محمد عزيز الحبابي: الفيلسوف الذي ترك المستقبل مفتوحًا

جسر التواصلمنذ 13 دقيقةآخر تحديث :
محمد عزيز الحبابي: الفيلسوف الذي ترك المستقبل مفتوحًا

عبد العزيز الخطابي

في ذكرى رحيله. لماذا نحتاج إلى إعادة قراءة صاحب «الشخصانية الإسلامية» و«جيل الظمأ»؟
ليس من السهل أن نتحدث عن محمد عزيز الحبابي باعتباره مجرد اسم في تاريخ الفلسفة المغربية. فالرجل الذي رحل عن عالمنا سنة 1993 ترك وراءه مشروعًا فكريًا وأدبيًا يتجاوز حدود السيرة الشخصية. ويستحق اليوم أن يُستعاد لا بوصفه ذكرى ثقافية. وإنما باعتباره سؤالًا مفتوحًا حول الإنسان والحرية والمسؤولية والمستقبل.
عرفتُ محمد عزيز الحبابي في سبعينيات القرن الماضي. أستاذًا ومفكرًا وصاحب مؤلفات. وعرفته أيضًا صديقًا كان قريبًا من هموم الثقافة والإنسان. وكان لي شرف أن أتلقى منه دعمًا وتشجيعًا تركا في نفسي أثرًا لا يمحى. لذلك فإن استحضاره اليوم ليس بالنسبة إليّ مجرد كتابة عن فيلسوف مغربي رحل. وإنما هو شهادة على رجل عرفته عن قرب. وعلى مرحلة كان فيها للمثقف حضور مختلف. وكانت للفلسفة علاقة مباشرة بأسئلة المجتمع والإنسان والمستقبل.
كان الحبابي واحدًا من أبرز الوجوه الفلسفية والأدبية في المغرب خلال القرن العشرين. كتب بالعربية والفرنسية، واشتغل بالفلسفة والرواية والشعر، وانشغل بقضايا الإنسان والتحرر والمجتمع والعالم الثالث. كما ارتبط اسمه بالحياة الثقافية المغربية وبالمؤسسات الأدبية والفلسفية. وتذكر مصادر عدة مساهمته في تأسيس اتحاد كتاب المغرب وانتخابه في بداياته رئيسًا للاتحاد. فضلًا عن حضوره في تأسيس الحياة الفلسفية والثقافية المغربية الحديثة.
لكن قيمة الحبابي لا تختصر في المناصب أو في المؤسسات التي شارك في بنائها. ولا في الترشيح الذي ارتبط باسمه لجائزة نوبل للآداب سنة 1987. قيمة الرجل الحقيقية توجد في مشروعه الفكري. وفي السؤال الذي ظل يطارده طوال مسيرته: كيف يستطيع الإنسان أن ينتقل من مجرد «كائن» تحكمه شروط وجوده إلى «شخص» واعٍ بذاته، حر في اختياراته. مسؤول عن أفعاله. وقادر على المشاركة في صناعة التاريخ؟
ذلك السؤال هو المدخل الحقيقي إلى فلسفة الحبابي.
فـ«الشخص» عنده ليس مجرد فرد يعيش وسط الآخرين. وإنما إنسان يكتسب وعيه بذاته وبمسؤوليته. ويصبح قادرًا على الفعل بدل الاكتفاء بالخضوع لما تفرضه عليه الظروف. ومن هنا جاءت أهمية مشروعه في «الشخصانية» الذي حاول أن يمنح الإنسان مكانة مركزية في التفكير الفلسفي. وأن يربط الحرية بالمسؤولية. والكرامة بالفعل. والروح بالواقع.

وفي كتابه «الشخصانية الإسلامية» بلور الحبابي محاولة فكرية لربط مفهوم الشخص بالأفق الإسلامي. في سعي إلى بناء رؤية لا تفصل بين الإنسان وقيمه الروحية. ولا تجعل الحداثة مرادفًا لاقتلاع الإنسان من جذوره. وتؤكد الدراسات الحديثة حول مشروعه أن الشخصانية الإسلامية عنده كانت مرتبطة بالحرية والمسؤولية والكرامة الإنسانية وبإمكان الفعل والإصلاح.
وهنا تكمن أهمية الحبابي اليوم.
ففي زمن تتحول فيه قيمة الإنسان. أحيانًا. إلى رقم في منظومة اقتصادية أو إلى مستهلك في سوق هائلة أو إلى حساب داخل فضاء رقمي. يعود سؤال الحبابي أكثر إلحاحًا: هل ما زلنا نصنع الإنسان بوصفه «شخصًا» أم أننا نعيد إنتاج «الكائن» الذي يعيش ويستهلك ويتابع. لكنه لا يملك بالضرورة القدرة على صناعة مصيره؟
هذه المسافة بين «الكائن» و«الشخص» ليست مسألة فلسفية مجردة. إنها سؤال سياسي وثقافي وتربوي بامتياز.
ومن هنا أيضًا تأتي أهمية إعادة قراءة «جيل الظمأ»
الرواية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نصًا أدبيًا ينتمي إلى مرحلة تاريخية وانتهى مفعوله بانتهائها. إنما تستحق أن تُقرأ من جديد لأنها تضعنا أمام جيل يبحث عن ذاته. ويصطدم بالواقع. ويشعر بالاختناق. ويتطلع إلى الخروج من شروط تضيّق عليه إمكانات المستقبل.
لقد تغيرت الظروف منذ كتابة الرواية. وتغير المجتمع. وتغيرت وسائل الاتصال. وظهرت أجيال جديدة لم يكن الحبابي قادرًا بطبيعة الحال على معرفة تفاصيل عالمها الرقمي. ولذلك فإن القول إنه «تنبأ بجيل Z» سيكون تبسيطًا لا يخدم الرجل ولا يخدم النقد. لكن يمكن. وبقوة. أن نعيد قراءة بعض أسئلته في ضوء ما يعيشه الشباب اليوم.
فالظمأ الذي تحدث عنه الحبابي يمكن أن يُقرأ اليوم بوصفه ظمأً إلى الحرية. وإلى الاعتراف. وإلى المعنى. وإلى المستقبل.
وهذا الظمأ لم ينته.
لقد أصبح الشاب المعاصر محاطًا بالمعلومات أكثر من أي جيل سابق. لكنه ليس بالضرورة أكثر امتلاكًا للمعنى. أصبح قادرًا على التواصل مع العالم في ثوانٍ. لكنه قد يشعر بالعزلة. يمتلك فضاءً رقميًا مفتوحًا. لكنه قد يجد نفسه أمام واقع اجتماعي مغلق. وله آلاف المتابعين أحيانًا. لكنه قد يبحث مع ذلك عن اعتراف حقيقي بوجوده وقيمته.
هنا يلتقي سؤال الحبابي مع سؤال الأجيال الجديدة.
ليس لأن الرجل توقع وسائل التواصل الاجتماعي. ولا لأنه رسم خريطة دقيقة لمستقبل الشباب. وإنما لأنه كان منشغلًا بالسؤال الأعمق: ماذا يحدث للإنسان عندما يفقد قدرته على أن يكون شخصًا فاعلًا؟
وهذا السؤال يقودنا إلى مفهوم آخر شديد الأهمية في فكره: المستقبل.
فالحبابي لم يكن أسير الماضي. كما لم يكن مفتونًا بالمستقبل باعتباره مجرد تقدم تقني. وقد ارتبط مشروعه بما سماه «الغدية» أي التفكير في المستقبل من زاوية إنسانية وأخلاقية. وليس باعتباره مجرد تراكم للتكنولوجيا والوسائل. وقد تناول في كتاباته قضايا العالم الثالث والتبعية والتخلف والحاجة إلى بناء مستقبل أفضل. رابطًا المستقبل بالتطور الأخلاقي والإنساني. لا بالتقدم المادي وحده.
وهذه ربما إحدى أكثر أفكار الحبابي حاجة إلى الاستعادة اليوم.
فنحن نعيش عصرًا يتحدث كثيرًا عن المستقبل. عن الذكاء الاصطناعي. وعن الاقتصاد الرقمي. وعن المدن الذكية. وعن الثورة التكنولوجية. لكن السؤال الأخلاقي غالبًا ما يأتي متأخرًا: أي إنسان نريد أن نصنع بهذا المستقبل؟
هل يكفي أن نتقدم تقنيًا إذا تراجع الإنسان؟
هل تكفي وفرة المعلومات إذا تراجعت القدرة على التفكير؟
هل يكفي الاتصال العالمي إذا ازداد الإنسان اغترابًا عن ذاته وعن مجتمعه؟
وهنا يصبح الحبابي معاصرًا لنا بطريقة مختلفة: ليس لأنه قدم أجوبة جاهزة لعصرنا. وإنما لأنه ترك لنا أسئلة ما زالت تبحث عن إجابات.
لهذا أعتقد أن ذكرى رحيله يجب ألا تتحول إلى مناسبة بروتوكولية لقراءة كلمات التأبين وإلقاء الخطب ثم العودة إلى الصمت. إن أفضل تكريم للحبابي هو أن يعود إلى الجامعة. إلى المدرجات. إلى مراكز البحث. وإلى النقاش الثقافي العام.
لماذا لا تنظم الجامعات المغربية ندوات سنوية حول مشروعه؟
لماذا لا تعاد قراءة «من الكائن إلى الشخص» و«الشخصانية الإسلامية» و«جيل الظمأ» قراءة نقدية جديدة؟
لماذا لا يُفتح نقاش بين فلسفة الحبابي وأسئلة الشباب المغربي والعربي اليوم؟
ولماذا لا تتحول ذكراه إلى مناسبة تجمع الفلاسفة والباحثين والروائيين والشعراء وطلبة الجامعات. بدل أن تبقى سيرته حبيسة بعض الكتب والمقالات؟
إننا لا نحتاج إلى صناعة صورة مقدسة للحبابي. بالعكس. الفيلسوف الحقيقي لا يحتاج إلى التقديس. يحتاج إلى القراءة والنقد والاختلاف وإعادة الاختبار.
علينا أن نسأل: أين أصاب الحبابي؟ وأين كانت حدود مشروعه؟ وما الذي يمكن أن نستفيد منه اليوم؟ وما الذي تجاوزه الزمن؟
تلك هي الطريقة الوحيدة التي تجعل الفيلسوف حيًا.
أما أن نكتفي بتعداد مؤلفاته ومناصبه وترشيحه لجائزة نوبل، ثم نضع اسمه في خانة الماضي. فذلك يعني أننا لم نفهم شيئًا من قيمة الرجل.
لقد كان الحبابي فيلسوفًا. لكنه لم يكن بعيدًا عن الإنسان. وكان وطنيًا. لكن وطنيته لم تكن انغلاقًا. وكان منفتحًا على الفكر العالمي. دون أن يتخلى عن أسئلته الحضارية. وكان ينظر إلى المستقبل لا باعتباره حلمًا غامضًا. وإنما باعتباره مسؤولية.
ولعل شهادتي الشخصية عنه تعود هنا إلى الواجهة: حين عرفت الحبابي في سبعينيات القرن الماضي. لم أكن أرى فقط أستاذًا يحمل معرفة فلسفية واسعة. بل رأيت مثقفًا يؤمن بأن الإنسان يمكن أن يتغير. وأن الفكر يمكن أن يفتح طريقًا. وأن الكلمة يمكن أن تمنح شخصًا آخر الثقة في نفسه.
وهذا ما يجعل ذكراه شخصية وفكرية في آن واحد.
محمد عزيز الحبابي لم يترك لنا مدرسة فلسفية مغلقة. ولا أجوبة نهائية. ترك لنا مشروعًا وأسئلة.
ومن «الكائن إلى الشخص». ومن «الشخصانية» إلى «الغدية» ومن «جيل الظمأ» إلى أجيال اليوم. يمتد خيط واحد: الإنسان الذي يبحث عن حريته. وعن كرامته. وعن مكانه في التاريخ.
ذلك الإنسان لم ينته.
وذلك الظمأ لم ينته.
وربما لهذا السبب تحديدًا نحتاج إلى الحبابي اليوم أكثر مما نحتاج إلى مجرد الاحتفال بذكراه.
إن إعادة الحبابي إلى الجامعات ليست عودة إلى الماضي؟ إنها محاولة لاستعادة المستقبل.

 
 

Views: 3

الاخبار العاجلة