محمد كمل القنيطرة

إهداء : إلى كل عبيد الحاجة والعوز والمرض والذين تقيدهم عزة النفس .
الحاج ” تعبان بهدلني” كان ولايزال رجلا وقورا وعلامة الوقار الظاهرة لحية بيضاء من شعر ناعم كالحرير وتصل
ركبتيه عندما بجلس وهو كان مغرما بها فهو لا يتوقف عن لمسها و الحنو عليها مالم تكن يديه مشغولة بتصفح
وثائق في ملف برتقالي لا تكاد يفارقه ابدا وهو كثير الحركة
وحيويته يمكن ان يشحن بها عشرة من شباب هذه الأيام وهو رجل تجاوز السبعين من عمره منذ بضع سنين.
لا تبتسموا عند سماع اسمه فليس هناك أية مدعاة للسخرية
عند نطق اسمه فهو ” الحاج تعبان بهدلني” هكذا مدون في
بطاقة تعريفه الشخصية ؛ وكان الحاج يدعوني لتناول الشاي على الشياع معه في المقهى للظروف الإقتصادية الصعبة بسبب ” كورونا 19″ مع انه ميسور الحال ماشاء الله
وعلى الرغم من كوني لن أدفع ثمن الشاي فهو على حسابه
كما أسلفت فإن هذا الشاي يصبح حنظلا و شديد المرارة
طعمه في فمي انا ” المحامي السابق” والذي فضل في راسي
بعض المعارف القانونية الحديقة المفضلة للحاج ” تعبان بهدلني” فقد كان الحاج ي يفرغني من كل معارفي ومعلوماتي القانونية والتي تلقيتها على امتداد خمس سنوات في كلية الحقوق لكنه هو يريد أن يفعل هذا في
نصف ساعة عمر شرب كأس شاي وكأنما الحاج يتعمد
مقايضة أداء ثمن المشروب بالمعلومات التي امده بها من نصوص وأحكام واستشارات قانونية مع انه شبه متعلم
لكنه ملم بظهير الاكرية التجارية 24/05/55 وقانون التحفيظ العقاري والظهائر المعدلة والمتممة له وظهير الملكية
المشتركة والسنديك وهو قانون خاص بمن تقاعدوا عن السرير وعلى الرغم من كل هذا فقد كان يقول لي مازحا :
-” لو انني تركت له رأسي بحمولته الفكرية والقانونية ليحل
بعض المشاكل القانونية التي تعترضه على الدوام
.
و “الحاج تعبان بهدلني” من الناس الميسورين في مدينتي أسأل الله أن يضاعف ثروته لكنه كان في حقيقة الأمر مجرد
آلة حاسبة متنقلة فهو من حبه للمال والذي ببعده عن الله
كان لايتصدق ابدا ولا يفعل اي شيء غير العد وإعادة العد
في كل العمليات قبض الاكرية وضع المال في البنك في أداء
ثمن الشاي في المقهى حتى ان الدرهم لايبرح يديه الا محلقا
لكونه تخلص من هذه الأيادي الشحيحة حتى ان النادل في
مقهاي الاعتيادي كان يشتكي من بخله لي ويقول:”
-ألى عولنا على الحاج قرينا الدراري بكري”.
كان الحاج ” تعبان بهدلني” كلما حل بالمقهى حيث أقيم في أنتظار ” غودو وابناء عمومته” يكون محملا بملفه البرتقالي
وبه صورا اصلية لأحكام وصورا شمسية لها وعقود وأوراق
بيضاء هدية لي لاحرر له ما لذ وطاب من شكايات واجوبة على مذكرات و أوامر مختلفة ومعاينات ودعاوى رفع الضرر
واكبرضرر هو محصول عملي معه خلال ساعتين او اكثر لا يتجاوز خمسين درهما مغربية وأظن انني حتى لو رسمت
له لوحة اجمل من ” الموناليزا” لناولني خمسون درهما حتى
أصبحت أشمئز من اللون الأخضر والذي هو مقرون في الأحياء الشعبية بكونه لون راية الشوافات والدجالين.
هكذا هو حالي مع هذا الأبتلاء ” الحاج تعبان بهدلني ” لعدة سنوات ؛ وفي يوم ما أبتسم لي الحظ فقد بعث لي صديق
ملاك من بيروت بحوالة مالية بها خمسة آلاف درهم ليساعدني على تحمل السكري والاعاقة ومن محاسن الصدف غردت الخيول وربحت في ورقة بستة دراهم ما قيمته
ثمانيةعشر الف درهم وصرت في ربع ساعة صاحب عشرون
الف درهم اويزيد عنها بقليل وإنا ثمل منغمس في لذة
” الزرقاء”-مائتي درهم- تتراقص في قلبي وإنا في القطار الفائق
السرعةالى طنجة حيث جيش من إخوتي عددهم كإخوة
يوسف عليه السلام وقد رموني في بئر النسيان ولازلت رن
هاتفي فإذا بالحاج تعبان بهدلني “طلب مني ان نلتقي في
المقهى للجواب على إنذار عقاري مستعجل – وجيوبي تكاد
تنفجرمن حرارة المال الذي تستحم فيه- قلت له والابتسامة
تكادتفسد اللعبة ان الأمر عادي ولا داعي للاستعجال فمسطرة العقار لها سرعة النمل وإنا افكر في كونه سوف يناولني
خمسين درهما وفي محفظني المصدومة الكثير منها وإنا في
الدرجة الأولى في القطار وأتأمل هاتفا خليويا اقتنيته
قبل أن امتطي القطار بساعات.
قضيت ستة أيام في فندق بطنجة -” الجنة-” ما بين ” عبد المالك” صاحب” البوكاديوس” العجيب و مطعم السمك غير بعيد عن ” فندق الشجرة” و صاحب ” كارينتي” قرب سينما”باريس’ و حانة مطعم” بيلو” و”الدوركان” ومكان للعب
رهان الخيول لارد لها الجميل و سعادتي مطلقة ؛بعدها عدت
الى القنيطرةوالفقر واتصلت بالحاج ” تعبان بهدلني” بعد أن
نسيته لاسبوع وسالته؛مذا فعل بخصوص الأنذار العقاري أجابني انه لم
أجابني انه لم يفعل شيئا كما اتفقنا وقلت له بضرورة ان نلتقي للرد عاجلا والاستعجال الوحيد الذي هو الآن ملحا حاجتي لخمسين درهما.
Views: 4























