
عبد العزيز الخطابي

ليس السؤال الذي يطرحه مجرد استفزاز ذهني أو خيال سينمائي. بل هو إعادة صياغة دقيقة لإشكال إبستمولوجي قديم: ما الذي يبرر اعتقادنا بأن العالم الذي ندركه حقيقي؟ هذا السؤال، حين يُطرح بصرامة منهجية. لا يعود سؤالاً عن “الواقع” فقط، بل عن شروط إمكان معرفته. وعن الأدوات التي نستخدمها للحكم عليه.
إذا أردنا تناول هذا الإشكال بطريقة منهجية. فإن الخطوة الأولى تقتضي تعليق الأحكام المسبقة. أو ما يسميه الفلاسفة بـ”الردّ” أو “الإيقاف المؤقت للتصديق”. لا نفترض أن العالم حقيقي. ولا أنه وهم. بل نضع الفرضيتين معاً موضع فحص. بهذا المعنى. نحن لا ننطلق من يقين. بل من حياد منهجي يسمح بتحليل بنية التجربة نفسها.
في هذه المرحلة. يظهر تأثير الشك المنهجي الذي بلوره . حين افترض إمكانية أن تكون كل معطيات الحواس خادعة. غير أن الماتريكس يذهب أبعد من ذلك. إذ لا يكتفي بالتشكيك في الحواس. بل يشكك في الإطار الكلي الذي تنتظم فيه التجربة. فليست المشكلة أن نرى خطأ. بل أن كل ما نراه قد يكون منسقاً داخل نظام لا يمكن اختراقه من الداخل.
وهنا نصل إلى لبّ الإشكال: إذا كانت كل معارفنا مستمدة من التجربة. وكانت التجربة نفسها قابلة للمحاكاة الكاملة. فبأي معيار يمكن التمييز بين الواقع والمحاكاة؟ إن هذا السؤال يكشف عن مأزق إبستمولوجي حقيقي.لأن كل محاولة للتحقق من الواقع ستعتمد بالضرورة على نفس الأدوات المشكوك فيها. نحن أمام دائرة مغلقة: نستخدم الحواس للتحقق من الحواس، والعقل للتحقق من المعطيات التي قد تكون مُعطاة له ضمن نظام وهمي.
هذا ما يجعل فرضية “الماتريكس” غير قابلة للدحض من داخلها. فهي ليست مجرد احتمال ضعيف. بل فرضية متماسكة منطقياً. لأنها لا تترك منفذاً للتحقق الخارجي. وهنا يتقاطع الفيلم مع بعض الاتجاهات الفلسفية المعاصرة التي ترى أن الحقيقة ليست شيئاً نصل إليه مباشرة. بل بناءً نظرياً نُقيمه داخل نظام من المعتقدات المتماسكة.
لكن إذا كانت الحقيقة غير قابلة للتحقق المطلق. فهل يعني ذلك انهيار مفهوم المعرفة؟ ليس بالضرورة. هنا تظهر ضرورة التمييز بين نوعين من الحقيقة: الحقيقة المطلقة. التي قد تظل بعيدة المنال، والحقيقة العملية، التي تُقاس بقدرتها على تفسير التجربة والتنبؤ بها. بهذا المعنى. حتى لو كنا داخل “ماتريكس”فإن القوانين التي نكتشفها تظل صالحة داخل هذا الإطار. وتظل المعرفة ممكنة، وإن كانت نسبية.
غير أن هذا الحل لا يزيل القلق. بل يعيد صياغته. لأن المشكلة لم تعد في إمكانية المعرفة. بل في معناها. ماذا يعني أن نعرف شيئاً إذا كنا لا نعرف إن كان هذا الشيء “حقيقياً” أم لا .
Views: 20






