الحلقة14

جريدة جسر التواصل: الأكثرية يجمع على جمال اطلالتك واختياراتك ألوان وخياطة أزيائك التقليدية، كيف ترد عن هذا؟ ولماذا يرتدي “الحسين السطاتي” تلك الألوان الفاقعة؟
الحسين السطاتي: الحمد لله والشكر له، هذا من فضل ربي وبحكم تجربتي بصفتي كنت متعلم “صانع” خياط تقليدي وأزاول فنا تراثيا عريقا يحتفي بالزي المغربي التقليدي. ومن ناحية اختياري للألوان الفاقعة فإني أتعمد هذا ففن العيطة هو فن تراثي أصيل، فن بدوي رعوي، يعني نشأ في البادية وهي البيئة التي احتضنته، والمتن العيطي يتغنى بالجمال بصفة عامة ومنه جمال الطبيعة، وأنا أمارس فن “العيطة المرساوية”، الذي نشأ بسهل الشاوية وسط المغرب، بطبيعته الخلابة وسهله المنبسط، فالألوان الفاقعة تمثل تلك الألوان التي تكون في الحقول خلال فصل الربيع تحاكي الورود والأزهار البرية والفراشات الملونة، وتكون غالبا في الأراضي غير المحروثة ونسميها “الزنيكَة” ومن هذه النباتات المزهرة هناك: “الكركاز، والجمرة، وشقائق النعمان، والأقحوان..” لذلك تراني أوظف هذه الألوان في أزيائي التقليدية من جلباب وجبدور، وقفطان،وسلهام…وهذا المنحى تتبعه أغلب الفرق الموسيقية الفلكلورية الريفية عبر العالم.

جريدة جسر التواصل: ما هي الألوان المفضلة لديك في الملابس؟ وما هو نوع اللباس الذي تحبه؟
الحسين السطاتي: مزاجي متقلب حسب الظروف النفسية التي أمر بها، وحسب فصول السنة، والبيئة التي أكون متواجدا فيها، لكني غالبا ما أفضل الأزرق والأخضر الفستقي والبنفسجي، والألوان الزاهية المبهرة ألبسها في السهرات فقط، فهي تعطيني تميزا داخل الفرقة الموسيقية العيطية، كما تعطيني راحة نفسية. أما في حياتي العادية فأنا ألبس حسب نوعية العمل وظروفه، كل مكان له لباسه، كناك: لباس السوق الأسبوعي والتسوق، ولباس الفلاحة إن كنت في البادية في شغل فلاحي، وإن كنت في خرجة صيد لها لباسها، أما في غالب الأوقات بمقر سكني فإنني ألبس لباسا عصريا عاديا المهم أن يكون نظيفا ومنسقا، أما إذا كنت في ندوة صحفية أو مؤتمر صحفي فأفضل أن أكون في بذلة كلاسيكية كاملة بربطة العنق. ” كوستيم كومبلي”.
جريدة جسر التواصل:ما المدرسة الفنية التي تتبعها من أجل التمكن في فن العيطة؟
الحسين السطاتي: أتبع مدرسة “أولاد البوعزاوي”، وأشكر جزيل الشكر الفنان الكبير “شيخ لشياخ سي خالد ولد البوعزاوي”، على كل ما أعطاه ومازال يعطيه لفن العيطة، ففرقة “أولاد البوعزاوي” أعتبرها مدرسة فنية لفن “العيطة المرساوية”، مدرسة تعلمنا وسيتعلم فيها الأجيال القادمة هذا الفن التراثي الأصيل، أعطت الكثير ومازالت تعطينا فنا راقيا، هؤلاء الإخوة الفنانين محافظين على جمالية مظهر الفرقة الموسيقية وكلاسيكيات الفن العيطي المرساوي، أحاول تقليد الفنان “خالد ولد البوعزاوي”، في عزفه على الكمان “الكمنجة” وحتى في الحضور فوق الخشبة، وأنا أسير على خطاه حتى أحافظ على الطابع الأصلي لفن “العيطة المرساوية”. لكني أتجاوز التقليد إلى الخلق والإبداع، في الكلمات وفي العزف والأداء حتى أتفرد بنموذجي الفني الخاص بي.
جريدة جسر التواصل: كيف تُحضِر لكل سهرة مهرجان أو عرس أو حفلة خاصة؟
الحسين السطاتي: الحمد لله لذي تجربة موسيقية وتجربة عسكرية، وقد كنت سابقا رئيس فرق عسكرية، وكنت دركيا أتكلف أحيانا بمهام القيادة رئيسا للدوريات، فأنا دارس لبيداغوجية القيادة، لذلك فأنا أعرف كيف أتصرف في المهام الفنية المنوطة بي، وأعرف كيف أقود وأسير فرقة من الأشخاص، أما عن المهمة الموسيقية في عرس أو حفلة فهذا بالنسبة إلي شيء سهل وخاصة أنني عازف كمنجة، يكفي أن يحضر معي عازف على آلة “الأورك”، وأصحاب الإيقاع، والفنانات الراقصات “الشيخات” وأبدأ السهرة، وضروري من الاجتماع مع أفراد المجموعة وتدارس برنامج السهرة قبل يوم العرض الفني، وفي اللحظة الحاسمة نتوكل على الله ونبدأ الحفل حيت يتلاشى التوتر والخوف مباشرة بعد الوصلة الغنائية الأولى.
جريدة جسر التواصل: هل تشاهد نفسك مرة أخرى بعد السهرة وتنتقد نفسك؟
الحسين السطاتي: الحمد لله على نعمة العلم والتطور التكنولوجي، صار التسجيل بالفيديو متاحا في أي زمان ومكان، بفضل الوسائل التكنولوجية والرقمية، وأضحى التوثيق موجودا ومتوفرا وقد تُنقل سهرتي مباشرة من مدشر في البادية إلى أقصى مدينة في العالم، وصار اليوم كل تجمع أو حفل محاط بعدد من الهواتف النقالة تنتظر الفرصة للتصوير والتسجيل، سواء بحسن النية أو بسوئها، لهذا فأنا أحرص أن أقدم الأحسن والأجود وأن أكون في أحسن ما ينبغي أن أكونه، مع اتخاذ الحيطة والحذر، وأوصي أفراد مجموعتي بهذا كي يعون جيدا بما يقومون به من تصرفات أتناء العمل الفني، ومن أفعال قد تكون منافية للآداب.، وبعد كل حفلة أو سهرة أعيد التفرج في بعض الفيديوهات وأركز على الأخطاء والملاحظات، وأناقشها مع أفراد المجموعة كما أطلب من أصدقائي أن ينتقدوا النقائص، لتجنبها في المرة القادمة.
جريدة جسر التواصل: هل كان لشخص معين دور كبير في تحبيب العيطة إليك؟
الحسين السطاتي: الدور الكبير كان لأخي الأكبر مني بسبع سنوات “المحبوب عبد القادر”، وهو فنان شعبي عازف على آلة الإيقاع “البندير” وعلى آلة العود ومغني للعيطة، هو من ساعدني ماديا ومعنويا في بداية مشواري الفني، وعملت معه وعمري تقريبا خمسة عشر سنة بمجموعته تحمل اسم “أوركسترا الأفراح الشعبية” بمنطقة “سيدي معروف أولاد حدو” بمدينة الدار البيضاء. لكنه اعتزل العمل الفني واكتفى بعمله المهني حيث يعمل خياطا للأزياء التقليدية للنساء.
جريدة جسر التواصل:في مجال الأغنية الشعبية ما الذي يصنع النجاح الموهبة أم العلاقات العامة؟
الحسين السطاتي: النجاح الفني يصنعه العمل والجد والاجتهاد والذكاء، واستغلال الفرص التي تتاح وإن لم تتاح الفرصة على الفنان أن يصنعها، على الفنان أن يلم بفنه من كل الجوانب، ثم يستمر في الزحف إلى الأمام، الموهبة ضرورية، لكن وحدها لا تكفي ولابد من صقلها وشحذها، ثم يجب على الفنان تعلم فن التواصل والترويج لفنه، بما في ذلك التعامل مع الجمهور وربط العلاقات، فالنجاح خليط من التواصل والعمل الجاد والصبر والاستمرارية والتركيز على الهدف.
جريدة جسر التواصل: قبل احترافك للفن، درست واشتغلت بالوظيفة العمومية سلك الدرك الملكي، حيث اشتغلت أستاذا مدرسا ومدربا عسكريا لضباط الصف الدركيين بالقاعدة العسكرية ببن جرير، واشتغلت ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية ضمن حقل الضابطة القضائية بقرى ومدن عبر المملكة، وبعد تقاعدك عدت من جديد لفن العيطة، واشتغلت في ميدان الحلاقة، حدثنا قليلا عن هذا المسار المهني والفني الغني والمتميز؟
الحسين السطاتي : قبل أن أكون دركيا، كنت فنان شعبي مغني وعازف كمان “كومنجي لرباعة الشيخات”، حيث اشتغلت صيف سنة 1988 مع أخي “المحبوب عبد القادر” في مجموعة موسيقية تحت اسم “أوركسترا الأفراح الشعبية” بمدينة الدار البيضاء وبالضبط كان المقر بمنطقة “سيدي معروف أولاد حدو”، وفي صيف سنة 1991 أسست مجموعتي الغنائية تحت اسم “أوركسترا الحسين السطاتي”، وفي نفس الوقت كنت أساعده في حرفة الخياطة للأزياء التقليدية للنساء بالموازاة مع الدراسة، إلى غاية ربيع سنة 1994، حيث التحقت بالوظيفة العمومية سلك ضباط الصف للدرك الملكي، وبعد سنتين من التدريب العسكري والمهني حصلت على نقط جيدة ورتبة عالية وكفاءة في التكوين هذا حسب تقارير رؤسائي التي اطلعت عليها فيما بعد، فتم اختياري للتدريس والتدريب الدركي العسكري، خضعت بعد ذلك لتدريب وتكوين بيداغوجي، ودرست تلاميذ الدرك الملكي بمركز التكوين للدرك الملكي بالقاعدة العسكرية ببن جرير لمدة أربعة سنوات، فيما بعد التحقت للعمل ضمن عناصر الضابطة القضائية بالمراكز الترابية والقضائية، وكنت عنصرا نشيطا في عالم محاربة الجريمة، حيث تنقلت بين قرى ومدن مغربية، وخلال ربيع سنة 2016، حصلت على التقاعد النسبي بطلب مني، وعدت من جديد إلى محبوبتي ومعشوقتي الكمنجة والعيطة، ودرست وتكونت في مجال الحلاقة والتجميل، وحصلت على دبلومات وشواهد، وقمت بالاستثمار في مجال الحلاقة ..”السربيس خرج علي خير والله يخرج العيطة على خير”.
جريدة جسر التواصل: بعيدا عن الموسيقى، وبصفتك زوج وأب، هل تمارس العنف مع أبنائك وزوجتك؟
الحسين السطاتي: طبعا، الحياة عنيفة وقاسية وأنا عنيف، يمكنني أن أجيبك جوابا دبلوماسيا وأقول لك لا أستعمل العنف، وبأن التربية تكون باللين والحب والنصائح، لكني سأكون كاذبا ومنافقا، لهذا سأكون صريحا معك، أنا بدوي ريفي “عروبي”، وتشبعت بثقافة بدوية “سطاتية” منذ نشأتي، واكتسبت ثقافة من الحياة، بمعنى تعلمت من التجارب التي عشتها، تدربت وتكونت عسكريا، وصرت مدربا ومكونا للعسكريين، لهذا فشخصيتي مركبة ومعقدة، فيها الفنان الموسيقي والمسرحي والكاتب والشاعر الحالم، وفيها الخياط والحلاق، وفيها أيضا العسكري والمدرب العسكري والدركي ضابط الشرطة القضائية وضابط الشرطة التقنية العلمية وضابط المسح الجنائي الإجرامي، قلت لك كل هذا لتعرف أنني مدربا ومكونا على استعمال العنف وعلى القمع واستعمال الدكتاتورية، دكتاتورية الأب وذكتاتورية الرئيس والقائد المسؤول،، مدربا على استعمال التعذيب بل وحتى على القتل، لهذا فأنا أتعامل مع أسرتي بما في ذلك زوجتي وأبنائي بعفوية وتلقائية، وكل مرة بشخصية من شخصياتي التي تسكنني ردا على تصرفاتهم، وغالبا ما أكون ذلك الفنان الحالم الرومانسي البشوش الضاحك لكنني أنقلب إلى وحش شرس مجرم بل أحيانا مجرم خطير، وذلك حسب نوعية الخطأ وقد أقول حسب نوعية الفعل الإجرامي المرتكب من طرفهم، فيكون ردي عنيفا للعقاب وللردع والتوعية، والحمد لله إلى حد الآن هناك وسط واعتدال بين الرومانسية والدكتاتورية، وقد أعطت هذه البيداغوجية أكلها، والدليل على ذلك أن زواجنا استمر أكثر من ثلاثين سنة، والأبناء كلهم صالحين والآن هم راشدين بل كبارا، وكل واحد منهم يشق طريقه التي اختارها لنفسه،درسوا وتعلموا وتكونوا، ولكل واحد منهم شواهد ودبلومات وحرف، ولا أحد منهم يدخن أو يشرب خمرا، إذن الخطة ناجحة، كما دربتهم هم الآخرين على استعمال العنف في الوقت الذي يتطلب ذلك دربتهم حتى على الحرب في مواجهة المجرمين ومجابهة ظروف الحياة…
جريدة جسر التواصل: يقال أن الفنان عموما ما يبحث عن المرأة المثال، ومن الصعب على أية زوجة في الدنيا أن تكون في مستوى الفكرة المثالية الحالمة، التي يكونها الفنان للمرأة قبل زواجه منها، فما مدى صحة هذا القول في حياة “شيخ العيطة” والكاتب الفنان الحسين السطاتي؟
الحسين السطاتي: أنا لا أتفق مع هذا القول بتاتا، وأؤمن أن الكمال لله وحده، ولا يوجد شخص مثالي، كلنا ناقصون، لكننا نكمل بعضنا البعض، كما أؤمن بأن الزواج قسمة ونصيب وليست هناك وصفة سحرية لزواج ناجح، علينا أن نقنع ونرضى بما أعطانا الله سبحانه وتعالى، ونتحمل مسؤولية اختياراتنا، فزوجتي هي المرأة التي وهبني الله وأنا الذي اخترتها، إذن فهي أمانة في عنقي هي وأبنائي، وعلي أن أتحمل مسؤوليتي وأن أحافظ عليها وأشجعها وأعلمها وأساعدها وأحبها، هذا لأني مسلم، وبحكم تجربتي الزوجية التي تعدت ثلاثين سنة، الزواج أمانة ومسؤولية، محبة ومودة وتساكن وتغاضي وتسامح، وتنازل..وهكذا تسير عجلة الحياة الزوجية إلى الأمام. أعتبر زواجي ناجحا إلى حد كتابة هذه الكلمات، والغد علمه عند الله.
جريدة جسر التواصل: ما نصيحتك لابنك؟
الحسين السطاتي: ابني “محمد” الابن البار، الله يرضي عليه، سميته على اسم أبي رحمه الله وهو اسم نبينا ورسولنا سيدنا محمد صل الله عليه وسلم، ربيته تربية شبه عسكرية، هو ابني الأصغر،وهو مدربا رياضيا في فنون الحرب “كراتيه شوطوكان”، ورياضة كمال الأجسام، وحلاق ورياضي حارس مرمى لكرة القدم، الله يرضي عليه ويحفظه، ولا أرغمه على اختيار مسار حياته. أنصحه أن يعيش بالحب، يعيش بالأمل، يعيش بالتفاؤل ويقدر قيمة الحياة ويشكر الله في السراء والضراء.
























