الكاتب.عبد العزيز الخطابي

المدينة لا تُعلن أيامها. هي تُهديها. في صباحٍ اعتاد الناس فيه أن يتلقّوا أخبار الخبز والسماء، فتح شارعٌ واحد فمه على نسمات حاملة للملح والطين. لم تكن الأجراس تصرخ، ولم تكن اللافتات تُعلِن؛ كانت الأصوات الصغيرة تكفي: عربات الخبّاز تدندن كقوسٍ قديم، وبائع الصحف يصرخ عن عناوينٍ مُستلبة، ونساء يمرحن على أعتاب الأزقّة بأكياس من تُفّاحٍ ونفحات شاي.
في بيتٍ طينيّ يواجه ساحة صغيرة، جلست فاطمة عند نافذةٍ ذات إطارٍ مكسور كأنها صفحة عنيدة في كتاب قديم. كل صباح تعدّ كوب نعناع، تفتح النوافذ على أصوات الحي وتنهل منها حكايات الناس. ذلك الصباح بدا للنافذة كأنه يحمل شيئًا مختلفًا: أخبار مموهة، همسات عن توقّف، أسماء تهمس بها الريح ثم تختفي. لا شيء هنا يُصرخ الحقيقة، بل يُهمس بها كما تُخبّئ اليد لؤلؤةً من أطفالها.
محمد، ابن فاطمة، خرج مبكرًا لحِرفةٍ تطلب من اليد أن تشتغل حتى تغفو الهموم. قبل الباب أمسك يد أمه بلطفٍ كأنه يبعث لها برخصة البقاء. “أعود قبل المساء”، قال، لكن في القلب شيء من شدّ الحبال مع الريح. في ردهة الحي، الرجال يتبادلون أخبار الأسعار وطرائف الجيران، والكلام يثقل في حلق بعضهم كما لو أن للصمت طعمه الخاص.
يوسف، المدرّس، يرتّب دفاتره كمن يرتب سجلات الزمان: أسماء، تواريخ مختبِرة، أسئلة لا تنتهي. يُعلّم التاريخ لكنه يتملّك خوفٌ من أن يصبح التاريخ سجلاً من دون نفْس. يقرأ في عيون تلاميذه رغبةً في أن يكون للمعرفة طعم آخر. طعم يقوّي وليس طغياناً. في مكتبته الصغيرة، الكتب تُنصتُ كأنها تحرس أسرار الأيام.
المساء يقترح لقاءً صغيرًا في قهوة الحارة. قهوة تعبق بالحنّاء والبنّ وتستعير من الزمن نَفَسَ حكمة. يجلسون حول طاولة خشبية، يرمقون بعضهم بعضًا، يحكون حكايات لم تعد تدخلها الأخبار الكبرى: امرأة تروٍّ كيف أن الغيوم كانت تخاف على محصولها ومن ثم سلمته الأرض، رجل يصرّ على أن يشارك خبزَه مع جارٍ محتاجٍ. الحكايات هنا تعمل كأعشاب تُسكن الألم وتمنح القلب مرهمًا.
الحدث، إن صحّ أن نسمّيه حدثًا، لا يخرج من ضجيج الشوارع الكبرى، بل يتكوّن من نظرات، من امتداد يد، من رسالة تُحفظ في جيب. أسماء تُهمَس، وجوه تختفي لأيام ثم تعود بطلّة باهتة، ورجال تُجرى عليهم تحقيقات في ممرات بعيدة. لكن في الحيّ، الحياة تستمرّ على طقسها: أفران الخبز لا تغلق أبوابها، الأطفال يرمون الكرة، ونساء يُصنِّفن الخبز على الطاولات.
هنا يكمن سرّ المقاومة: ليست في الصيحات الكبيرة، بل في أعمال النَهار الصغيرة. امرأة تُخيط ثيابًا لتطعم أبًا غائبًا، امرأةٌ أخرى تُحفظ كتابًا في درجٍ كأنه صندوق أمانٍ لتراثٍ غير مرئي. يُعلّم يوسف تلاميذه المواطنة بحكاية عن رجلٍ اختار أن يقرأ قبل أن يدخل السجن. يريد أن يزرع في الصغار عادة السؤال بدل الانقياد.
من بين الأصوات يبرز صندوق صغير، فكرة وُلدت على مائدة: صندوق قروض تُؤسسُه نساء الحيّ. يُرمز للصندوق بأيديٍ متشابكة تُغطي فُتحةً صغيرة. لا يملك فقط نقوداً، بل أملاً منظّمًا، قدرة على تدارك أيام الجوع الصغيرة. يتعلّم الناس هنا كيف يجعلون أملهم قابلاً للتداول كما يتداولون الخبز.
وهكذا تبدأ حكاياتنا في التمدّد: محمد يُقلِّب صفحات كتب استعارتها من مكتبة يوسف، يتعلم أن يعلّم أطفال الحي القراءة، ليس كرجلٍ يلقّن دروسًا بل كجارٍ يخبز الوقت لهم. الأم تحفظ قصص الأجداد في دفاتر. تكتبها كما تُخبّئ شبّاكًا، لكي لا يطير كل شيء مع الريح. الرجال والنساء يبنون شبكة صغيرة من احتياطات الكرامة: جمعياتٍ سرّيةٍ لا ترفع أعلامًا، لكنها تُقيم طاولةً لكل جائع وتُعلّم من لم يُعلَّم.
الرمزية هنا هي حياة يومية تُصير مقاومة: النافذة. موضع الرؤية والذاكرة، الخبز. رمز الكرامة والاستمرار، والصندوق. أملٌ مُنظّم. هذه العناصر تتكرر في كل مشهد كصرخةٍ هادئة. حتى الصوت المجهول الذي يحوم حول الحي لا يصبح تهديدًا بقدرما يكون اختبارًا لقدرة الناس على أن يبقوا مع بعضهم.
يأتي تشرين الريح مرةً أخرى، يحمل معه أخبارًا متفرّقة: تغييرات إدارية هنا، وتحقيقات هناك. لكن هذه الأحداث، مهما كانت جسيمة في عيون المدن الكبرى، لا تُقعد الحي عن أن يعمل. من يختفي لوقتٍ يعود بابتسامة هزيلة، ومن يتألم يجد جاره يحمل له دواءً في الليل. هذا لا يلغي الخوف، لكنه يُحوّله: من خوفٍ يوقف الحياة إلى خوفٍ يجعل الناس أكثر حرصًا على أن يبنوا طوق نجاة لبعضهم.
وفي احتفالٍ بسيط بعد موسمٍ من الجدّ، يجتمع الحي ليحتفل بما نَمَا من بذور. الخبز أكثر، الصندوق يتيح قروضًا صغيرة، والمكتبة تتضخّم بأوراق وقصصٍ جديدة. يقف محمد أمام الناس ويُخبرهم كيف بدأ بتدريس الأطفال: “ليس لأننا سنقلب العالم بين ليلةٍ وضحاها، بل لأننا سنصنع فيه صباحاتٍ أقل وجعًا.” الكلام هنا قصاصةٌ تربّية؛ لا يَدعي الانتصار بل يعلّم الصبر العملي.
لا تُعلن رفع الأعلام ولا صفحة انتصار. الخاتمة تُنهي بحركة بسيطة: فتحُ نافذة، ومشاركة رغيف، ودفترٌ يُغلق بعد أن كُتب فيه اسمٌ جديد. الحيّ قد لا يكون قد غيّر الخرائط الكبرى، لكنه صنع سيرورةً داخليةً تحفظ كرامة أهلها. تعلّموا أن يصغوا جيدًا، أن يختاروا كلامهم كما يختارون بذورهم، وأن يجعلوا من كل يومٍ روتينًا مقاومًا.
في الذاكرة، يبقى اليوم الذي همس فيه الناس عن الأشياء الكبيرة بلا صخب، يبقى يومًا مُهذبًا . مُربّى في الطقوس البسيطة للكرم والاحتفاظ بالكلمة والخبز. بهذا تتربّى الأجيال: على أن التاريخ لا يكتبه فقط من يُهاجم أو يصيح، بل من يجهز فنجان النعناع لصباح جديد، من يفتح نافذة خبز، ومن يدخر صندوقًا صغيرًا في زاوية البيت لوقت الحاجة.
وهكذا، إذا أردنا أن نخلّد “ذلك اليوم”، فليكن الخلود عبر دفاتر تحوي أسماء الجيران، عبر أرغفةٍ قُسمت، عبر دروسٍ تُعطى بهدوء في زاوية المكتبة، وعبر صناديقٍ صغيرةٍ تضمن أن لا أحد ينام جائعًا. الخلود هنا مربّى: تربيةٌ للحياء وللامتداد، وللصمود الذي يولد من صغائر الأعمال أكثر من صخب الأحداث.
Views: 76
























