سبتة تشتعل من جديد: المغرب وإسبانيا أمام امتحان الشراكة الأوروبية 

جسر التواصلمنذ 37 دقيقةآخر تحديث :
سبتة تشتعل من جديد: المغرب وإسبانيا أمام امتحان الشراكة الأوروبية 

 بقلم ـ عبد العزيز الخطابي
·لم تعد أزمة سبتة في صيف 2026 مجرد حادث حدودي بين المغرب وإسبانيا. ولا مجرد موجة هجرة جماعية يمكن احتواؤها بإجراءات أمنية مؤقتة. ما حدث كشف شيئًا أعمق بكثير: هشاشة المعادلة التي قامت عليها إدارة الحدود الجنوبية لأوروبا. وأظهر في الوقت نفسه أن المغرب لم يعد مجرد جار جنوبي لإسبانيا. بل أصبح عنصرًا أساسيًا في الحسابات الأمنية والاستراتيجية للاتحاد الأوروبي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه الأزمة ليس فقط: هل كان للمغرب دور مباشر في موجة العبور الجماعي؟ بل سؤال أكبر: ماذا سيحدث لأوروبا وإسبانيا إذا تحولت العلاقة مع المغرب من شراكة إلى مواجهة؟
هذا السؤال ليس مبالغة سياسية. فالاتحاد الأوروبي نفسه أكد في يناير 2026 أهمية الشراكة مع المغرب. مشيرًا إلى اتساع مجالات التعاون بين الجانبين. كما أكدت المفوضية الأوروبية بعد أزمة سبتة أن المغرب لا يزال شريكًا استراتيجيًا مهمًا للاتحاد في ملف الهجرة ومكافحة الاتجار بالبشر.
ومن هنا يجب قراءة أزمة سبتة بعيدًا عن الانفعال السياسي.
فالمغرب ليس مجرد دولة عبور للمهاجرين. وإسبانيا ليست مجرد دولة أوروبية تواجه ضغطًا حدوديًا. العلاقة بينهما أصبحت جزءًا من منظومة أوروبية أوسع. تتداخل فيها التجارة والأمن والهجرة والطاقة والاستثمار والاستقرار الإقليمي.
وإذا كانت الأزمة قد كشفت قدرة المغرب الجغرافية على التأثير في أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى أوروبا. فإنها كشفت أيضًا حدود القوة الإسبانية عندما تصبح حماية جزء من حدودها الخارجية مرتبطة بالتعاون مع دولة غير عضو في الاتحاد الأوروبي.
هذه هي المفارقة التي ينبغي أن تتوقف عندها مدريد وبروكسل طويلًا.
فأوروبا تريد حدودًا آمنة. لكنها لا تستطيع أن تحمي هذه الحدود من دون التعاون مع دول جنوب المتوسط. وفي مقدمة هذه الدول يأتي المغرب. بحكم موقعه الجغرافي. وشبكة علاقاته الأمنية. ودوره في مكافحة الهجرة غير النظامية.
لكن الاعتماد المتزايد على شريك خارجي يحمل في داخله مخاطرة استراتيجية: ماذا يحدث إذا اختلفت مصالح الطرفين؟
هنا تصبح أزمة سبتة درسًا أوروبيًا. وليس إسبانيًا فقط.
وقد ذهب مفوض الهجرة الأوروبي ماغنوس برونر. بعد أزمة سبتة. إلى الدعوة لاستخدام أدوات النفوذ الأوروبية لتعزيز التعاون مع المغرب في ملف الهجرة. بما في ذلك أدوات مرتبطة بالتأشيرات والتجارة وإعادة القبول. وهذا يكشف بوضوح أن بروكسل تنظر إلى العلاقة مع الرباط باعتبارها علاقة مصالح استراتيجية. لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الاعتماد على تعاون دولة ثالثة يجعل السياسة الأوروبية أكثر هشاشة.
وهنا يجب أن تكون الرسالة السياسية واضحة: لا تستطيع إسبانيا أن تخسر المغرب. ولا يستطيع المغرب أن يخسر إسبانيا.
هذه ليست مجاملة دبلوماسية. بل حقيقة جغرافية واقتصادية وأمنية.
إسبانيا هي البوابة الأوروبية الأقرب إلى المغرب. والمغرب هو الجسر الجغرافي الطبيعي لإسبانيا نحو إفريقيا. وبينهما مصالح اقتصادية وتجارية وأمنية لا يمكن تجاهلها. ولذلك فإن تحويل كل أزمة حدودية إلى مواجهة سياسية مفتوحة سيكون بمثابة إلحاق الضرر بالمصالح التي احتاج البلدان سنوات لبنائها.
والحل. في تقديري. لا يكمن في المزيد من التصعيد. وإنما في الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة العلاقة نفسها.
أول ما تحتاج إليه الرباط ومدريد هو إنشاء آلية دائمة للحوار حول الحدود والهجرة. لا تُفعّل فقط عندما تقع الكارثة. فالأزمات الكبرى تبدأ غالبًا من غياب الاتصال في اللحظات الحساسة.
وثانيًا، يجب فصل ملف الهجرة عن الخلافات السيادية قدر الإمكان. يمكن للمغرب وإسبانيا أن يختلفا حول سبتة ومليلية. وأن يحتفظ كل طرف بموقفه التاريخي. من دون تحويل المهاجرين إلى ضحايا لهذا الخلاف.
وثالثًا. يجب أن تنتقل أوروبا من سياسة الاعتماد على المغرب لضبط الحدود إلى سياسة الشراكة مع المغرب في إدارة الهجرة. والفرق بين المفهومين كبير. الأول يجعل المغرب حارسًا لحدود أوروبا. بينما الثاني يجعله شريكًا في صياغة حلول مشتركة تشمل الهجرة النظامية. ومكافحة شبكات التهريب. وإعادة القبول. والتنمية. والتكوين المهني.
وهنا يمكن للمغرب أن يقدم لأوروبا شيئًا أكبر من مجرد ضبط الحدود.
المغرب يمتلك موقعًا يؤهله ليكون منصة اقتصادية وأمنية بين أوروبا وإفريقيا. وإذا كان الاتجاه الأوروبي الحالي يسعى إلى بناء شراكة استراتيجية وشاملة مع الرباط. فإن المصلحة المغربية لا تكمن في البقاء مجرد شريك أمني للاتحاد الأوروبي. وإنما في الانتقال إلى موقع الشريك الاستراتيجي المتكافئ.
وهذا يقود إلى مسألة أكثر مستقبلية.
قد لا يصبح المغرب عضوًا في الاتحاد الأوروبي. وهذا ليس مطروحًا أصلًا باعتباره سيناريو واقعيًا قريبًا. لكن من الممكن أن يصبح مع مرور الوقت أحد أكثر الشركاء ارتباطًا بالمنظومة الأوروبية من خارج الاتحاد.
وهذا المسار أكثر واقعية من الحديث عن “تبعية” المغرب لأوروبا أو عن “تبعية” أوروبا للمغرب. فالمستقبل. على الأرجح. يتجه نحو نوع من الاعتماد المتبادل: أوروبا تحتاج إلى المغرب في الأمن والهجرة والطاقة والاستقرار الإقليمي. والمغرب يحتاج إلى أوروبا في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والأسواق.
وهذه المعادلة يمكن أن تتحول من نقطة ضعف إلى مصدر قوة للطرفين. إذا تمت إدارتها بعقلانية.
أما إذا استمر منطق الأزمة والرد على الأزمة. فقد تتحول الشراكة إلى علاقة ابتزاز متبادل. كل طرف فيها يستخدم ما يملكه من أوراق ضد الآخر.
وهذا السيناريو لن يخدم أحدًا.
إسبانيا تحتاج إلى المغرب لأنها لا أحد تستطيع أن تغير جغرافيتها. والمغرب يحتاج إلى إسبانيا لأنه لا يستطيع أن يتجاهل أقرب جار أوروبي وبوابة اقتصادية وسياسية مهمة نحو الاتحاد الأوروبي.
لكن هناك طرفًا ثالثًا يجب ألا يبقى خارج المعادلة: الاتحاد الأوروبي نفسه.
لقد أثبتت أزمة سبتة أن ترك دولة عضو مثل إسبانيا تواجه أزمة حدودية بهذا الحجم على حدودها الإفريقية وحدها ليس حلًا مستدامًا. كما أن ترك إدارة الحدود الأوروبية تعتمد بصورة مفرطة على إرادة دول خارج الاتحاد يحمل مخاطر سياسية وأمنية واضحة.
ولهذا فإن الحل الحقيقي يجب أن يكون أوروبيًا ـ مغربيًا ـ إسبانيًا في آن واحد.
قد تحتاج أوروبا إلى آلية خاصة للتعاون مع المغرب بشأن سبتة ومليلية والهجرة. دون المساس بالمواقف القانونية والسيادية للأطراف. وقد تحتاج مدريد والرباط إلى قناة اتصال مستقلة عن التوترات السياسية اليومية. تضمن استمرار التعاون الأمني حتى عندما تختلف الحكومتان في ملفات أخرى.
والأهم من ذلك أن الهجرة يجب أن تتحول من ورقة أزمة إلى ملف تفاوض منظم.
فبدل انتظار موجة جماعية جديدة. يمكن إنشاء برامج للهجرة القانونية. ومسارات للعمل الموسمي. وتعاون أكبر في التكوين والتشغيل. وتشديد مشترك على شبكات الاتجار بالبشر. إلى جانب آليات واضحة للتعامل مع القاصرين.
وهذا يتوافق أيضًا مع نقاش أوروبي أوسع بدأ يبتعد تدريجيًا عن الثنائية البسيطة بين “فتح الحدود” و”إغلاقها” باتجاه البحث عن هجرة منظمة تلبي حاجات الاقتصاد الأوروبي وتحمي في الوقت نفسه دول المنشأ من استنزاف كفاءاتها.
إن أزمة سبتة يمكن. بهذا المعنى. أن تكون فرصة لإعادة بناء العلاقة المغربية الإسبانية على أساس أكثر نضجًا.
فبدل أن يسأل كل طرف: كيف أضغط على الآخر؟
ينبغي أن يسأل: كيف أجعل التعاون بيننا أكثر كلفة على من يريد إفشاله؟
هذه هي السياسة الواقعية.
المغرب لا يحتاج إلى مواجهة إسبانيا لإثبات قوته. وإسبانيا لا تحتاج إلى مواجهة المغرب لإثبات سيادتها. القوة الحقيقية تكمن في أن يصبح الخلاف قابلًا للإدارة. وأن تصبح المصالح المشتركة أكبر من قدرة أي أزمة على تدميرها.
ومن هنا يمكن النظر إلى سبتة باعتبارها إنذارًا مبكرًا.
إذا تكررت الأزمات بالطريقة نفسها. فستزداد الضغوط داخل إسبانيا. وستتعرض الثقة بين مدريد والرباط للتآكل. وقد تدخل قضية الهجرة في صراع سياسي أوروبي أوسع.
أما إذا استثمر البلدان الأزمة لبناء آلية جديدة للتعاون. فقد تتحول سبتة من نقطة توتر إلى نقطة انطلاق لعلاقة أكثر استقرارًا.
وفي النهاية. لا يستطيع المغرب أن يخسر إسبانيا. ولا تستطيع إسبانيا أن تخسر المغرب.
ليس لأن أحدهما أقوى من الآخر. وإنما لأن الجغرافيا فرضت عليهما شراكة لا يستطيع أي منهما الهروب منها.
والمغرب ليس مجرد بوابة لأوروبا. كما أن إسبانيا ليست مجرد بوابة للمغرب. إنهما نقطتان متصلتان في فضاء متوسطي واحد. يفصل بينهما البحر وتجمعهما المصالح والتاريخ والمستقبل.
وقد يكون السؤال الذي ينبغي أن تطرحه أوروبا بعد أزمة سبتة ليس: كيف نغلق حدودنا أمام المغرب؟
بل: كيف نبني مع المغرب حدودًا آمنة. وهجرة منظمة. وشراكة استراتيجية لا تتحول عند أول أزمة إلى مواجهة؟
أما مدريد. فعليها أن تدرك أن الحفاظ على علاقتها مع الرباط ليس تنازلًا عن السيادة. كما أن الرباط مطالبة بأن تدرك أن التعاون مع إسبانيا ليس تنازلًا عن المواقف الوطنية.
السياسة الناضجة هي أن يستطيع الطرفان أن يتعاونا في ما يتفقان عليه، وأن يختلفا في ما يختلفان عليه، من دون أن يتحول الخلاف إلى حرب دبلوماسية.
ففي عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة. قد يكون أكبر انتصار للمغرب وإسبانيا معًا هو ألا يخسر أحدهما الآخر.

Views: 3

الاخبار العاجلة