
بقلم: عبد العزيز الخطابي

في السياسة المغربية. هناك عبارات لا ينبغي أن تمر مثل سحابة صيف. لأنها حين تخرج من فم مسؤول حزبي كبير. وفي لحظة انتخابية دقيقة. لا تعود مجرد كلمات. وإنما تصبح إشارات تحتاج إلى قراءة ما بين السطور. ولعل عبارة نزار بركة. الأمين العام لحزب الاستقلال. حين تحدث عن أن الحكومة المقبلة لن تكون «حكومة المونديال» وإنما «حكومة الحكم الذاتي» واحدة من تلك العبارات التي تستحق أن نتوقف عندها طويلاً. لا لكي نحاكم الرجل على كلمة. ولا لكي ندخل في مزايدة وطنية لا يحتاجها المغرب. وإنما لكي نسأل السؤال الذي يتهرب منه الخطاب السياسي عادة: ماذا يريد السياسيون أن يقولوا للمغاربة عندما يتحدثون عن الحكومة المقبلة؟

هل يريدون حكومة تنزل مشروع الحكم الذاتي؟ أم يريدون حكومة تدير مرحلة سياسية جديدة؟ أم أننا أمام عنوان انتخابي آخر. يضاف إلى قاموس الشعارات التي تبدأ كبيرة في الحملات الانتخابية وتنتهي صغيرة أمام امتحان الواقع؟
ليس في الأمر أي خلاف حول مركزية قضية الصحراء في السياسة المغربية. ولا حول مكانة الوحدة الترابية في الوعي الوطني. ولا حول التطورات الدولية التي جعلت مقترح الحكم الذاتي في صلب المسار السياسي المتعلق بالنزاع. لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط. في الخطاب الانتخابي. قضية الدولة بمشروع الحزب. والثابت الوطني بالبرنامج الحكومي. وما هو استراتيجي بما هو انتخابي.
فالصحراء ليست ملكاً لحزب الاستقلال حتى يقدم نفسه باعتباره صاحب «حكومة الحكم الذاتي». وليست ملكاً لحزب آخر حتى ينافسه عليها في سوق المزايدات الانتخابية. الصحراء قضية دولة، وقضية شعب وثابت من ثوابت السياسة الوطنية. تعاقبت عليها الحكومات والأحزاب والبرلمانات. وظلت أكبر من أن تختصر في ولاية حكومية أو برنامج حزبي أو موسم انتخابي.
وهنا ربما يحتاج نزار بركة. وهو رجل سياسة واقتصاد قبل أن يكون وزيراً وأميناً عاماً لحزب عريق. إلى أن يشرح للمغاربة ماذا يقصد تحديداً بـ«حكومة الحكم الذاتي» فإذا كان يقصد أن الحكومة المقبلة ستشارك في تنزيل مشروع سياسي ومؤسساتي وتنموي في الأقاليم الجنوبية. فهذا أمر يحتاج إلى برنامج واضح. لا إلى عنوان سياسي فضفاض. أما إذا كان المقصود أن الانتخابات المقبلة ستدور حول من هو أكثر دفاعاً عن الصحراء. فهنا يحق لنا أن نسأل: وماذا عن المواطن الجذي لا ينتظر من السياسي أن يثبت له مغربية الصحراء. وإنما ينتظر منه أن يثبت قدرته على إدارة البلاد؟
لقد قال المرحوم الحسن الثاني عبارته الشهيرة: «الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه» وهي عبارة تختصر، في الوعي السياسي المغربي. معنى الانتماء والسيادة والوحدة الترابية. ولم تكن الصحراء في حاجة إلى حكومة موسمية لكي تكون مغربية. كما أن مغربية الصحراء ليست ورقة انتخابية توضع على طاولة الأحزاب كل خمس سنوات.
إن المغرب الذي دافع عن قضيته لعقود، والذي راكم خلال السنوات الأخيرة مكاسب دبلوماسية وسياسية مهمة. لا يحتاج اليوم إلى أن يحول قضيته الوطنية إلى منافسة حزبية حول من يستطيع رفع الصوت أكثر. بل يحتاج إلى الانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة البناء. ومن معركة تثبيت الموقف إلى معركة تحويل المكاسب السياسية والدبلوماسية إلى واقع مؤسساتي وتنموي واجتماعي.
وإذا كان مشروع الحكم الذاتي هو عنوان مرحلة جديدة. فإن السؤال الطبيعي ليس فقط: من سيحكم الصحراء؟ بل أيضاً: كيف ستُدار التنمية؟ كيف ستُبنى المؤسسات؟ كيف ستُوزع الاختصاصات؟ كيف ستُضمن العدالة المجالية؟ وكيف سيشعر المواطن في الأقاليم الجنوبية، كما المواطن في باقي مناطق المملكة. بأن الدولة لا تمنحه مجرد خطاب عن المستقبل. وإنما تمنحه مستقبلاً فعلياً؟
وهنا نصل إلى المفارقة التي تكشف شيئاً من أزمة الخطاب السياسي المغربي.
نحن نعيش زمناً تتحدث فيه الأحزاب عن المونديال والحكم الذاتي والمشاريع الكبرى والاستثمارات والمكانة الدولية للمغرب. بينما المواطن العادي يعيش زمناً آخر، زمناً يبدأ من فاتورة السوق وينتهي عند باب المستشفى. ويمر عبر المدرسة والكراء والنقل والعمل والإدارة.
السياسي يرى المغرب من أعلى. من منصة المؤتمرات واللقاءات والخرائط والمشاريع الكبرى. بينما المواطن يراه من أسفل. من جيبه. ومن راتبه. ومن ثلاجة بيته. ومن طابور المستشفى. ومن ملف ابنه العاطل. ومن فاتورة الماء والكهرباء. ومن الأسعار التي لا تنتظر البيانات الحكومية حتى ترتفع.
وهنا لا بد من سؤال صريح: ماذا يريد المواطن من حكومة 2026؟
هل يريد أن يسمع أن الحكومة ستكون «حكومة الحكم الذاتي»؟
أم يريد أن يعرف كيف سيعيش؟
كيف سيجد ابنه عملاً؟
كيف سيحصل على علاج دون أن يضطر إلى بيع ما يملك؟
كيف يرسل أبناءه إلى مدرسة تمنحهم تعليماً يفتح لهم أبواب المستقبل؟
كيف يستطيع أن يشتري المواد الأساسية دون أن يتحول آخر الشهر إلى معركة حسابية بين الراتب والفواتير؟
كيف يثق في الإدارة دون واسطة؟
كيف يطمئن إلى أن المال العام لا يتحول إلى غنيمة؟
كيف يصدق أن السياسة ليست طريقاً قصيراً إلى الثراء والنفوذ؟
هذه ليست أسئلة هامشية.
هذه هي السياسة نفسها.
لأن الدولة القوية ليست فقط الدولة التي تنتصر في الدبلوماسية. وإنما الدولة التي يستطيع مواطنها أن يعيش بكرامة.
والسيادة لا تُقاس فقط بحجم الخرائط. وإنما أيضاً بقدرة الدولة على حماية مواطنيها من الفقر والتهميش والفساد والريع.
ومن هنا. فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الأحزاب هو أن تجعل القضايا الوطنية الكبرى جداراً يحتمي خلفه الأداء الحكومي من النقد.
لا أحد يختلف مع الدولة حول ثوابتها.
ولا أحد يمنح الأحزاب حق احتكار الوطنية.
وإذا كان المغرب قد حقق مكاسب مهمة في قضية الصحراء. فإن هذه المكاسب ينبغي أن تمنح السياسة الداخلية مزيداً من الثقة والجرأة. لا مزيداً من الخوف من مساءلة الحكومة.
لقد أصبح من الضروري أن نفصل بين شيئين: الدولة والحكومة.
الدولة لها ثوابتها واستراتيجياتها ومصالحها العليا.
أما الحكومة فهي جهاز تنفيذي منتخب. له برنامج وميزانية ومسؤولون. ويجب أن يخضع للمساءلة والحساب.
وحين ننتقد الحكومة بسبب الغلاء أو البطالة أو الفساد أو ضعف الخدمات. فنحن لا ننتقد الدولة.
وحين نسأل الحزب عن حصيلته. فنحن لا نسأل الوطن عن وطنيته.
وحين نطالب الوزير بالرحيل لأنه فشل في مهمته. فنحن لا نطالب الدولة بالرحيل.
هذه البديهيات أصبحت في حاجة إلى استعادة في زمن تختلط فيه السياسة بالدعاية. وتتحول فيه الانتخابات أحياناً إلى موسم لتبادل الوطنية بدلاً من تبادل البرامج.
أما المونديال. فله قصته الأخرى.
لا شك أن كأس العالم 2030 فرصة تاريخية للمغرب. وأن الاستعداد لها يمكن أن يسرع مشاريع البنية التحتية والنقل والسياحة والاستثمار. وأنها فرصة لإظهار صورة المغرب للعالم. لكن المونديال. مهما كان عظيماً. يبقى حدثاً له بداية ونهاية.
أما الدولة فباقية.
والحكومة التي ستشرف على المونديال لن تختفي معه.
والشباب الذين سيشاهدون المباريات سيبقون بعد آخر صافرة يسألون عن مستقبلهم.
والعامل الذي سيعمل في ورش المونديال سيعود بعد انتهاء الورش إلى السؤال نفسه: ماذا بعد؟
لهذا لا ينبغي أن تكون الانتخابات المقبلة انتخابات المونديال وحده، كما لا ينبغي أن تكون انتخابات الحكم الذاتي وحده.
ينبغي أن تكون انتخابات المغرب الذي يأتي بعد المونديال. والمغرب الذي يأتي بعد مرحلة التحولات الكبرى في قضية الصحراء.
وهنا يصبح التحدي الحقيقي أمام الأحزاب المغربية أكبر بكثير من رفع الشعارات.
المطلوب برنامج اقتصادي واجتماعي حقيقي.
المطلوب حكومة تعرف كيف تحارب الفساد دون أن تحول مكافحة الفساد إلى شعار.
المطلوب حكومة تواجه الريع بدل أن تعيد إنتاجه.
المطلوب حكومة تجعل الاستثمار وسيلة للتنمية وليس مجرد أرقام في التقارير.
المطلوب حكومة تعيد للسياسة معناها. وللانتخابات قيمتها. وللمواطن ثقته.
فالمغربي الذي يصوت لا يريد أن يسمع فقط من سيدافع عن الصحراء. لأنه يعرف أن الصحراء قضية وطنية لا تحتاج إلى مزاد انتخابي.
يريد أن يعرف من سيدافع عن حقوقه هو.
من سيدافع عن راتبه.
من سيدافع عن صحته.
من سيدافع عن تعليم أبنائه.
من سيدافع عن حقه في الشغل.
من سيدافع عن حقه في العيش الكريم.
ومن سيدافع عن المال العام عندما تمتد إليه أيدي الفساد والريع.
وهنا تصبح عبارة «حكومة الحكم الذاتي» بحاجة إلى إعادة صياغة.
إذا كان المقصود بها حكومة تضع الحكم الذاتي ضمن مشروع الدولة الاستراتيجي، فهذا مفهوم.
أما إذا كان المقصود حكومة تجعل الحكم الذاتي بديلاً عن البرنامج الاجتماعي والاقتصادي. فهذا غير مقبول.
لأن المغرب يستطيع أن يدافع عن صحرائه ويبني مستشفياته.
ويستطيع أن ينجح في الدبلوماسية ويحارب الفساد.
ويستطيع أن ينظم كأس العالم ويخلق فرص العمل.
ويستطيع أن يقوي مكانته الدولية ويقوي في الوقت نفسه قدرته الشرائية.
ليس مطلوباً من المواطن أن يختار بين الوطن والخبز.
ولا بين الوحدة الترابية والعدالة الاجتماعية.
ولا بين المونديال والمستشفى.
ولا بين القوة الدبلوماسية والكرامة الاجتماعية.
الدولة التي تستطيع أن تفعل ذلك كله هي الدولة التي تستحق أن يثق بها المواطن.
أما الأحزاب. فعليها أن تفهم أن زمن الخطاب الكبير دون حصيلة صغيرة لم يعد كافياً.
المغربي اليوم أكثر وعياً مما يعتقد بعض السياسيين.
إنه يرى المشاريع الكبرى. ولكنه يرى أيضاً ثمنها.
يسمع الخطابات. ولكنه يقارنها بحياته اليومية.
يشاهد الاحتفالات. ولكنه يعود بعدها إلى واقعه.
ولهذا فإن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد منافسة بين أسماء وأحزاب. وإنما ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الطبقة السياسية على إقناع المواطن بأن السياسة ما زالت قادرة على تغيير حياته.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل البرامج الانتخابية هو سؤال واحد:
ماذا ستفعلون من أجل المواطن؟
ليس ماذا ستقولون عن المواطن.
ولا ماذا ستقولون عن الوطن.
بل ماذا ستفعلون من أجل المواطن والوطن معاً؟
إن الوطن ليس خريطة فقط. والمواطن ليس رقماً في سجل انتخابي.
الوطن هو السيادة والذاكرة والتاريخ. ولكنه أيضاً مدرسة ومستشفى وشارع نظيف وإدارة نزيهة وشغل وكرامة.
والسياسة التي لا ترى هذه الحقيقة تبقى سياسة ناقصة مهما كان ارتفاع خطابها.
لذلك. إذا كان نزار بركة يريد أن يسمي الحكومة المقبلة «حكومة الحكم الذاتي» فمن حق المواطن أن يضيف إليها اسماً آخر:
حكومة المواطن.
لأن الحكم الذاتي. في نهاية المطاف. مشروع دولة.
والمونديال مشروع دولة.
أما الحكومة. فهي في الأصل حكومة الشعب.
وإذا نجحت في تنزيل المشاريع الكبرى وفشلت في تحسين حياة المواطن. فإن التاريخ لن يسألها فقط عما أنجزته في الخرائط والملاعب والطرق. بل سيسألها عما تركته خلف أبواب البيوت.
لقد آن الأوان أن تتوقف الأحزاب عن البحث عن عناوين كبيرة تختبئ خلفها. وأن تبحث بدلاً من ذلك عن إجابات كبيرة لمشاكل صغيرة في ظاهرها، لكنها في حياة المواطن هي كل شيء.
فالسياسي يستطيع أن يرفع شعار الحكم الذاتي.
ويستطيع أن يتحدث عن المونديال.
ويستطيع أن يتحدث عن المغرب الصاعد والقوة الإقليمية والاستثمارات الكبرى.
لكن المواطن سيعود في المساء إلى بيته. وسيفتح محفظته. وسينظر إلى ما تبقى من راتبه، ثم يسأل السؤال الذي لا يستطيع أي شعار أن يسكتَه:
وماذا عني أنا؟
وهذا هو السؤال الذي يجب أن تبدأ منه انتخابات 2026.
ليس: من هو الأكثر وطنية؟
ولا: من سيحكم باسم المونديال؟
ولا: من سيحكم باسم الحكم الذاتي؟
بل:
من يستطيع أن يجعل المواطن يشعر بأن المغرب الذي يزداد قوة في العالم. يزداد عدلاً أيضاً في الداخل؟
تلك هي الحكومة التي نحتاجها.
حكومة الدولة حين يتعلق الأمر بالثوابت. وحكومة المواطن حين يتعلق الأمر بالحياة.
أما غير ذلك. فليس سوى عناوين انتخابية جميلة، سرعان ما يطويها الناخب حين يغلق باب صندوق الاقتراع.
Views: 0







