نبوءات: حين لا يرى الإنسان ما تراه أمه في «نبوءات» للقاصة المغربية نعيمة السي أعراب، 

جسر التواصل6 سبتمبر 2026آخر تحديث :
  نبوءات: حين لا يرى الإنسان ما تراه أمه في «نبوءات» للقاصة المغربية نعيمة السي أعراب، 

عبد العزيز الخطابي
لا يبدأ الاصطدام حين تصطدم الشخصية بعربة نفايات أو بسيارة أو بدراجة. وإنما يبدأ في مكان أكثر عمقاً: في تلك المسافة الغامضة بين العين وما تراه، وبين الرغبة وما تسمح للعقل بأن يراه. فالقصة. التي تبدو في ظاهرها حكاية ساخرة عن رجل كثير الشرود. تتعرض حياته لسلسلة من الحوادث كلما انشغل بامرأة. سرعان ما تكشف عن بنية سردية تتجاوز الطرافة إلى مساءلة الإنسان في علاقته بالرغبة والذاكرة والاختيار والمصير.
منذ الجملة الأولى: «انتبه يا ولدي. أنت لا تبصر أمامك!» تضع الكاتبة مفتاح نصها في يد القارئ. إنها جملة تبدو في البداية مجرد تحذير أم لابنها في طفولته. لكنها سرعان ما تتحول إلى صوت داخلي يرافق الشخصية حتى بعد موت الأم. وهنا تتأسس المفارقة المركزية في القصة: الأم غابت. لكن نبوءتها بقيت؟ ذراعاها اللتان كانتا تنقذان الطفل من الاصطدام لم تعودا موجودتين. بينما ظل الاصطدام مستمراً في حياة الرجل.
ولذلك فإن «النبوءة» هنا ليست معرفة غيبية بالمستقبل. بقدر ما هي معرفة عميقة بطبيعة الإنسان. الأم لم تتنبأ بما سيحدث لابنها. وإنما كانت تعرفه. كانت تعرف أن الطفل الذي لا ينتبه لما أمامه قد يكبر وهو يحمل العجز نفسه. وأن المشكلة ليست دائماً في الأشياء التي تعترض الطريق. بل في عين منشغلة عنها.
هذه النقطة تمنح القصة عمقها الفلسفي الأول: الإنسان قد يمتلك القدرة على النظر. لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على الرؤية.
تختار نعيمة السي أعراب السرد بضمير المتكلم. وهو اختيار يخدم طبيعة الشخصية والحكاية معاً. فالقارئ لا يتلقى الأحداث من راوٍ عليم يفسر له كل شيء. وإنما يدخل إلى وعي شخصية مرتبكة. شاردة. تحاول باستمرار أن تفهم ما يحدث لها. وأن تجد تفسيراً لسلسلة المصادفات التي تتوالى في حياتها. ولذلك يبدو الراوي. في كثير من المواضع. غير موثوق تماماً؟ فهو لا يكذب على القارئ بالضرورة. لكنه لا يمتلك أيضاً القدرة الكاملة على رؤية نفسه.
وهذه واحدة من نقاط القوة الفنية في النص.
فالرجل يلوم دماغه وقدميه وحواسه، ويتساءل كيف سمحت له هذه الأجهزة كلها بأن يصل إلى مطرح النفايات، بينما يبدو للقارئ أن المشكلة أبسط وأشد قسوة: الرجل .ا ينتبه. إنه يبحث دائماً عن تفسير خارجي لما هو. في جانب كبير منه. نتيجة مباشرة لطريقته في النظر والحياة.
ومن هنا يصبح الشرود في القصة أكثر من حالة ذهنية عابرة. إنه يتحول إلى قدر سردي. كلما غاب الرجل عن اللحظة الراهنة، اقترب من حادث جديد. وكلما انصرف بصره عن الطريق. ظهرت امرأة في ذاكرته أو مخيلته. وكأن الرغبة نفسها تتحول إلى قوة تعيد توجيه خطواته نحو الاصطدام.
وهنا تنجح القاصة في بناء علاقة ذكية بين الحاضر والماضي. فالاسترجاع لا يأتي بصورة اعتباطية. وإنما تستدعيه الحواس: الرائحة. والصوت. واللمس. والصورة. رائحة النفايات تعيده إلى الحاضر. وهدير المحرك يفتح باباً على حادث سابق. واللكمة تعيده إلى لحظة أخرى. بينما تظل الذاكرة تتحرك داخل الحاضر كما لو أنها ليست ماضياً منتهياً. وإنما حياة ثانية مختبئة تحت سطح اللحظة.
وهذا الاستخدام للذاكرة يجعل الزمن في «نبوءات» زمناً نفسياً أكثر منه زمناً خطياً. فالماضي لا يعود لأن الشخصية تريد استحضاره. وإنما لأن الحواس تستدعيه رغماً عنها. وبذلك يصبح الحاضر مجرد سطح هش تخترقه الذاكرة في كل لحظة.
لكن اللافت أن كل عودة إلى الماضي ترتبط بامرأة.
ريحان. ثم جنان. ثم وجدان، ثم في النهاية الجارة صاحبة الفستان الأحمر. النساء هنا لسن مجرد شخصيات ثانوية تحرك الأحداث. بل يشكلن جزءاً من البنية النفسية للبطل. فهو لا ينتقل من امرأة إلى أخرى فقط، وإنما ينتقل من صورة إلى صورة، ومن وهم إلى وهم. بينما يظل هو نفسه ثابتاً في مكانه.
وهذه هي المفارقة الأعمق في القصة: النساء يتغيرن. لكن الرجل لا يتغير.
ريحان تحمل عنفوان الشباب واندفاعه. وجنان تمثل النضج الذي يبحث عنه بعد خيباته. ووجدان تجسّد غواية الصورة واللحظة. بينما يأتي الفستان الأحمر في النهاية بوصفه إشارة إلى احتمال استمرار الدورة. تتغير الأسماء والأشكال، لكن آلية السلوك تبقى واحدة: انجذاب. شرود، غياب عن الواقع. ثم اصطدام.
وهنا يمكن قراءة أسماء الشخصيات النسائية نفسها بوصفها جزءاً من اللعب اللغوي الذي تمارسه القصة. «ريحان» يحيل إلى الرائحة والفتنة. و«جنان» يحمل ظلال القلب والداخل. و«وجدان» يحيل مباشرة إلى الشعور والعاطفة. وكأن الرجل لا يلاحق المرأة بقدر ما يلاحق ما تمثله له: الرائحة، والقلب. والوجدان. أي أنه يعيش في عالم تصنعه الرغبة قبل أن تصنعه الحقيقة.
ولعل المشهد الخاص بـ«وجدان» من أكثر مشاهد القصة دلالة على هذا العمى الداخلي. فالرجل يرى جمالها. شعرها الذهبي. قوامها. بريقها. لكنه لا يرى خاتم الخطوبة. إنه يرى ما يرغب في رؤيته. ويغيب عنه ما يجب أن يراه.
وهذه ليست مجرد مفارقة كوميدية. وإنما صورة دقيقة لطبيعة الرغبة حين تستولي على الوعي: العين لا تصبح عمياء، لكنها تصبح انتقائية. ترى الأشياء التي تخدم رغبتها. وتدفع الأشياء الأخرى إلى هامش الإدراك.
لذلك فإن النظارات التي يرتديها البطل تكتسب أهمية رمزية خاصة. فالنظارة يفترض أن تساعد على الرؤية، لكن قشور الطماطم تحجب عنه المشهد. إنه يمتلك أداة النظر، لكنه عاجز عن استعمالها في اللحظة المناسبة. وكأن الكاتبة تقول بصورة غير مباشرة إن المشكلة ليست دائماً في ضعف البصر، بل في طبيعة النظر ذاته.
قد يرى الإنسان الشيء ولا يدرك معناه. وقد يلتقط العلامة لكنه لا يقرأها. وقد يسمع التحذير ثم يواصل طريقه نحو الخطر.
وفي هذا السياق تأتي عربة النفايات لتتجاوز وظيفتها الواقعية. إنها ليست مجرد وسيلة تسببت في حادث مضحك. وإنما صورة ساخرة لنهاية سلسلة من الاختيارات التي لم يتعلم منها صاحبها. لقد قادته سلسلة الشرود إلى المكان الذي تُلقى فيه الأشياء التي فقدت قيمتها. وهذه المفارقة تمنح المشهد طاقة رمزية واضحة من دون أن تحوله إلى خطاب رمزي مباشر.
والسيارة القديمة التي يصطدم بها في حادث سابق تؤدي وظيفة مشابهة. فالصدأ، والخدوش. والانبعاجات. وآثار الحوادث القديمة. كلها تجعل السيارة أشبه بسجل مادي لتاريخ من الإهمال. وهي في الوقت نفسه صورة يمكن أن تُقرأ بوصفها انعكاساً لحياة البطل نفسه: أضرار متراكمة. أخطاء سابقة لم تُصلح. ومحاولات مكلفة لترميم ما كان يمكن تجنبه في الأصل.
لكن القصة لا تقع في فخ الوعظ المباشر. وهذه نقطة تحسب لها. فالسخرية هي التي تحمل الفكرة. والمفارقة هي التي تقوم مقام الحكم الأخلاقي. القارئ هو الذي يكتشف تدريجياً أن الرجل ليس ضحية كاملة للحوادث التي تطارده. وإنما شريك فيها.
وهنا تبرز قيمة الكوميديا في النص. إنها ليست ضحكاً من أجل الضحك. وإنما وسيلة لتخفيف وطأة سؤال أكثر جدية: لماذا يكرر الإنسان الخطأ نفسه ثم يتعامل مع نتائجه وكأنها قدر خارجي؟
إن «نبوءات» تنقل مفهوم القدر من المجال الغيبي إلى المجال النفسي والسلوكي. ما يبدو قدراً قد يكون أحياناً نتيجة منطقية لسلوك يتكرر. وما يبدو مصادفة قد يكون ثمرة طبيعية لطريقة ثابتة في العيش.
بهذا المعنى. يمكن أن تكون النبوءة الحقيقية في القصة هي النمط.
فالإنسان الذي لا يغير طريقته في النظر. لن تغيره الطرق التي يسلكها. والذي لا يتعلم من الاصطدام الأول. سيظل معرضاً للاصطدام الثاني والثالث. ولذلك فإن نهاية القصة لا تأتي بحل. وإنما تأتي بعلامة جديدة: فستان أحمر على حبل غسيل الجارة.
إنها نهاية ذكية لأنها لا تقول للقارئ إن حادثاً جديداً سيقع. وإنما تتركه يستنتج ذلك. دورة النبوءة تستمر. والرجل لم يتغير. لقد خرج من الحادث. لكنه لم يخرج من آليته النفسية.
ومع ذلك. فإن النص ليس فوق النقد. فالقصة في بعض مقاطعها تميل إلى الاستطراد والوصف التفصيلي أكثر مما تحتاجه القصة القصيرة. وبعض الجمل الطويلة كان يمكن تكثيفها من أجل الحفاظ على توتر السرد. كما أن البناء المتكرر للاسترجاعات. على الرغم من فاعليته في خلق الإيقاع الدائري. يجعل القارئ يتوقع الآلية قبل اكتمالها. وكان من الممكن منح كل استرجاع اختلافاً أكبر في الإيقاع أو طريقة الدخول والخروج منه. حتى لا يتحول التكرار من تقنية فنية إلى قالب ظاهر.
لكن هذه ملاحظات تحريرية لا تنال من جوهر التجربة. بل تكشف في المقابل عن نص يمتلك أساساً فنياً واضحاً يمكن تطويره بالمزيد من التكثيف.
أما اللغة، فتتميز بحضور الصورة والحركة والإيقاع. وبقدرة على الانتقال بين الوصف والسخرية دون انفصال حاد. وبعض التراكيب. مثل «آه من جنان ومن جنون جنان» تكشف عن حس لغوي يستثمر التشابه الصوتي في إنتاج الدلالة، لا مجرد الزخرفة.
ومن اللافت أيضاً أن الكاتبة لا تجعل الأم مجرد شخصية من الماضي. بل تجعلها صوتاً مستمراً داخل النص. موتها لا يلغي حضورها؟ بل ربما يجعله أكثر قوة. فالأم هي الشخصية الوحيدة التي كانت ترى قبل الجميع. وحين يتمنى البطل عودتها. فإنه لا يستعيد أمه فقط. وإنما يستعيد معها إمكانية الرؤية التي فقدها.
وهنا تصبح القصة. في أحد مستوياتها الأكثر إنسانية. حكاية عن فقدان اليد التي كانت تمنع السقوط. وعن الإنسان الذي لا يدرك قيمة من كان يحميه إلا بعد أن يصبح وحيداً أمام الطريق.
إن قوة «نبوءات» لا تأتي من غرابة الحوادث. وإنما من قدرتها على تحويل حادث بسيط إلى سؤال عن الإنسان. فالقصة تبدأ بتحذير طفولي وتنتهي بإشارة إلى خطر جديد. لكنها بين البداية والنهاية تضع أمامنا شخصية تتحرك في العالم بعينين مفتوحتين ووعي غائب.
وهذا هو جوهر المفارقة.
ليس أكثر ما يخيف في القصة أن البطل يصطدم، وإنما أنه لا يتعلم لماذا يصطدم.
ولذلك يمكن القول إن نعيمة السي أعراب تنجح في بناء قصة ساخرة ذات طبقة فلسفية واضحة، تجعل من «الرؤية» محورها الخفي: رؤية الطريق، رؤية الآخر. رؤية الرغبة. رؤية الذات، وأخيراً رؤية المصير. وكلما فشل البطل في واحدة من هذه الرؤى. كان الاصطدام أقرب.
في النهاية. لا تبدو «نبوءات» قصة عن رجل تطارده الحوادث. بقدر ما تبدو قصة عن إنسان يصنع جزءاً من قدره ثم يندهش منه. إنها تذكرنا. بسخرية مؤلمة. بأن المصير ليس دائماً شيئاً يأتي إلينا من الخارج؟ أحياناً يكون شيئاً نسير نحوه بأقدامنا، ونحن مشغولون بالنظر إلى مكان آخر.
وربما لهذا السبب تحديداً تبدو جملة الأم في بداية القصة أكثر من تحذير:
«انتبه يا ولدي. أنت لا تبصر أمامك!»
إنها الجملة التي تختصر القصة كلها. وتختصر الإنسان أيضاً: قد تكون أمامه العلامات، والتحذيرات، والتجارب. والذاكرة. وحتى النظارات. ومع ذلك يظل عاجزاً عن رؤية ما يقترب منه.
وهنا تتحول «نبوءات» من حكاية عن الاصطدام إلى سؤال عن البصيرة. ومن لعبة سردية ساخرة إلى مرآة صغيرة للإنسان حين يصبح أسير رغبته. وحين لا يعود يرى العالم كما هو. وإنما كما يريد أن يكون.
وهذه. في تقديري. هي القيمة الأدبية الأهم في قصة نعيمة السي أعراب: أنها لا تطلب من القارئ أن يصدق النبوءة. بل تدفعه إلى السؤال عما إذا كان الإنسان نفسه هو الذي يصنع نبوءته. ثم يمضي إليها بعينين مفتوحتين.

Views: 4

الاخبار العاجلة