عبد العزيز الخطابي
يقول أبو الطيب المتنبي:
“إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ
وإن أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تمرّدَا.”
وربما لو عاد المتنبي إلى الحياة وشاهد ما جرى في الملاعب. لأضاف بيتاً جديداً يقول فيه: “إذا طبّق المغرب القانون قامت القيامة. وإذا طبقته أمريكا أصبح اسمه الاحترافية!”
في كأس إفريقيا التي نظمها المغرب. لم يكن الحدث مجرد بطولة رياضية. بل كان اختباراً لدولة اختارت أن تجعل الأمن والنظام والانضباط فوق المجاملات. كانت الرسالة واضحة: لا بطولة دولية بدون احترام القانون. ولا ملاعب آمنة بدون إجراءات صارمة. ولا نجاح تنظيمي بدون دولة تعرف معنى المسؤولية.
لكن المفاجأة لم تكن في التنظيم المغربي. بل في ردود أفعال بعض من اعتادوا البحث عن أي ثغرة لتحويلها إلى عنوان كبير. فجأة أصبح التفتيش الأمني أزمة. واحترام التعليمات استفزازاً. والانضباط التنظيمي مادة للبكاء والاحتجاج. وكأن المغرب ارتكب جريمة لأنه قرر حماية جماهيره وضيوفه.

مرت الأيام. وجاءت كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة.
هناك، لم تسأل أجهزة الأمن عن اسم المنتخب ولا عن لون القميص ولا عن عدد البطولات. الجميع يخضع للتفتيش. والجميع يلتزم بالتعليمات. والجميع ينتظر دوره. لأن القانون في الدول التي تحترم نفسها لا يعرف المجاملات.
والغريب أن الأصوات التي كانت تملأ الفضاء ضجيجاً اختفت فجأة. لا بيانات غاضبة. ولا مؤتمرات صحفية تندد. ولا دموع أمام الكاميرات. ولا اتهامات بسوء التنظيم. كأن أجهزة التفتيش الأمريكية تعمل بالعطر الفرنسي. بينما كانت الأجهزة المغربية تعمل بالبارود!
إنها ليست مجرد مفارقة. بل كوميديا سياسية ورياضية سوداء.
في المغرب كان تطبيق القانون “تشدداً” وفي أمريكا أصبح “احترافية”
في المغرب كان الأمن “مبالغاً فيه” وفي أمريكا أصبح “ضرورة عالمية”
في المغرب كان احترام التعليمات “إهانة للضيوف” وفي أمريكا أصبح “ثقافة يجب احترامها”.
وهنا يتدخل الواقع ليسخر من الجميع. لأن الوقائع أكثر سخرية من أي كاتب.
لقد قدم المغرب بطولة شهد لها كثير من المتابعين بجودة الملاعب. والاستقرار، والبنية التحتية، وسلاسة التنظيم، والاستقبال الذي يعكس تقاليد الضيافة المغربية. ورغم ذلك. اختار البعض صناعة رواية أخرى. عنوانها الشكوى الدائمة. وكأن نجاح المغرب يزعجهم أكثر مما يزعجهم أي خلل تنظيمي.
لكن الزمن لا يجامل أحداً.
فما كان يُنتقد في الرباط والدار البيضاء ومراكش، أصبح يُصفق له في الملاعب الأمريكية. وما كان يعتبر تضييقاً. تحول إلى معيار عالمي للأمن. وما كان يوصف بالتشدد. أصبح اليوم درساً في كيفية إدارة الأحداث الكبرى.
إن أمريكا لم تصدر بياناً تقول فيه إن المغرب كان على حق. لكنها قدمت شهادة أقوى من كل البيانات. حين طبقت الإجراءات نفسها. بل وأكثر صرامة. وأثبتت أن الأمن ليس موضوعاً للتفاوض وأن نجاح البطولات يبدأ من احترام القانون لا من إرضاء الأصوات المرتفعة.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن بعض من كانوا يشتكون بالأمس تحولوا إلى أكثر الناس التزاماً بالصمت اليوم. اختفت لغة الاحتجاج. واختفت الروايات الدرامية. وكأن عبور بوابات التفتيش الأمريكية يمنح الإجراءات الأمنية شرعية لم تكن موجودة في المغرب.
إن المشكلة لم تكن يوماً في التفتيش، ولا في التنظيم، ولا في الأمن. بل في النظارة التي ينظر بها البعض إلى المغرب. فإذا نظم المغرب بطولة. بحثوا عن العيوب بالمجهر. وإذا نظمتها دولة كبرى. تحول كل شيء إلى لوحة فنية تستحق التصفيق.
وهنا يصبح بيت المتنبي أكثر حضوراً من أي تقرير رياضي:
“إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ
وإن أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تمرّدَا.”
فالمغرب استقبل الجميع، وفتح أبوابه، ووفر الملاعب والفنادق والبنية التحتية والأمن والاستقرار، لكن البعض لم ير كل ذلك، لأنه كان منشغلاً بالبحث عن سبب جديد للشكوى.
والنتيجة أن كأس العالم 2026 لم تكن مجرد بطولة لكرة القدم، بل كانت محكمة رمزية أعادت محاكمة كل الاتهامات التي وُجهت إلى المغرب. لتنتهي الجلسة بحكم بسيط وواضح: ما كان يسمى بالأمس “تشدداً مغربياً” أصبح اليوم “نموذجاً أمريكياً في الاحترافية”
وهكذا. ومن دون خطاب سياسي، ومن دون حملة إعلامية، ومن دون ردود غاضبة. تكفل الواقع وحده بإعادة الاعتبار للمغرب. مؤكداً أن الدول القوية لا تنتصر بالصراخ. بل تنتصر عندما يثبت الزمن أن ما كانت تفعله بالأمس أصبح قاعدة يتبعها الجميع اليوم.
عندما يتحول الصمت إلى اعتراف ؟
في عالم كرة القدم. هناك من يلعب بالمستديرة. وهناك من يلعب بالرواية الإعلامية. الأول يبحث عن الأهداف. والثاني يبحث عن الأعذار. وبينهما يقف الجمهور حائراً: هل يشاهد مباراة أم مسرحية؟.
المغرب لم يدخل يوماً في سباق البكاء. لم يخرج كل صباح ليشرح للعالم أنه يمتلك الملاعب الحديثة. أو أنه استثمر المليارات في البنية التحتية. أو أن استقراره الأمني أصبح نموذجاً إقليمياً. اكتفى بأن يفتح أبوابه. وأن ينظم. وأن يعمل. تاركاً الوقائع تتحدث.
لكن يبدو أن بعض العقول لا ترى الواقع. بل ترى فقط ما تريد أن تراه.
عندما نظم المغرب بطولة إفريقية. تحول بعض النقاد إلى خبراء في الأمن. وخبراء في النقل. وخبراء في الفنادق. وخبراء في المناخ. حتى كاد المرء يعتقد أنهم يحملون شهادات في كل علوم الأرض والسماء. كل شيء كان يستحق الشكوى. وكل تفصيل صغير كان يتحول إلى أزمة وجودية.
ثم جاءت أمريكا.
وفجأة اكتشف الجميع أن الطوابير ليست إهانة. وأن التفتيش ليس اعتداء على الكرامة. وأن احترام التعليمات ليس مؤامرة على كرة القدم. وأن رجل الأمن الذي يطلب منك فتح حقيبتك لا يهدد الديمقراطية. بل يقوم بعمله.
المفارقة أن القانون نفسه لم يتغير. بل تغير عنوان الدولة فقط.
وكأن بعض الناس لا يعترضون على الإجراءات. بل يعترضون على هوية من يطبقها.
لقد كشف كأس العالم 2026 حقيقة قديمة: ليست كل الضوضاء دليلاً على وجود مشكلة. بل أحياناً تكون الضوضاء نفسها هي المشكلة.
هناك من لا يستطيع التعايش مع فكرة أن المغرب لم يعد مجرد متفرج في الأحداث الكبرى. بل أصبح لاعباً يصنع الحدث ويؤثر فيه. ولذلك. فإن أي نجاح مغربي يتحول عندهم إلى أزمة نفسية تحتاج إلى عشرات المقالات والبرامج التلفزيونية لتخفيف أثرها.
لكن التاريخ لا يقرأ التعليقات. بل يقرأ النتائج.
وما يثير السخرية أن الدول الكبرى لا تبرر إجراءاتها لأحد. عندما تفرض أمريكا قواعدها. يقف الجميع في الطابور. وعندما تفرض أوروبا قوانينها. يلتزم الجميع بالصمت. أما عندما يطبق المغرب القواعد نفسها. يظهر فجأة جيش من المظلومين الذين اكتشفوا أن الحرية تبدأ عند بوابة الملعب!
ولعل أكبر انتصار للمغرب ليس أن يرد على منتقديه. بل أن يجعل الزمن يرد نيابة عنه.
فالواقع كان أكثر بلاغة من كل الخطب. وأكثر سخرية من كل المقالات. الذين وصفوا الصرامة المغربية بالمبالغة. وجدوا أنفسهم يخضعون لإجراءات أكثر تشدداً في أكبر بطولة في العالم. دون أن يملكوا سوى الانصياع للقانون.
إن الدول القوية لا تحتاج إلى التصفيق. لأنها تعرف أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المديح. بل بعدد الذين يضطرون بعد سنوات إلى تقليد ما كانوا يسخرون منه بالأمس.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة: لم ينتصر المغرب لأنه دخل في معارك إعلامية. بل لأنه ترك الواقع يتكلم. والواقع. على عكس الشعارات. لا يعرف المجاملة. ولا يخاف من الضجيج. ولا يهتم بمن يرفع صوته أكثر.
ويبقى السؤال معلقاً فوق كل هذه المشاهد: لو كانت الإجراءات نفسها قد اتخذت في المغرب. كم بياناً كان سيصدر؟ وكم برنامجاً تلفزيونياً كان سيخصص؟ وكم خبيراً كان سيظهر ليحدثنا عن “كارثة التنظيم”؟
أما عندما وقعت في أمريكا. فقد اكتشف الجميع فجأة فضيلة الصمت. وأصبح القانون قانوناً، والأمن أمناً، والنظام نظاماً.
Views: 11
























