التراث الشعبي

سعيد المفتاحي المقاربة التواصلية

 

روما إيطاليا :الشاعر والكاتب والأديب محمد الصقلي

 

لا أجدني بحاجة لسرد أو جرد مزايا ومؤهلات ومواهب هذا الرجل وهي مختلفة ومتعددة، ولا للإطراء أو للإشادة بمساعيه الحميدة، وهذا تحصيل حاصل، بقدر ما سأحاول التركيز على طبيعة وأبعاد المباردة التواصلية في مشروع سعيد المفتاحي، مؤملا أن أوفق في هذا المسعى.
إذا كان الملحون ملتقى طرق، فهو أيضا مفترق. وكل وما يعشقون، ولكل وجهته، والغاية طبعا ليست واحدة. هناك من جهة، من تألفت قلوبهم على عشق هذا التراث الذي يتفرد به المغرب دون بقية الأقطار العربية، كما وشهد بذلك الروائي المصري جمال الغيطاني معبرا عن انبهاره بهذا الفن معنى ومبنى. وهناك من جهة ثانية من تألب جشعا وطمعا ليحقق بذلك مكاسب ذاتية ومنافع شخصية. الملحون كما يحلو لسعيد المفتاحي تسميته هو بحق ديوان المغاربة. و للحقيقة فبلدنا لم يكن يوما بيئة شعر لأن الفصيح لم يتجاوز دائرة النخب وردهات السلطة، بينما فنون القول الزاجل بفروعه ومشتقاته انبثقت من تربة المغرب عمقا و جذورا، ما بين سهول تافيلالت وحواضر مراكش وفاس، ومن مكناسة وسلا إلى تارودانت فالصويرة وأسفي، دون استثناء أزمور.. ولعل الباحث المدقق في نبوغ المغاربة في فنون القريض حصريا بالعامية قد لا يجد كبير عناء بأن ما اجترحه فطاحل شعر الملحون بدءا من الشيخ الجيلالي متيرد حتى شيخنا المعلمة أحمد سهوم، يتفوق بشكل واضح على المتن الفصيح، ليس فقط من حيث عمود الشعر وأغراضه، بل أيضا باستحداث موازين جديدة خارج عروض الفراهيدي،وهذا أمر لا مراء فيه. والذين يركبون الطرح القائل بأن الملحون هو إبداع شعبي ربما جانبوا الحقيقة، نعم هو شعبي من حيث انتشاره وسعة تداوله .. لكنه يبقى أحد أهم ركائز ثقافتنا العالمة، فشعراؤه والعديد من أبرز أعلامه ورموزه منهم من كان من العامة والحرفيين ومنهم الخواص وعلية المجتمع وأيضا ولم لا السلاطين وأيضا الصلحاء ورجال التصوف. والقاسم المشترك بين هؤلاء بدون استثناء أن كان لديهم اطلاع يتفاوت في أهميته كل حسب موقعه في المجتمع على المتون والعلوم والمعارف السائدة والمتداولة في عصرهم. واستقراء المتون من كلام الملحون وتراجم أعلامه خير شاهد على ذلك.


بالمحصلة وبعد حوالي ستة عقود زمنية على استقلال المغرب نقف على حقيقة مؤسفة وهي أن هذا التراث بدأ يتوارى وهنا ينتصب السؤال التالي: أي موقع لهذا التراث في برامج الدولة والحكومة بالمقام الأول؟ ناهيك عن وزارتي الثقافة والإعلام، ولم لا المناهج التعليمية، وبالتالي ما موقعه في القطب السمعي البصري والمحطات الإذاعية؟ لقد تراجع هذا التراث بالفعل من قاعدة الاهتمام الشعبي الواسع في الحواضر لينحصر في دائرة نخب وجمعيات محدودة التأثير ومن ثم فالقائمون على البعض منها انصرف همهم إلى أغراض الانتفاع والتقرب من السلطة وابتغاء الشهرة لا غير. من هنا أيضا يتعين أن تكون لنا الجرأة الكافية كي نعترف أن التخلي عن الملحون بوصفه دعامة أساسية ومقوم رئيسي في ثقافتنا العالمة، هو ما يعني التفريط بثقافة الهوية، وبالذاكرة العامة للمجتمع والتي هي ملك الأمة وأحد مقومات حضارتها وإشعاعها. ففي وقت نلاحظ فيه بما لا يدع مجالا للشك تقاعس كافة الفاعلين وعقم برامجهم ، تنهض همم رجال ندروا أنفسهم وحياتهم وجهدهم اليومي للنهوض بهذا العبء الثقيل، عبء إنقاذ ما يمكن إنقاذه.. وهنا يتصدر المشهد ما يمكن أن نصطلح عليه بمشروع المقاربة التواصلية لسعيد المفتاحي ، هذا المشروع الطموح الفاعل الذي ينبري لكسر جدار الصمت و الجمود والتخاذل، وذلك للمضي قدما وبإصرار في مبادرته الإنسانية المعرفية الإنـتربولوجية، االهادفة إلى إعادة الروح لهذا التراث الذي اخترمه النسيان إلى أن بات أثرا بعد عين. ومجرد رميم .. المشروع انطلق من طموح شاب قاده الولع إلى امتياح المعين العذب الزلال من حياض مشايخ ربما كان أغلبهم في منحدر العمر، وخريف الحياة، وكان له أن يتفقد درر ويواقيت هذا الديوان الآيل للاندثار في مظانه، لدى كل مولوع أو حافظ أوباحث أومردد أو جماع . ولحسن الحظ أن كان لمكناسة العامرة برجالاتها أن وفرت له المرجعية المعرفية التي فتحت أمامه أفاق البحث والتنقيب والتقصي، ومن ثم توسعت دائرة اهتمامه. وكان طبيعيا أن يصطدم مشروع سعيد المفتاحي بعراقيل ومثبطات، إذ هو منذ البداية لم يقف طموحه فقط عند مجرد مطرب يتلمس منفذا إلى الشهرة بين ردهات البيروقراطية المخيفة، أو أن ينتهي إلى ما انتهت إليه أجيال من الشباب بأن تحولوا إلى مطربي أعراس أو مناسبات، أو نجوم كباريهات. وجد نفسه أمام تلكم المهمة المؤجلة الجليلة المنذورة للتسويف وللتنصل وحتما اللامبالاة، لكن أية مهمة هي؟ وما طبيعتها وأبعادها والقصد من ورائها؟ ثم ماهي يا ترى مؤهلات الرجل كي يضع نفسه في مواجهة مسؤولية لا قبل له بها؟ وإنما هي من صلب مسؤوليات الدولة . كان أن أفضت به دروب الحياة إلى المهجر، حاملا معه بذرة المشروع التي لم يجد لها التربة الصالحة في طينة الوطن… ورب مهجر أرحم من وطن. كيف إذن تمكن الرجل من اجتياز امتحان الغربة بنجاح، كيف تأتى له تأمين العيش الكريم و تثبيت أقدامه على قاعدة متينة ليتيح لنفسه ولأفكاره المتمسكة بعذريتها أن تشهد النور وأن تنمو وأن تنحت لها حيزا مشهودا على أرضية واقع تتناهبه رياح التغيير. كيف إذن لسعيد المفتاحي أن يقدم على الخطوة الأولى، كيف له أن يجد أذنا صاغية، كيف سيقدم نفسه في المغترب، هل هو مطرب ملحون هل هو شيخ شجية، هل هو باحث موسيقي، وتتناسل التساؤلات. وكان لزاما أن ينفق جهدا غير يسير في التصدي للإجابة على كل هذه التساؤلات. كان لزاما أيضا أن يتسلح بعدة وعتاد المثقف ليس المثقف العاشق فقط بل المثقف العضوي الذي يلتمس الأسباب ويطرق الأبواب ولا تعوزه الحجة في الدفاع عن مشروعه وشرح أهدافه ومراميه، كي يجتذب المخاطب إلى الاقتناع بجدوى ما يدعو إليه.
هي مداخل متعددة ومختلفة ولا يتسع المقام للإحاطة بها، ليس هنا مجال استقصائها أو استعراض البعض منها، .. فكيف يا ترى اهتدى سعيد المفتاحي إلى الأبواب السحرية التي أفضت به إلى تسخير النت وإمكانياته الشاسعة الواسعة وهو فتح يتفرد به ولم يسبقه إليه أحد، ليدشن به انطلاقته الرائدة غير المسبوقة .. نعلم جيدا أن الأكاديمية الملكية في جهد محمود بادرت قبل سنوات إلى نشر مجاميع من دواوين أعلام الملحون وكبار رجالاته، وجدير بالتنويه أيضا ما قام به وزير الثقافة الأسبق محمد بنعيسي ممثلا في أنطولوجيات على أقراص مدمجة لكبريات القصائد، لكن بذات الوقت بات الكل يعلم ضعف المقروئية وتراجع الاهتمام بالكتاب بفعل عوامل أهمها الهجمة الإلكترونية. وهنا مربط الفرس إذ كان سعيد المفتاحي في مستوى التحدي حيث التجأ إلى آخر مبتكرات آليات الاتصال والتواصل فأنشأ مواقع ألكترونية متخصصة وشاملة لكافة فروع ومتعلقات تراث الملحون. بحيث يكون بإمكاننا أن نطلق على هذه البوابات العرفانية موسوعات من حيث كونها تتفرع على جل مباحث هذا الفن وأدبياته، من تراجم لرجالاته وفهرسة لبعض قصائدهم نصا ونماذج على الفيديو مما لا يطاله الحصر. ربما هناك جوانب تكاد تطغى على أخرى في هذا المشروع المتكامل، ولم لا نقول في شخصية هذا الفنان الكبير،غير أن كل جانب في الشخصية والمشروع معا، كما في التجربة عموما، يصر على خصائصه ومميزاته. فهل يهمنا هنا المطرب المنشد والتينوروهو تحديدا خريج المدرسة التولالية وضامن استمرارها، أم الشاعر شيخ الشجية مجترح القوافي، أم الباحث المحقق أم الناقد، وسبحان من جمع في الرجل ما تفرق في غيره، لكن الخيط الناظم هنا لكل هذه الملكات والمواهب والمؤهلات هوالمقاربة التواصلية، بما تتيحه لصاحب المشروع من إشعاع يتجاوز في مداه وأبعاده كل التوقعات. إذا كان الكثير من رجالاتنا قد أسدوا خدمات جلى لتراث الملحون على المستوى الأكاديمي والمعرفي، وهو ما بقي حصرا على الكتاب ومحدودية تداوله وإذا كان للغيوان وجيلاله ومعهم الشيخ الحسين التولالي فضل الدفع بجزء من هذا التراث إلى الواجهة، غير أن المقاربة التواصلية لسعيد المفتاحي تطمح لأكثر من هذا إذ هي تتوسل بلغة الحاسوب وأليات الشبكة العنكبوتية بجاهزيتها الفائقة عبر الفايس بوك واليوتوب لملامسة جمهور عريض من كل المشارب والأعمار والتطلعات، ليتأتى له بذلك أن يخرج كنوز هذا التراث من بين الزوايا والتكايا ولم لا الصالونات، وليشرع الأبواب عبر مدوناته أمام تعميم المعلومة ونشر المعرفة ، وهذا وأيم الله ليس باليسير ولا الهين أن يتمكن أي كان بوسائله الذاتية المحدودة من تحقيق بعض مما أنجزه هذا المبدع الذي اهتدى بجرعة عالية من الذكاء وبعد النظر إلى تجسيد مشروع رائد في بابه، آخذ في التطور ما فتئء يجتذب له المزيد من المريدين والزوار المتحمسين، ليشفي بذلك غليل المتعطشين إلى مزيد ارتشاف وارتواء من مناهل هذا الفن الذي يتصدر واجهة فنون القول في النبوغ المغربي، و ليستجيب بذات الوقت لاحتياجات البحث المعرفي والأكاديمي على مختلف التخصصات. وبالمحصلة فالمبادرة التواصلية لسعيد المفتاحي، عمل غير مسبوق وهو بذلك رائد في هذا الباب. وقل اعملوا…….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى