معضلة الذات المظلمة: لماذا يُعدّ الإنسان الخطر الأوحد على وجوده؟

جسر التواصلمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
معضلة الذات المظلمة: لماذا يُعدّ الإنسان الخطر الأوحد على وجوده؟

عبد العزيز الخطابي
·في عصر تتسارع فيه وتيرة التكنولوجيا وتتراكم فيه المعارف الإنسانية. لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا هو ما الذي يهدد الإنسان من خارج عالمه فحسب. بل ما الذي قد يصدر عنه ويحوّله إلى مصدر للخطر على نفسه وعلى الآخرين. فبينما نجح في تفكيك كثير من أسرار الطبيعة. وتطوير وسائل العلاج. وتسخير قوى هائلة لخدمة الحياة. ظلّ عاجزًا. في محطات كثيرة من تاريخه. عن كبح نزعاته المدمرة أو فهم الدوافع التي تدفعه إلى العنف والهيمنة والإقصاء.
في مقابلة تلفزيونية أجراها الصحفي جون فريمان مع الطبيب النفسي السويسري كارل غوستاف يونغ سنة 1959. عبّر هذا الأخير عن قلقه من الطبيعة البشرية. مؤكدًا حاجتنا إلى مزيد من الفهم للنفس الإنسانية. ومشيرًا إلى أن الإنسان نفسه يمثل خطرًا عظيمًا. وأننا لا نعرف عن طبيعته إلا القليل. ولم تكن هذه الكلمات مجرد تشاؤم بشأن مستقبل البشرية. بل كانت دعوة إلى إعادة النظر في علاقتنا بأنفسنا. وإلى إدراك أن التقدم الحضاري لا يضمن. في حد ذاته. نضجًا نفسيًا أو أخلاقيًا. [مصدر المقابلة: جمعية المحللين اليونغيين البريطانية]
تكمن المفارقة في أن الإنسان الذي يسعى إلى السيطرة على العالم قد يظل عاجزًا عن فهم ذاته. وأن العقل الذي ابتكر وسائل البناء والإبداع هو نفسه الذي استطاع تطوير أدوات غير مسبوقة للتدمير. فالقنبلة النووية ليست ظاهرة طبيعية. والأنظمة القمعية لا تنشأ خارج التاريخ الإنساني. والحروب لا تندلع بفعل التكنولوجيا وحدها؟ إذ تقف وراءها قرارات ومصالح وأفكار ومخاوف ورغبات في السيطرة. ومع ذلك. سيكون من التبسيط اختزال أسبابها جميعًا في الطبيعة النفسية للفرد. لأنها تنشأ أيضًا من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية وتاريخية متشابكة.
من هنا. يكتسب السؤال الفلسفي معناه الحقيقي: هل تكمن خطورة الإنسان في قدرته على ارتكاب الشر. أم في قدرته على تبريره. وإقناع نفسه بأنه يفعل الصواب حتى عندما يتسبب في معاناة الآخرين؟ فالمشكلة لا تبدأ دائمًا حين يعرف الإنسان أنه يرتكب فعلًا خاطئًا ثم يقدم عليه. بل قد تبدأ قبل ذلك. حين يعيد تشكيل تصوره عن الخير والشر بما يسمح له بأن يرى عدوانه دفاعًا مشروعًا. وقسوته ضرورة. وإقصاءه للآخر نوعًا من حماية الذات أو الجماعة.
إن الإنسان لا يعيش أفعاله في فراغ أخلاقي؟ فهو يصوغ لها المعاني والتبريرات. ويبحث عما يمنحه الشعور بالبراءة أو التفوق. وقد يصبح الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة وسيلة لإعفاء الذات من المساءلة، خصوصًا حين يُنظر إلى المختلف بوصفه خصمًا لا يستحق الفهم. أو عدوًا لا تنطبق عليه المعايير الأخلاقية التي نطالب بتطبيقها على أنفسنا. وعند هذه النقطة. لا يعود الخطر محصورًا في وجود نزعات مدمرة داخل النفس. بل يمتد إلى قدرة الإنسان على تحويلها إلى سلوك مقبول في نظره. ثم إلى ممارسة جماعية أو نظام اجتماعي.
وفي التحليل النفسي الذي أسّسه يونغ، يبرز مفهوم «الظل» بوصفه مدخلًا لفهم جانب من هذه المفارقة. فالظل يشير إلى الجوانب التي لا يعترف الإنسان بوجودها في ذاته. أو التي لا تنسجم مع الصورة الواعية التي كوّنها عن نفسه. وقد تشمل هذه الجوانب مشاعر الحسد والغضب والرغبة في السيطرة والنزعات العدوانية. لكنها لا تقتصر عليها؟ إذ يمكن أن تضم أيضًا صفات إيجابية يرفض المرء إظهارها. أو قدرات لم يتعلم الاعتراف بها وتطويرها.
ولا يعني وجود الظل أن الإنسان شرير بطبيعته. كما لا يعني أن كل نزعة مكبوتة ستتحول بالضرورة إلى فعل مؤذٍ. فالمقصود. في هذا الإطار. هو أن الصورة التي يحملها المرء عن نفسه قد تكون ناقصة. وأن بعض دوافعه قد تعمل خارج نطاق وعيه المباشر. وكلما اتسعت الفجوة بين حقيقة التجربة النفسية والصورة المثالية التي يصر الإنسان على الاحتفاظ بها. ازدادت صعوبة فهم بعض تصرفاته ومراجعتها.
فالإنسان الذي يعتقد أنه لا يعرف الغضب قد يعجز عن إدراك أثره في علاقاته. ومن يصرّ على أنه لا يسعى إلى السيطرة قد يمارسها بوسائل غير مباشرة. ومن يرى نفسه دائمًا على حق قد يفقد القدرة على الإصغاء إلى النقد. ليست هذه أمثلة على قوانين نفسية حتمية. وإنما صور توضيحية لكيفية تحول إنكار بعض جوانب الذات إلى عائق أمام الوعي والمسؤولية.
وتتضح خطورة هذا الإنكار حين ننتقل إلى مفهوم «الإسقاط» الذي يشير إلى إسناد صفات أو مشاعر أو دوافع إلى الآخرين يصعب على الإنسان الاعتراف بوجودها في نفسه. فقد يبالغ المرء في إدانة خصمه بسبب سلوك يرفض رؤيته في ذاته. أو يتعامل مع جماعة مختلفة عنه باعتبارها مصدر الشر كله، متجاهلًا تناقضاته ومصالحه ومسؤوليته عن أفعاله.
لكن من الضروري ألا يتحول هذا المفهوم إلى وسيلة جاهزة لتفسير كل خلاف أو اتهام؟ فليس كل نقد للآخر إسقاطًا نفسيًا. وليس كل نزاع انعكاسًا لصراعات داخلية خفية. هناك مظالم حقيقية. واعتداءات موثقة. ومسؤوليات ينبغي تحديدها ومحاسبة أصحابها. إن فهم النفس لا يقتضي تبرئة المعتدي أو مساواة الضحية بالجاني. بل يساعد على إدراك كيف يمكن للإنسان أن يبرر أفعاله. وكيف قد تمنعه صورته المثالية عن نفسه من رؤية الحقيقة كاملة.
وعلى المستوى الجماعي. تتخذ هذه الآليات أبعادًا أكثر تعقيدًا. فقد تتداخل المخاوف والتحيزات والدعاية والمصالح السياسية. فتُصوَّر جماعة بأكملها باعتبارها تهديدًا مطلقًا. ويُختزل أفرادها في صورة نمطية واحدة. ويصبح الاعتداء عليهم قابلًا للتبرير باسم الأمن أو الانتقام أو الدفاع عن الهوية. وفي مثل هذه الظروف. قد يتراجع الحكم الفردي أمام ضغط الجماعة. ويجد الإنسان نفسه مشاركًا في ممارسات كان من الممكن أن يرفضها لو نظر إليها بعيدًا عن تأثير الانتماء والخوف والتحريض.
ويمكن لمفهوم الظل أن يساعدنا على التأمل في هذه الظواهر. لكنه لا يكفي وحده لتفسير الحروب والاضطهادات والجرائم الجماعية؟ إذ ينبغي فهمها أيضًا من خلال المؤسسات والأنظمة السياسية والمصالح الاقتصادية والتاريخ والعلاقات بين الجماعات. فالنفس البشرية لا تتحرك بمعزل عن المجتمع. كما أن المسؤولية الأخلاقية لا تُختزل في العمليات اللاواعية. إن التفسير النفسي يضيء جانبًا من المشكلة. لكنه لا يحل محل التحليل التاريخي والاجتماعي والسياسي.
وفي عالمنا المعاصر. قد يبدو أن الأخطار الكبرى تأتي من الخارج: من الذكاء الاصطناعي. أو التغير المناخي، أو الأزمات الاقتصادية. أو الصراعات الدولية. وهذه تحديات حقيقية لا ينبغي التقليل من شأنها. غير أن مواجهتها تتطلب، إلى جانب المعرفة العلمية والتخطيط التقني. فهمًا للدوافع البشرية التي تحدد كيفية التعامل معها. فالتكنولوجيا لا تختار أهدافها الأخلاقية بنفسها؟ وإنما تتحدد آثارها وفق القرارات التي توجه تطويرها واستخدامها. والضوابط التي تحكمها. ومدى خضوع أصحاب القوة للمساءلة.
وهنا تتجلى أهمية التمييز بين المعرفة والوعي. فقد يعرف الإنسان الكثير عن العالم من حوله. من دون أن يمتلك بالضرورة القدرة على مراجعة دوافعه أو إدراك حدود أحكامه. وقد يتقن تحليل أخطاء الآخرين، لكنه يعجز عن تطبيق المعايير نفسها على نفسه. وربما كان أحد أخطر أشكال الجهل هو ذلك الذي يتخفى وراء اليقين، حين يعتقد المرء أن ما يؤمن به لا يحتاج إلى مراجعة، وأن الشر لا يمكن أن يصدر إلا عن خصومه.
إن مواجهة الذات ليست مهمة سهلة؟ فهي تقتضي الاعتراف بالتناقض. وقبول احتمال الخطأ. والاستعداد لمراجعة المعتقدات التي تمنحنا الشعور بالطمأنينة أو التفوق. لكنها لا تعني الشك في كل شيء، ولا التنكر للقيم والمبادئ . ولا التردد أمام الظلم. بل تعني أن يكون الإنسان قادرًا على الدفاع عن قناعاته من دون أن يجعلها ذريعة لإلغاء إنسانية الآخرين. وأن يميز بين الثقة في المبدأ والاعتقاد بأنه معصوم من الخطأ.
في هذا السياق. يكتسب مفهوم «التفرّد» عند يونغ أهميته؟ إذ يشير إلى مسار من النمو النفسي يسعى فيه الإنسان إلى تحقيق قدر أكبر من التكامل بين جوانب شخصيته الواعية واللاواعية. ولا يعني هذا المسار القضاء على التناقضات أو بلوغ حالة من الكمال الأخلاقي. بل زيادة الوعي بها، وفهم أثرها، وتحمل مسؤولية التعامل معها. فالاعتراف بالظل ليس تبريرًا للسلوك المؤذي. وإنما خطوة نحو الحد من سيطرته غير الواعية. وتحويل المعرفة بالذات إلى قدرة أكبر على الاختيار والمحاسبة.
ومع ذلك. لا يكفي الوعي الفردي وحده لحماية المجتمعات من الكوارث. فقد يدرك الإنسان نقاط ضعفه. لكنه يظل خاضعًا لضغوط اجتماعية أو سياسية، وقد تتحول النوايا الحسنة إلى عجز إذا غابت المؤسسات العادلة والضوابط الفاعلة. لذلك، لا بد أن يقترن النمو النفسي بترسيخ ثقافة المساءلة. وحماية الكرامة الإنسانية. ومقاومة خطاب الكراهية، وإخضاع السلطة للقانون. وبناء مؤسسات تحدّ من إساءة استخدام القوة. فالمجتمع الآمن لا يقوم على افتراض أن البشر صالحون دائمًا، بل على الاعتراف بإمكان الخطأ والفساد. ووضع الوسائل التي تمنع تحولهما إلى ظلم ممنهج.
إن تحذير يونغ لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حكمًا نهائيًا على الإنسان أو دعوة إلى اليأس من مستقبله. بل باعتباره تنبيهًا إلى الفجوة التي قد تفصل بين تقدم قدراته ونضجه في استخدامها. فالإنسان ليس شرًا خالصًا، كما أنه ليس خيرًا خالصًا؟ إنه كائن تتداخل في داخله دوافع متعددة. وتتحدد أفعاله من خلال تفاعل معقد بين شخصيته وبيئته واختياراته والظروف التي يعيش فيها. ولا تكمن الحكمة في إنكار الجوانب المظلمة أو الاستسلام لها. وإنما في الاعتراف بها من دون تحويلها إلى قدر محتوم.
ربما لا يكون الإنسان الخطر الأوحد على وجوده بالمعنى الحرفي. لكنه قادر على صنع أخطار تتجاوز قدرته على احتوائها، خصوصًا حين تنفصل القوة عن المسؤولية. والمعرفة عن الحكمة. والاعتقاد عن النقد. ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس كيف نتخلص من كل ما هو مظلم في النفس. بل كيف نمنع ما لا نفهمه في ذواتنا من التحول إلى أذى يلحق بالآخرين.
إن إنقاذ العالم لا يبدأ من مواجهة الطبيعة وتطوير التكنولوجيا وحدهما. بل يتطلب أيضًا إعادة بناء العلاقة بين المعرفة والضمير. وبين القوة والمسؤولية، وبين الحرية والاعتراف بحقوق الآخرين. فالمعركة الحقيقية ليست حربًا يخوضها الإنسان ضد ذاته، ولا دعوة إلى كراهية النفس، بل سعيٌ إلى فهمها وتهذيبها وتوجيه قدراتها نحو البناء.
وربما يبدأ الطريق إلى مستقبل أكثر أمانًا حين يتوقف الإنسان عن البحث عن الشر في الآخرين وحدهم، ويكتسب الشجاعة الكافية لمساءلة نفسه: ما الذي أرفض رؤيته في داخلي؟ وإلى أي حد يمكن أن أكون أسيرًا لدوافع لا أفهمها؟ وماذا أفعل حتى لا يتحول جهلي بنفسي إلى خطر يهدد الآخرين والعالم؟

الاخبار العاجلة