جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير الاستاذ عزوز شخمان جسر التواصل بفصول من روايته الرائعة “بهلوان الَكراج ” نحن اذ نقدمها للقارئ فاننا نقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام المغربي والعربي …
عزوز شخمان

حقوق الملكية الفكرية
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف، ولا يجوز استخدام أو تبادل هذا الكتاب جزئياً أو كلياً بطريقة غير شرعية سواء من خلال إتاحته للتحميل على مواقع الويب أو تبادله عبر رسائل البريد الإلكتروني، كما لا يجوز نسخ جزء من النص بدون إذن خطي مسبق من الكاتب أو الناشر.
*******************************************
إلى ساكنة الجوف وما تبقى من كينونات السطح
كادت الرواية أن تكون واقعية لولا وقوعها في عالم مواز
**********************************************
جدول المحتويات
على عتبة الخروج 1
بهلوان الكراج 33
الجوف 72
ناموس الأزمنة 82
المؤامرة وأخواتها 104
المهمة الأخيرة 118
معسكرات المدينة الفاضلة 127
تمهيد
الثالثة ما بعد منتصف الليل (دائما وابدا) حسب التوقيت المعياري المتوازي مع تفاهمات الأكوان…
كنت أعتقد -قبل أن افتح عيني من غيبوبتي الأخيرة- أنني من القلة التي أفلتت من كماشة الأخطبوط، فلم أشعر بالهلع حتى عندما تفاجأت بنفسي محشورا بين مزيج من الصفوف والخلائق، مرتديا -مثلها-نفس الزي الرسمي الموحد والمرقوم. أدركت كم هو الوقت آخذ في النفاذ بينما دائرة الحصار ممعنة في التقلص، وكذلك فرص النجاة. وحدها مشاعر الرفض القهرو-مغناطيسية، هي التي ظلت تحثني على السعي الى اعادة التواصل بيني وبين تلك “البقية المتبقية” من كينونات السطح.
كانت ملايين الصراصير والعناكب والجرذان تتقافز أمامي في تهافت متسارع داخل جوف احدى المخازن والمسرعات السرية الرابضة تحت الأرض، والتي كانت تحتكرها المقاولة عبر الكونية “زيطا”. وهي المقاولة العتيدة الوحيدة التي دانت لها السيطرة على شؤون الأرضين السبع في ذلك العهد الغامض من آخر أزمان عمر الأرض. وفي مكان غير بعيد داخل نفس المنشأة كانت قطعان الخراف و”الماعز الأليف” مطأطئة الرؤوس، ذاهلة عما حولها، ترمق ببلاهة ذاك المزيج من الخلائق والكينونات المتحولة المجهولة التي ما فتئت تواصل نواحها وسط مهرجان جهنمي من الأصوات المتوسلة اليائسة… والكل كان يرثي مصيره في معسكر الحشر الرهيب. كنت أتساءل عن مصيري الغامض وسط ذلك الحشد الجنائزي المهيب بينما كان ثمة خدر مباغت وغامض يواصل توغله في كياني وأنا أواصل توغلي الحتمي في سراديب الدوامة الجسرية الملغزة. تلك التي كانت أهم علامات عبوري إلى ملكوت الجوف. ثمة سؤال واحد كان يشغل بالي:
هل بات من الضروري اجتياز آخر تخوم الزمكان، واختراق عتبات البرزخ لاستكشاف خبايا “العصر الجديد” المتربص… الزاحف نحو السطح، ومعه أسرار مسوخ آخر الزمان؟
(1)
على عتبة الخروج
ولجت “المهبط” الرابط بين الطبقات السبع للكراج وكبست زر أحد الأرقام دون تركيز وأنا أغالب حيرتي المتصاعدة إزاء هويتي الجديدة التي فتحت عليها عيني في الآونة الأخيرة…
أمر ما.. مريب وفظيع حدث لي في غفلة. لقد صرت جزء لا يتجزأ من جوف غامض يكاد يبتلعني دون أن أدرك له قاعا أو أحدد له ماهية؟ آخر ما أتذكره من حياتي السابقة هي عندما كنت منغمسا في التهام واحد من الكتب المبهمة والمبعثرة في زوايا آخر شقة قطنت فيها قبل مغادرتي السطح. وكانت تلك الأكوام من الكتب المتنافرة الاحجام، والمتفاوتة الاعمار والمشارب هي أثمن ما كان لدي من أثاث ومقتنيات. فكيف وجدت نفسي فجأة في جوف هذا الصندوق الحديدي الكهربائي المستطيل الذي يتحرك بي نزولا نحو الأسفل؟ في مكان لا أعرفه وتاريخ لا أذكره؟ وكيف لي بتذكر من أكون؟ هل أنا حقا في جوف متاهة اللازمكان؟ أم ثمة ما هو أخطر من ذلك من التهمني عندما كنت منهمكا في التهام واحد من تلك الكتب الغامضة؟
كنت أحدث نفسي وأتساءل دون أمل في جواب مقنع. ما الذي يحصل معي بالضبط؟ حتى اللباس الباهت ذي اللون الواحد الذي يلتف حول جسدي لا ينبؤني الا باحتمالين اثنين، احلاهما أمر من الآخر.. إما أن أكون أجيرا كادحا داخل هذه البناية تحت الأرضية؟ وإما إنني سجين ومنفي في معتقل وجودي مجهول؟ لكن الأسوء من كل ذلك هو أنني صرت بلا ذاكرة؟
كان ذهني ما يزال منهمكا في البحث عن سبيل للخروج من ضباب حيرته عندما أخذت مئات الصور والوقائع والرؤى المختلطة تنهمر تباعا على رأسي وبسرعة جنونية لم أستطع معها التقاط سوى مزيج من الحروف والكلمات المتلاحقة في شريط طويل من العناوين الغريبة التي أخذت تطرق راسي. وإذا بعناوين معينة تبدأ في الطفو الى سطح الذاكرة رويدا رويدا. كانت صور مستنسخة لعشرات، بل مئات الكتب تتراقص في مخيلتي بينما ينتابني إحساس جارف يضاهي إحساس رواد الفضاء العائدين من رحلاتهم السوريالية من الكواكب والمجرات البعيدة من الكون الموازي. كنت بدوري عائدا من رحلة طويلة وغامضة. ومعها ذكرياتي الطافية الى السطح بأمواج متدفقة ومتلاحقة من الأحداث والأفكار والشخصيات الغامضة والمريبة، أو -على الأقل- ذلك ما اعتقدته حينها. بدأت أدرك شيئا فشيئا حجم الورطة التي صرت فيها. إنني محتجز داخل واحد من تلك الكتب إياها، وبات علي الإسراع باكتشاف عنوانه ومحتواه وفك عقدته إذا ما اردت الانفلات من هذا الجوف اللعين قبل أن تحاصرني كائناته وشياطينه، وتلتهم ما تبقى من طاقتي وعنفواني. ولم يكن قد بقي الا القليل.
كنت أواصل جولتي وسط الكراج ترافقني تساؤلاتي الحارقة:
هل تحولت فعلا الى محتجز رسمي في زنزانة كتاب؟ وإذا كان الامر كذلك فإلى أية قائمة من قوائم شخصياته أمت بصلة؟ أتراني فاعلا أساسيا في سيرورة احداثه وجزء لا يتجزأ من عوالمه؟ أم أنني مجرد ظل سخيف من ظلاله الباهتة؟ ألا يحق لي الخروج عن النص والتمرد على دور من الأدوار لم تكن لي سيطرة عليها ولا رغبة أو شغف في أدائها؟ أليس لي الحق في تطبيق معاييري وممارسة قناعاتي وحريتي بعيدا عن مزاج أصحاب الكتاب؟
استفقت من ضباب أسئلتي المحيرة لأجد نفسي متوغلا داخل إحدى المتاهات الوجودية الموازية، فإذا بالمرآب يتراءى لي وكأنه جغرافية عجائبية هي امتداد لما يحدث داخل الكتاب وفي نفس الوقت تضاريس منفصلة عنه، ولكنها متماهية مع عالم جوفي يمتد هبوطا الى القاع. وهنا بدأ دوري يتغير الى أكثر من مجرد ضحية من الضحايا أو متهم من المدانين أو حتى سائح من المتجولين. لقد بت أعتبر نفسي واحدا من مخلوقات الجوف، أدب مع دبيبهم وأسعى ضمن سيرورة أحداثه بانسيابية وشفافية تضاهي الواقع الذي خبرته في حياة سابقة. وقتها، لم أكن لأميز ما بين واقع أو خيال، ما بين سطح أو جوف، أو ما بين ما هو داخل الكتاب وما هو خارجه! أصبحت بين بين.
كان عقلي منشغلا في فك هذه شيفرة هذا اللغز المستعصي وأنا أتنقل بين طبقات وأنفاق الكراج وكأنني في مراسيم وداعية لذلك الزمكان.. أدركت بشكل ما أنني أقضي آخر يوم لي في ذلك الجوف المعتم. هل كان حقا مجرد كراج؟ أم جوف كتاب؟ مهما يكن من أمر فقد واصلت جولتي الوداعية لذلك العالم الجوفي وذهني مكتظ بدهشة التساؤلات المريبة حتى بلغت الطبقة السفلية السابعة دون أن أنتبه للأمر!
يا للهول! هل تراني خرقت المحظور؟ هل صرت على عتبة أسفل سافلين؟ هل بلغت القعر؟ فإلى أي نوع من أنواع الجحيم تراني مقبل يا ترى؟ جحيم دانتي أليغييري؟ أم هنري باربوس؟ أرنستو ساباتو؟ أم دان براون؟ وما هي حقيقة الاهوال التي تنتظرني: وحوش ومسوخ لوفر كرافت ام شياطين عبد الله الحظرد؟ ونحو أية مدائن تراني أنجرف حثيثا دون سعي مني أو رغبة؟ أهي تلك المدائن المنسية والمطمورة؟ او الأخرى المنظورة والمحروسة؟ أم تلك التي بلا اسم ولا ساكنة بشرية؟
لقد أمسيت أخيرا في مواجهة أسوء مخاوفي.! لعل ما وراء تلك البوابات الخفية خلف الطبقة السفلية السابعة، يكمن الحد الفاصل ما بين الواقع والخيال.. المعلوم والمجهول.. الأنا والظلال الأخرى المتشاكسة في باطن الأنا.. هناك حيث يلتوي الماضي والحاضر على بعضهما البعض فيما يشبه صراع الأفاعي القاتل.. حيث يلتقيان دفعة واحدة ويختلطان ويتداخلان، ثم ينقض أحدهما على الآخر في اشتباك ضار بلا هوادة.. وأنا وسطهما مثل تلك الحشائش الرخوة التي تنسحق بصمت تحت رحمة رفسات الثيران المتناطحة… مرة أتلوى حيرة وألما كلما التويا ومرة أنزف كمدا كلما تلادغا؟ يا للهول! ليتني أغالب هول اللحظة بأقل الخسائر الممكنة عساني أتفرغ لتصفح ما خفي من فصول هذا الكتاب المحير، ( يتبع )
Views: 25
























