· الكون والعدم: حين تعيد الفيزياء تعريف سؤال البداية 

جسر التواصلمنذ 9 دقائقآخر تحديث :
· الكون والعدم: حين تعيد الفيزياء تعريف سؤال البداية 

 بقلم ـ عبد العزيز الخطابي
منذ أن بدأ العقل البشري يتساءل عن أصل الوجود. ظل السؤال الأكثر جذرية هو: لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟ يبدو السؤال بسيطًا في صياغته. لكنه كلما اقتربنا من حدوده القصوى أصبح أكثر تعقيدًا. لأن كلمة «العدم» نفسها ليست ذات معنى واحد في الفلسفة والفيزياء. فحين تتحدث الفلسفة عن العدم المطلق. فإنها تشير. في أقصى معانيها. إلى غياب كل موجود: لا مادة. ولا طاقة. ولا حقول. ولا مكان. ولا زمان. ولا قوانين فيزيائية. ولا بنية يمكن أن تجري فيها الأحداث. أما حين يستخدم الفيزيائيون تعبيرات من قبيل «الفراغ الكمومي» أو «الخلق من لا شيء» في بعض النماذج النظرية. فإن المقصود يكون أكثر تحديدًا. وغالبًا ما يكون مختلفًا جذريًا عن العدم الفلسفي.وهنا تبدأ ضرورة التمييز. لأن كثيرًا من الالتباس الذي يحيط بأصل الكون نشأ من نقل المصطلحات الفيزيائية إلى اللغة الفلسفية دون الاحتفاظ بمعناها التقني. فالفراغ في نظرية الحقول الكمومية ليس غيابًا مطلقًا لكل شيء. وإنما هو حالة كمومية للنظام. وهي حالة تعرف ضمن إطار نظري يفترض وجود حقول وقوانين وبنية رياضية. ومن ثم فإن الحديث عن تقلبات الفراغ لا يعني. بالمعنى الدقيق. أن «أشياء تظهر من لا شيء» كما توحي بعض الصور التبسيطية الشائعة. وإنما يعني أن الحالة الكمومية للحقول لا تشبه الفراغ الكلاسيكي الساكن الذي تتصوره الفيزياء القديمة. لذلك لا يجوز الانتقال مباشرة من حقيقة أن للفراغ الكمومي خصائص فيزيائية إلى الاستنتاج الفلسفي بأن العدم قادر على إنتاج الوجود.
والأمر نفسه ينطبق على ما نسميه «الانفجار العظيم» فالمصطلح. رغم رسوخه في الثقافة العامة. لا يصف انفجارًا وقع في نقطة معينة داخل فضاء فارغ. وإنما يشير إلى تاريخ كوني كان فيه الكون المرصود في حالة أكثر حرارة وكثافة. ثم أخذ يتمدد ويتطور. وتدعم مجموعة واسعة من الأدلة الرصدية هذا التاريخ الحراري للكون. من بينها تمدده وإشعاع الخلفية الكونية الميكروي وتوزيع العناصر الخفيفة وبنية الكون واسعة النطاق. لكن نجاح النموذج في وصف المراحل المبكرة من التاريخ الكوني لا يعني أنه يمثل، في صيغته الحالية. وصفًا نهائيًا للحظة خلق مطلقة.
هذه النقطة مهمة لأن النسبية العامة. عندما نستخدمها لاستعادة تاريخ الكون إلى الوراء. تقود في بعض النماذج إلى ما يسمى «المتفردة». والمتفردة ليست بالضرورة نقطة مادية حقيقية جلس فيها الكون قبل أن يبدأ. بل هي في كثير من الأحيان إشارة رياضية إلى أن الوصف الكلاسيكي يصل إلى حدوده. حيث تصبح بعض الكميات التي يعتمد عليها الوصف غير منضبطة أو غير معرفة. ولهذا فإن القول إن «الكون بدأ عند متفردة» يتجاوز ما تسمح به النظرية إذا فُهم على أنه وصف فيزيائي نهائي لما حدث بالفعل. فقد تكون المتفردة. بدلًا من أن تكون بداية الوجود. علامة على أن علينا البحث عن نظرية أعمق تستطيع أن تصف الجاذبية في نظام كمومي.
وهنا تظهر واحدة من أعقد مشكلات الفيزياء المعاصرة: الجاذبية الكمومية. فالنسبية العامة تصف الجاذبية بوصفها هندسة ديناميكية للزمكان. بينما تصف ميكانيكا الكم المادة والحقول من خلال حالات كمومية. وفي الظروف العادية يمكن استخدام النظريتين في مجالاتهما المناسبة بدرجة مذهلة من النجاح. لكن عند الاقتراب من المقاييس والظروف التي يُتوقع أن تكون مهمة في الكون المبكر جدًا. لا يعود الفصل بينهما كافيًا. فالسؤال لا يصبح فقط: ما الذي كانت عليه المادة في بداية الكون؟ بل يصبح أعمق: كيف يمكن أن تكون هندسة الزمكان نفسها جزءًا من وصف كمومي؟
وهنا يجب أن نتوقف أمام كلمة «الزمن» نحن نميل. بحكم تجربتنا اليومية. إلى اعتباره خلفية ثابتة تجري داخلها الأحداث: هناك ماضٍ يسبق الحاضر. وحاضر يسبق المستقبل. لكن في النسبية العامة لا يوجد زمن كوني مطلق مستقل عن بنية الزمكان؟ فالزمان والمكان يشكلان معًا كيانًا هندسيًا ديناميكيًا. وإذا بلغنا نظامًا تكون فيه هندسة الزمكان نفسها بحاجة إلى وصف كمومي. فإن مفهوم الزمن الذي نستخدمه في الفيزياء الكلاسيكية قد لا يكون مفهومًا أساسيًا بالمعنى نفسه.
ولهذا فإن السؤال الشائع: «ماذا كان قبل الانفجار العظيم؟» ليس سؤالًا يمكن الإجابة عنه ببساطة بقولنا إن هناك حالة أخرى سبقت الكون. فكلمة «قبل» تفترض مسبقًا وجود ترتيب زمني من النوع الذي نعرفه. وإذا كان الوصف الكلاسيكي للزمن نفسه ناشئًا أو غير صالح عند الحدود القصوى. فإن السؤال عن «قبل» تلك الحدود قد يحتاج إلى إعادة صياغة. وهذا لا يعني أن الفيزياء أثبتت أن الزمن لم يكن موجودًا، كما لا يعني أنها أثبتت أن الزمن بدأ من العدم؟ إنما يعني أن تمديد مفهوم الزمن الكلاسيكي إلى مجال لا نملك فيه نظرية جاذبية كمومية مكتملة ليس أمرًا مشروعًا دون تحفظ.
في هذا السياق ظهر مقترح هارتل–هوكينغ للاحدود. الذي قدمه جيمس هارتل وستيفن هوكينغ سنة 1983 في بحثهما الشهير حول «دالة موجة الكون» حاول المقترح تقديم وصف كمومي للحالة الكلية للكون، مستخدمًا صياغة تعتمد على هندسات رباعية الأبعاد من نوع إقليدي في التكاملات المسارية. والفكرة الأساسية ليست أن الكون كان كرة صغيرة عائمة في «لا شيء» ولا أن النظرية أثبتت أن العدم أنتج الكون. وإنما أن الوصف الكمومي قد لا يحتاج إلى حد ابتدائي تقليدي للزمن يشبه النقطة التي نتخيلها عادة عندما نتحدث عن بداية الكون.
إن عبارة «بلا حدود» يجب فهمها في سياقها الرياضي. لا باعتبارها استعارة أدبية عن خلق الكون. فالمقترح يحاول اختيار حالة كمومية للكون بطريقة تجعل الهندسة عند الحد الابتدائي منتظمة وفق الشروط التي يعتمدها النموذج. بدل أن تكون هناك متفردة زمنية تقليدية. وفي بعض الصياغات والتقريبات يمكن أن يظهر من هذا الوصف سلوك شبه كلاسيكي لزمكان لورنتزي. أي الزمكان الذي نستخدمه في وصف الكون المتوسع الذي نرصده. ولذلك فإن «اللاحدود» لا تعني ببساطة «لا توجد بداية» بل تعني أن مفهوم البداية يأخذ شكلًا مختلفًا في الوصف الكمومي المقترح.
ومن المهم هنا ألا نخلط بين مقترح هارتل–هوكينغ ومقترح ألكسندر فيلينكن للنفق الكمومي. فهما ليسا صياغتين متطابقتين لنظرية واحدة. وإنما اقتراحان مختلفان بشأن الحالة الكمومية الابتدائية للكون. في تصور فيلينكن يظهر مفهوم النفق الكمومي. حيث يمكن وصف نشوء كون ذي خصائص معينة من خلال انتقال كمومي من حالة لا تحتوي على زمكان كلاسيكي بالمعنى المعتاد. وقد استخدم فيلينكن في هذا السياق تعبير «الخلق من لا شيء» لكن «لا شيء» هنا مصطلح تقني داخل نموذج محدد. ولا ينبغي مساواته تلقائيًا بالعدم الميتافيزيقي المطلق الذي تتحدث عنه الفلسفة.
وهذه نقطة حاسمة. فالنفق الكمومي ليس نفقًا ماديًا يعبره الكون من مكان إلى مكان. وليس حدثًا يمكننا تخيله كما نتخيل جسيمًا يعبر حاجزًا في مختبر. إنه مفهوم رياضي مستمد من ميكانيكا الكم ويستخدم في نماذج معينة لوصف الانتقال بين حالات كمومية. ولذلك فإن تحويله إلى عبارة صحفية من قبيل «الكون خرج من العدم عبر نفق» قد يكون جذابًا أدبيًا. لكنه غير دقيق علميًا.
بل إن المشكلة أعمق من ذلك كله. فإذا قيل إن الكون نشأ من حالة كمومية، فإن السؤال الفلسفي لا يختفي؟ بل ينتقل إلى مستوى آخر: لماذا توجد تلك الحالة الكمومية أصلًا؟ وإذا قيل إن القوانين الفيزيائية هي التي سمحت بظهور الكون. يمكن أن نسأل: لماذا توجد هذه القوانين؟ وإذا قيل إن الفراغ الكمومي هو الأصل. يمكن أن نسأل: لماذا يوجد الفراغ الكمومي وبنيته الرياضية؟ وهنا نكتشف أن بعض الصيغ الفيزيائية لما يسمى «الخلق من لا شيء» لا تجيب بالضرورة عن السؤال الميتافيزيقي: لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟
ذلك أن القانون الفيزيائي ليس عدمًا. والمعادلة الرياضية ليست عدمًا، والفضاء الكمومي ليس عدمًا، والفراغ الكمومي ليس عدمًا. كلها مفاهيم تفترض وجود إطار نظري وبنية من نوع ما. ولذلك فإن عبارة «من لا شيء» تحتاج دائمًا إلى سؤال إضافي: لا شيء بمعنى ماذا؟
إن هذا السؤال اللغوي ليس تفصيلًا ثانويًا؟ إنه يقع في قلب المسألة. فإذا كان «العدم» يعني غياب كل بنية. فلا يمكن ببساطة أن نتحدث داخله عن تقلبات أو احتمالات أو أنفاق كمومية أو قوانين. لأن كل هذه المفاهيم تفترض وجود بنية فيزيائية أو رياضية. أما إذا كان «العدم» يعني غياب الزمكان الكلاسيكي والمادة الكلاسيكية، مع بقاء إطار كمومي أو بنية رياضية تسمح بالوصف. فنحن لم نعد نتحدث عن العدم المطلق بالمعنى الفلسفي.
وهنا تظهر إحدى أهم فوائد التمييز بين السؤال العلمي والسؤال الفلسفي. فالفيزياء تبحث في البنية والديناميات والعلاقات القابلة للصياغة الرياضية. وتحاول الوصول إلى نماذج يمكن أن تنتج تنبؤات أو تتوافق مع المعطيات الرصدية. أما الفلسفة فتستطيع أن تسأل عن معنى المفاهيم نفسها: ما الزمن؟ ما السببية؟ ما الوجود؟ هل يمكن تصور العدم المطلق؟ وهل كل موجود يحتاج بالضرورة إلى سبب؟ هذه الأسئلة ليست متطابقة. حتى وإن كانت تتقاطع عند حدود علم الكونيات.
ولذلك فإن القول إن «العلم أثبت أن الكون جاء من العدم» يتجاوز الأدلة المتاحة، تمامًا كما أن القول إن «العلم أثبت أن الكون لا بد أن يكون قد سبقه شيء» يتجاوزها أيضًا. الموقف الأكثر صرامة هو الاعتراف بأن لدينا نماذج ناجحة للغاية لوصف الكون منذ مراحل مبكرة جدًا من تاريخه. ولدينا مقترحات نظرية مهمة تحاول الاقتراب من الحدود التي يصبح فيها الوصف الكلاسيكي غير كاف، لكننا لا نملك حتى الآن نظرية تجريبية مكتملة ومتفقًا عليها للجاذبية الكمومية تسمح لنا بالقول إننا نعرف بصورة نهائية ما الذي يحدث عند أصل الكون.
ومن هنا ينبغي أن نكون أكثر حذرًا في استعمال كلمة «البداية» فقد تكون هناك بداية للتاريخ الكلاسيكي الذي نستطيع وصفه، دون أن يعني ذلك أننا نعرف أنها بداية الوجود المطلق. وقد يكون الزمن الكلاسيكي نفسه مفهومًا ناشئًا من وصف أعمق، أو قد توجد بنية فيزيائية لا نملك بعد اللغة الرياضية المناسبة لوصفها. وهذه احتمالات نظرية، وليست حقائق مثبتة. ولذلك ينبغي إبقاء المسافة واضحة بين ما نعرفه وما نفترضه.
إن إحدى المفارقات العميقة التي تكشفها الفيزياء الحديثة هي أن البحث عن أصل الكون قد يقودنا إلى التشكيك في مفهوم «الأصل» نفسه. فإذا كان الزمن جزءًا من الكون. فقد لا يكون من الصحيح تصور الكون باعتباره حدثًا وقع داخل زمن أقدم منه. وإذا كان المكان جزءًا من هندسة الكون. فقد لا يكون من الصحيح تصور الكون باعتباره جسمًا ظهر داخل فضاء أوسع منه. وإذا كانت القوانين التي نصف بها الطبيعة جزءًا من البنية التي نحاول تفسيرها. فإن السؤال عن «سبب» وجودها قد يتجاوز الوصف الفيزيائي إلى سؤال فلسفي أكثر جذرية.
وهذا لا يعني أن العلم وصل إلى طريق مسدود. على العكس، فإن عدم امتلاك الإجابة النهائية هو بالضبط ما يجعل البحث في علم الكونيات الكمومي أحد أكثر مجالات الفيزياء إثارة. فالمطلوب ليس اختراع قصة عن اللحظة الأولى. وإنما بناء نظرية تستطيع أن توحد، بصورة متماسكة وقابلة للاختبار قدر الإمكان. بين مبادئ ميكانيكا الكم والجاذبية. وأن توضح كيف يظهر منها الكون الكلاسيكي الذي نرصده.
ربما يكون أعظم ما قدمته الفيزياء الحديثة في هذه المسألة أنها حررتنا من صورة بسيطة للكون باعتباره شيئًا وُضع داخل مكان وزمان جاهزين. فالزمكان نفسه أصبح موضوعًا للسؤال العلمي. والزمن لم يعد خلفية مطلقة. والفراغ لم يعد مرادفًا للعدم، والمتفردة لم تعد بالضرورة نقطة يمكن عندها أن نقول بثقة: «هنا بدأ كل شيء»
لذلك. فإن السؤال الأكثر دقة اليوم ليس بالضرورة: «كيف خرج الكون من العدم؟» بل يمكن أن يكون: «ما الوصف الفيزيائي الأعمق الذي يمكن أن يؤدي إلى ظهور الزمكان الكلاسيكي والكون المتوسع الذي نرصده؟»
أما السؤال الأبعد: «لماذا توجد هذه البنية الفيزيائية أصلًا؟ ولماذا توجد قوانين بدلًا من لا شيء؟» فإنه يبقى سؤالًا مفتوحًا على الحدود بين الفيزياء وفلسفة العلم والميتافيزيقا.
وربما تكمن المفارقة الأخيرة في أن العلم. كلما اقترب من أصل الكون، لا يجعل لغز الوجود أصغر، بل يعيد تعريفه. لم يعد الأمر مجرد البحث عن «لحظة أولى» على خط زمني. وإنما أصبح بحثًا في أصل الزمكان نفسه. وفي طبيعة الزمن. وفي معنى الحالة الكمومية، وفي الحدود التي يمكن عندها أن تحتفظ كلمات مثل «قبل» و«بعد» و«سبب» و«بداية» بمعانيها المعتادة.
إننا لا نملك حتى الآن جوابًا نهائيًا عن أصل الكون. ولا نملك دليلًا تجريبيًا يثبت أن الكون خرج من العدم المطلق. لكننا نملك ما هو أكثر أهمية من الإجابة المتسرعة: نملك معرفة متزايدة بحدود ما يمكن للفيزياء أن تقوله. وبالمسافة الفاصلة بين النظرية والحقيقة التجريبية. وبين الفراغ الفيزيائي والعدم الفلسفي.
وهنا ربما لا تكون أعظم فضيلة للعلم أنه يجيب عن كل شيء. وإنما أنه يعلمنا كيف نميز بين ما نعرفه، وما نستنتجه. وما نعتقده، وما لم نصل إليه بعد.
وفي السؤال عن أصل الكون. قد يكون هذا التمييز هو البداية الحقيقية للفهم.

 
 
 

Views: 5

الاخبار العاجلة