه أجوبةً مسبقة؟ وإذا دعا إلى الحقيقة. فعليه أن يميز بين ما يثبته الدليل وما يرغب في تصديقه.
لكن هذا لا يلغي الحاجة إلى بناء مواقف واضحة. فالعقل الذي يكتفي بتعليق الأحكام قد يعجز عن اتخاذ موقف من الواقع. المطلوب ليس أن نتوقف عن الحكم. بل أن نمارس الحكم بوصفه مسؤوليةً معرفيةً وأخلاقية. لا امتيازًا يمنحنا حصانةً من المراجعة.
عبد العزيز الخطابي:
إذن. فالمسألة ليست أن ينتصر العقل العربي على العقل الإسلامي. أو أن ينتصر العقل الإسلامي على العقل العربي؟ وليست أن نضع التراث في مواجهة الحداثة. أو أن نمنح التنوير حصانةً من النقد. المسألة هي أن نعيد النظر في الحدود التي نرسمها بين هذه المفاهيم. وأن نفهم تاريخها واستعمالاتها. وأن نمنعها من التحول إلى أقفاص تمنع التفكير.
إن محنة العقل لا تكمن في نقص الإجابات فحسب. بل في عجزه عن إدراك أن بعض إجاباته قد تكون جزءًا من المشكلة. ومحنة المثقف ليست أن يختلف معه الآخرون. بل أن يفقد القدرة على الإصغاء إلى اعتراض يكشف حدود موقفه. أما محنة التنوير، فتبدأ حين ينسى أنه لم يوجد ليمنح أحدًا سلطةً مطلقةً على عقول الناس. بل ليوسع مجال السؤال والبرهان والمراجعة.
إنني أرى أن العقل يحتاج إلى شجاعة مزدوجة: شجاعة الدفاع عن الحقيقة حين تتعرض للتضليل، وشجاعة مراجعة الذات حين تتحول إلى طرف في إنتاج الوهم. ولا يمكن أن يتحقق ذلك بمجرد إعلان الانتماء إلى الفلسفة أو العقلانية أو التنوير؟ إنه عمل طويل يتطلب المعرفة والتواضع المنهجي والقدرة على الاعتراف بالخطأ.
فالفيلسوف ليس من يمتلك جوابًا لكل سؤال. بل من يعرف أن الجواب نفسه قد يحتاج إلى سؤال جديد. وليس من يهدم المعتقدات لمجرد الهدم. بل من يختبر أسسها. ويميز بين ما يمكن الدفاع عنه بالحجة وما لا يصمد أمام الفحص. وليس من يتخذ من التراث حصنًا ضد الحاضر. ولا من يتخذ من الحداثة ذريعةً لاحتقار الماضي. بل من يحاول أن يفهم كليهما من دون أن يتنازل عن حق العقل في النقد.
قد نختلف في تحديد طبيعة الأزمة، وفي ترتيب أسبابها، وفي الطريق الذي ينبغي أن نسلكه لتجاوزها. لكن الاختلاف لا يصبح خصومةً إلا حين نعامل الموقف الفكري بوصفه هويةً يجب الدفاع عنها مهما كانت الأدلة. أما حين نضع الحجج في مركز النقاش، فإن الخلاف نفسه يصبح طريقًا إلى معرفة أدق، حتى لو لم ينته إلى اتفاق.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا بعد هذا الحوار ليس: من منا يمتلك العقل؟ بل: ما الشروط التي تجعل العقل قادرًا على التحرر من أوهامه، وعلى نقد سلطاته. وعلى تحويل المعرفة من امتياز للنخبة إلى قدرة إنسانية مشتركة؟
فلا الجهل يختفي بمجرد تسميته. ولا التنوير يتحقق بمجرد إعلان الانتساب إليه، ولا التراث يصبح مصدرًا للنهضة بمجرد تمجيده، ولا الحداثة تصبح مشروعًا للتحرر بمجرد ترديد مفرداتها.
إن أعظم امتحان للعقل ليس أن يكشف ظلام الآخرين. بل أن يحتمل الضوء حين يقع على عتمته هو.

الاخبار العاجلة