شرف عبدو:المغرب

لست الوحيد الذي كان يتذمر من سماع بائع النعناع وهو يصرخ صباحا”مول المليح باع وراح”لم يكن شيئا يذهب غير النوم،لكن اعتدت سماع ذلك الصوت وأصوات كثيرة هي الأخرى تنبعث من السويقة صاحب السمك،مي زهرة التي شارفت عقدها السبعين ولا زالت تبيع البيض،ولا تفوت حضور دروس محو الأمية حتى تستطيع قراءة رسائل ابنها حميد بإيطاليا،با البشير الذي يعيل أسرة بأكملها وحفيده الجديد من ابنته المطلقة،الناس هنا يقاتلون بشرف من أجل لقمة عيش ،قصص هؤلاء الأشخاص تجابه أغلى وأشهر الروايات،معاناتهم تتجاوز دراما بولييود الدماء هنا حقيقية،والدموع حقيقية،وحتى الطعنات حقيقية،في هذه السويقة توجد سوسيولوجيا شعب بأكمله،وبراديغما حيا للإصرار،هنا أكثر فضاعة وواقعية من وثائقيات الجزيرة،الغلبة هنا للأقوى للأذكى،لكن رغم هذا يوجد نوع من التعاطف،حتى المشاعر هنا حقيقية، الأغلبية لا يعرفون نطق كلمة الحب والبعض الآخر يستحي منها لكنهم حقا يجسدونها،يبيعون بحب ويعطون بسخاء،في هذه السويقة التي تقع أسفل الشرفة كنت آخذ أفضل الدروس ولو أن صوت بائع النعناع يوقظني إلا أنني اعتدت ذلك….،في الجهة المقابلة للسويقة تركن سيدة سيارتها تتقدم بخطوات حذرة تتجنب الإلتصاق بأحدهم،تحذر أحد الباعة أن يغسل يديه قبل أن يزن لها،يضحك عادل وهو يعض حبة من الخوخ،الفيروس الوحيد يا سيدتي هنا هو الفقر،الفيروس الوحيد هو هذا الشرخ الطبقي واللاتوازن في تقسييم الثروات،من بعد أن أنهى لها الطلبية كان قد ناقشها في الحركة الليبرالية وزحف الرأسمالية المتوحشة وفلسفة الشعوب،كان عادل نموذجا واحدا من بين الكثير من الشباب الحاملين للشواهد بهذه السويقة،غدت كل سنوات البحث والدراسة بقسم السوسيولوجيا مجرد أحاديث وفقط يمليها على زبون غريب عن هنا،أما أهل السويقة فلا يجيدون لغة دور كايم، لغة الكفاح هنا هي السائدة،ولن تطعمهم كلمات الجامعة الخبز بهذه الرقعة،كانت الحياة هنا تدار بقوانين خاصة وبفلسفة خاصة وبنظرة مغايرة، كانت الحياة من تحت الشرفة لدي أكثر اختصار لسنوات طوال لمحاولة دراسة سلوك مجتمع…
Views: 16























