شيخ العيطة الحسين السطاتي

رحلة الأدب: (الفصل الثاني):
على الانسان أن يشعر بالاهانة عندما لا يقرأ ولا يتعلم ولا يتساءل ولا يفكر، ومع ذلك يعتقد أنه يفهم كل شيء.
الدكتورة نوال السعداوي
كانت المدرسة بالنسبة لنا هي الملاذ الوحيد للهروب من الفقر والقهر والجهل..لذلك كنا نجد ونجتهد، ونحترم أساتذتنا وجميع المؤطرين الإداريين في التعليم، وا حسرتاه على واقع التعليم في بلادنا اليوم، فالتعليم في تلك الأيام حسب رأي الشخصي أفضل بكثير مما هو عليه الآن..على الرغم من قلة الوسائل اللوجيستيكية والتكنولوجية، ولا أقول ذلك جزافا، بل هو واقع وحصيلة للمقارنة بين سلوك التلاميذ اليوم وسلوكنا بالأمس، لم يكن هنالك رسوب إلا ناذرا، ولم يكن هناك تغيب، ولم يكن هنالك هروب من فوق أسوار المدرسة، لم نكن نحمل سيوفا ولا خناجر..ولم نكن نتعاطى للمخدرات إلا في حالات ناذرة جدا والكل ينظر إلى من يتعاطاها نظرة ازدراء دونية وقدحية.
كانت الامتحانات تمر في جو تعليمي دراسي محض، الغش قليل وإن كان بطرق تقليدية، حيث كان البعض منا يعمد على نقل الدروس بمناطق مختلفة بجسده والتآزر الماكر بيننا وبين المراقب وتمرير الأوراق المكتوبة بخط متناهي الصغر، أتذكر أستاذ مادة الاجتماعيات بالسلك الإعدادي بإعدادية خالد بن الوليد بمركز “أولاد عبو” دائرة “برشيد” إقليم “سطات”، الأستاذ المحترم “سي عمر الملوكي” كان عدوه هو التلميذ الذي يغش في الامتحان، كان ينزع حذائه ويطلع فوق الطاولات وهو يحرسنا ويتمشى من طاولة إلى طاولة، شعاره “ممنوع الغش”، ومن يضبط يعاقب..وليس كما هو الآن حيث استفحلت الظاهرة وأخذت بعدا احترافيا، حيث صار بعض التلاميذ يستفيدون استفادة سلبية من وسائل الاتصال الحديثة، بما فيها وسائل الغش الالكترونية الصغيرة..وهكذا انتقلنا من عصر الغش الدراسي التقليدي”التحناش والتحراز” إلى الغش الدراسي العصري، وذلك بالغش في الامتحان عن طريق الأيفون والأيباد والكيتمان، وتسريب الأسئلة عبر المواقع الاجتماعية كالفايسبوك أو التويتير…
كانت الأعياد الوطنية كالمهرجانات والأعراس بالنسبة لنا، حيث كنا ننظم خلالها الأمسيات والسهرات، وقد تبدأ الأنشطة الاحتفالية مدة عشرون يوما قبل حلول يوم العيد الوطني، وكنا ننتظرها بفارغ الصبر، فقد كانت مناسبة حافلة بالمتعة والترفيه وفرصة لاكتشاف المواهب في الشعر والأدب والموسيقى والغناء وتقديم المسرحيات والسكيتشات الفكاهية..

وكنت أشارك بسكيتشات رفقة الفكاهي صديقي “ابراهيم الطويل” من مدينة “حد السوالم” و “رضوان أحمد” من دوار البهالة، كما كنت أشارك بالعزف على آلة الكمان ضمن مجموعة غنائية شعبية.
وأظن أن حياتي الأدبية الحقيقية قد ابتدأت بوادرها منذ سنة ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين “1984”، يعني من المستوى الدراسي الرابع ابتدائي، حيث شغفت بالأدب منذ صباي شغفا عميقا إذ صادف في نفسي هوى كامنا فأثاره، فكنت أتلقف بلهفة كل ما استطاعت يميني تناوله من كتب المعلمين التي كانت توضع بخزانة المدرسة وخاصة عند الأستاذة القديرة المحترمة “لغمادي رشيدة” مدرستي بالقسم الرابع ابتدائي من قصص الأطفال وكتب الكاتب الكبير الأديب أحمد بوكماخ، وسلسلة الإغناء للكاتب الأديب محمد عطية الأبرشي الراشدي.. ولما بلغت من العمر الخامسة عشر تقريبا نظمت الشعر والزجل وأنا أدرس بالمستوى الإعدادي، ولكن ما كتبته في تلك المرحلة على قلته قد طواه الزمان فاندثر، بعضه ضاع بين أيدي الرفقاء بالقسم الداخلي، وبعضه لم أدر له مستقرا، وكان ميلي إلى الأدب ميلا فطريا وشغفا شخصيا في الأول، ساهم فيه عدة أشخاص كل حسب مركزه؛ الأم، الفقيه، المعلم، والفنان الشعبي والحكواتي وغير ذلك.. وقد برزت مواهبي بالمدرسة في الزجل وكتابة الإنشاء، وطعمت تلك الموهبة بالانكباب على قراءة الكتب والمجلات التي كنت أحصل عليها من زملائي بالقسم الداخلي، ككتب: (الأديب البيروتية لصاحبها ألبير أديب، ثم مجلة الأدب للكاتب اللبناني “سهيل ادريس”، ومجلة المختار، ومجلة العربي، ومجلة الهلال، ومجلة الرسالة، ومجلة أقلام وبعض الكتب الدينية..)، كان أصدقائي بالقسم الداخلي يكتبون الرسائل إلى برامج إذاعية ومجلات يضمنونها مشاركات أدبية “شعر، خواطر، قصص قصيرة، بطاقات بريدية”، وكنت أنقل منهم ما يفعلونه، وأقرأ أحيانا ما يرسلونه، وكنت أقرأ كل ما يقع بين يدي، قرأت لعدد من الأسماء العربية الكبيرة: (نجيب محفوظ، نجيب الكيلاني، يحي حقي، احسان عبد القدوس، وفيق العلايلي، سهيل ادريس، عبد الرحمن منيف، جبران خليل جبران، جبرا ابراهيم جبرا، معروف الرصافي، المنفلوطي، محمد شكري، محمد زفزاف، محمد برادة، ادريس الخوري، خناتة بنونة، ليلى أبوزيد، نوال السعداوي..)، كما قرأت الأدب السوداني للكاتب السوداني الطيب الصالح، والأدب الجزائري أمثالك الطاهر وطار، وأحلام مستغانمي وواسيني الأعرج.. كما قرأت الأدب الروسي والأدب الأنجليزي ..المترجمين إلى اللغة العربية. قرأت عدد كبير من الكتاب والكاتبات المغربيات والأجانب المشهورين والمغمورين واللائحة جد طويلة.

حينما أستعرض صور أصدقائي التلاميذ الذين عشت معهم سنوات الدراسة وعاشرتهم بالقسم الداخلي، ورأيت الناجحين منهم في الحياة، والذين تبوؤوا مناصب سامية تبين لي أن أغلبهم كانوا من التلاميذ العاديين والمتوسطين وليسوا من المتفوقين إلا فيما نذر، مما يتبين معه أن الأساسي في النجاح يكمن في المثابرة والاستمرار ومواصلة الطريق.
لقد تفرقت بنا السبل فمنا من واصل الدراسة ووجد مكانه في الصفوف الأمامية للوظيفة العمومية من أصحاب المؤهلات العالية، ومنا من غادر الدراسة لظروف خارجة عن إرادته مكتفيا بمنصب بسيط أو متوسط ومنا من اشتغل صانعا أو حرفيا، ومنا من عمل فلاحا، ومنا من هاجر الوطن واستقر ببلاد المهجر.. وبقينا نتبادل الرسائل فيما بيننا، ولم يكن حينها جهاز الهاتف المحمول ولا مواقع التواصل الاجتماعي، ولما حصلت على التقاعد وعدت إلى الفن الموسيقي والكتابة الأدبية أعدت التواصل مع عدد كثير من أصدقاء الدراسة وهم من المعجبين والمحبين لصفحاتي على منصات التواصل، والحقيقة أن المراسلة أو التراسل التقليدي كان متعة لجيلنا، كنا نتبادل الرسائل حتى في العطل القصيرة “عطلة رأس السنة وعطلة الربيع”، ناهيك عن العطلة الصيفية.. وكانت رسائلنا بمثابة نصوص أدبية نستشعر فيها مغامرات المراهقة من علاقات عاطفية وعبارات الغرام والهيام، ووصف جمال الطبيعة، كنا ننقل فقرات من كتب الرسائل، وكنا ننتظر جواب الرسالة على أحر من الجمر، حيث كنا نذيل الرسائل ونختمها بعبارات مثل (الجواب في الحين كالدمعة من العين، الجواب في الحين كرمشة العين والموسيقى في التلحين..)، كنا ننتظر الرسالة أيام وقد تصل إلى أسابيع، وليس كاليوم غزت التكنولوجيا البيوت كالمواقع الاجتماعية على شبكة الانترنيت، والهاتف المحمول.. لذلك فقدت المراسلة قيمتها التشويقية، وخاصة منها العاطفية، فقدت بريقها ورومانسيتها، وحتى الشوق واللهفة إلى لقاء الحبيب فقد متعته وتلك الأحاسيس الجياشة.
في زمننا لم يكن هناك بريد الكتروني، بل بريد عادي كما أسلفت، يستغرق أسابيع للوصول، لم تكن هناك مواقع للدردشة والتعارف، كل ما كان هناك مجلات فيها صور وعناوين بركن التعارف يستلزم أن ترسل إليها رسالة وتنتظر حظك، وبرامج إذاعية ثقافية، ولم يكن لدينا هواتف ذكية لبعث وتلقي الرسائل والصور والفيديوهات، لكني أنا شخصيا أعد نفسي من المحظوظين، لأني عشت زمن الرسالة المكتوبة العادية وها أنا أرسل وأتلقى الرسائل الالكترونية، لكن شتان بين الأولى والثانية، فمتعة الأولى وشوق الانتظار متعة لا توصف، واليوم كل شيء صار سريع التنفيذ بما في ذلك التعارف، اللقاء، الصداقة والفراق.
في أقسام المستوى الدراسي الإعدادي وكذا الثانوي كان لقاؤنا مع الشعر العربي، شعراء يتغزلون في حبيباتهم غزلا عذريا وآخرون يتغزلون فيهن غزلا فاحشا، وكان أساتذة اللغة العربية ومنهم الأستاذ الفلسطيني موسى محمد والأستاذة المغربية لغشيم رشيدة، والأستاذة فاطمة الزهراء.. يفتحون لنا أبواب ثانوية خلال الحصص ليحببوا إلينا الأدب بكل أجناسه، وكان الشعراء الصعاليك أحب الشعراء إلى قلبي وكنت أقرأ ما يسقط بين يدي من أشعارهم، (السليك بن السليكة، الشنفري، الحارث بن الحدادية..)، أما الذي كنت أعشق شعره كثيرا فهو الشاعر الفارس المغوار “عروة بن الورد” حيث كان الأستاذ الفلسطيني موسى محمد يحكي لنا عن مغامرات هذا الشاعر الرجالية القتالية، وسرقاته الشهيرة التي ينفذها في قوافل الأثرياء لكي يوزعها على فقراء قبيلته، وكان يصفه لنا بأنه كان بطلا كريما وليس مجرما ولصا، ولا زالت تلك القصة التي حكاها لنا الأستاذ الكريم عن الشاعر عروة بن الورد،و كيف رهن سيفه من أجل أن يشتري حليبا لامرأة كان طفلها يبكي من شدة الجوع، عالقة بذهني لا تنمحي وكنت أحلم وأتخيل وأتمنى أن أكون شاعرا وبطلا مثل هذا الشاعر. كما كان يعجبني شعر الشاعر “امرؤ القيس” والشاعر أبو العتاهية والشاعر طاغور والشاعر محمود درويش..

بدأت بكتابة زجل غنائي، كنت أقلد كتابة المجموعات الغنائية الغيوانية (ناس الغيوان، لمشاهب، تكَادة، السهام، جيل جيلالة..)، كنت أقلدها في كلمات المواضيع الاجتماعية، أما في المواضيع العاطفية فكنت أقلد غناء المجموعات الشعبية كمجموعات: “نجوم بوركَون، نسيم بوركَون، نجوم الفرح، أهل النشاط، أهل التراث، نجوم مبروكة، ثلاثي الفرح..”، كما كنت أبدع في كتابة مواضيع أغاني الشيخات وكنت أقلد في ذلك الفنانين الشعبين الأشياخ المشهورين:”لمغاري ميلود، والستاتي عبد العزيز، وسعيد ولد الحوات، والكبير الصنهاجي، ورويشة محمد..)، وكنت ألحن ما أكتبه مع أصدقائي الموسيقيين وهم يضيفون إليه أو ينقصون منه، ثم نغنيه في الحفلات والأعراس.
Views: 14























