عبد العزيز الخطابي

·حينَ تُهزَمُ الحروبُ أمامَ عينيكِ
لا السيفُ يعرفُ كيفَ يفتحُني
ولا الرماحُ تُحسنُ فنَّ السقوطِ على قلبي،
إنها تموتُ قبلي…
وتنجو مني،
كأنني آخرُ الهزائمِ التي لم تُكتبْ بعد.
أنا الذي عبرَ المعاركَ خفيفًا
كفكرةٍ لم تُختبر،
لم أكنْ أرتجفُ حينَ كانتِ الخيولُ
تدوسُ أسماءَ الرجال،
ولا حينَ كانتِ الدماءُ
تكتبُ تاريخًا أحمرَ على ترابِ الجهات،
كنتُ دائمًا أعودُ…
بجسدٍ ناقصٍ وقلبٍ كامل.
لكنني حينَ التقيتُكِ،
أدركتُ أن الحروبَ كانتْ رحيمة.
أيُّ سرٍّ في عينيكِ
يجعلُ الهلاكَ يبدو كأنه خلاص؟
وأيُّ ليلٍ يسكنُ فيهما
حتى صرتُ أبحثُ عن ضيائي
في العتمة؟
لو باتَ سهمٌ من الأعداءِ في كبدي
لقلتُ: جرحٌ… ويمضي،
لكن عينيكِ لا تمضيان.
إنهما تستقرّان
كقانونٍ أبديٍّ
لا يقبلُ التأويل.
أنا لا أنزفُ دمًا معكِ.
أنا أنزفُ معنى،
يتسرّبُ مني ببطء
حتى أصيرَ غريبًا
عن اسمي.
ما عادَ لي في نفسي وطن.
كلُّ الجهاتِ تشيرُ إليكِ،
وكلُّ الطرقِ، مهما ابتعدتُ.
تعودُ إليكِ
كأنكِ المركزُ…
وأنا دائرةٌ تائهة.
كنتُ أظنُّ أن العدوَّ واضحٌ
كصرخةٍ في ساحةٍ مكشوفة.
لكنني لم أعرفْ
أن أخطرَ الأعداءِ
يسكنون في هيئةِ خلاص.
أنتِ لستِ امرأةً…
أنتِ امتحانٌ للوجود.
سؤالٌ لا جوابَ له.
وها أنا أُعيدُ حياتي
كطالبٍ راسب
في مادةِ العشق.
يا أنتِ ؟
يا كلَّ ما لا يُقال.
كيفَ استطعتِ أن تهزمي
رجلاً
لم تهزمهُ الحروب؟
أنا الذي كنتُ أؤمنُ
أن القوةَ قرار.
صرتُ معكِ
حادثةً.
أمشي إليكِ
كمن يُسلّمُ نفسهُ
لقدرٍ يعرفُ أنه قاتلُه.
وأبتسم.
كأنني أربحُ شيئًا
في خسارتي.
أيُّ خدعةٍ هذه
التي تجعلُ الهزيمةَ
أشدَّ إغراءً من النجاة؟
أنا لا ألومكِ…
بل ألومُ ذلك الجزءَ فيَّ
الذي صدّقَ أنكِ وطن،
فإذا بكِ منفى.
وإذا بي
أتعلمُ الغيابَ
في حضوركِ.
لو خُيّرتُ بين ألفِ حربٍ
وبين لحظةٍ معكِ.
لاخترتُ الحروب.
لأنها تنتهي…
وأنتِ لا تنتهين.
في الحروبِ
أعرفُ متى أسقط.
أما معكِ
فأنا أسقطُ
دون أن أصلَ إلى الأرض.
فأيُّ سيفٍ هذا
الذي لا يُرى؟
وأيُّ جرحٍ هذا
الذي لا يُشفى؟
يا أنتِ.
يا آخرَ ما تبقّى
من وهمي الجميل،
أعلمني:
هل النجاةُ منكِ خيانة؟
أم أن الهلاكَ فيكِ
هو الشكلُ الأخيرُ
للصدق؟
Views: 6
























