قصيدة’وَحْدَها النَّوافِذُ..) لمحمد بلمو

جسر التواصل10 أبريل 2020آخر تحديث :
قصيدة’وَحْدَها النَّوافِذُ..) لمحمد بلمو

محمد بلمو

وَحْدَها النّوافِذُ

تشْرعُ أبْوابَها

لَفظَتْ حَمولَتَها الشّوارِعُ في البَيوتِ

كيْ تَطْمئِنَّ عَلى صَمْتِها العَجيبْ

تَتأمّلُ السّياراتِ المركونةً على عَجَلٍ

غارِقةً في شَخيرٍ

غَيرِ معْهودْ

ومحَطّاتُ الوَقودْ

نعَم مَحطّاتُ الوقودِ

لمْ تُصدِّقْ أنّها شِبهُ عاطِلةٍ

لمْ تُصدِّقْ أنّها لمْ تعُدْ قَدرًا هيَ التي اسْتعْصَتْ على دعواتِ مُقاطعةٍ

لمْ تُصدِّقِ المَقاهي التي اسْتَسْلمَتْ لِكوابِيسِ النَّهارِ وأحلامِ اليقظةِ أنها في عُطلةٍ إجْباريةٍ

سَتشتاقُ لِرائِحةِ القهوة وَورَقِ الجَرائِدْ وعَرقٍ الزَّبائنِ وصراخِ الدِّرْبياتْ

وأنَّ النادلَ عَليْهِ أن يُدَبِّرَ لَا جَدْواهُ وخُبْزَ أطفالِهِ

إلى أنْ يَمُرَّ لَيْلٌ لَمْ يَأبَهْ بِوَفاءِ الشّمْسِ لِتقاليدِ الشّروقِ والغروبْ

 

 

وَحْدَها النّوافِذُ

تشْرعُ أبْوابَها

السّماءُ مَشْدوهَةٌ

لمْ تُصدِّقْ أنهَا زَرقاءُ على غيرِ عادتِها

زَرْقاءُ فعلا كَما كُنَّا نَشْتَهي

لمْ تُصدِّقِ الطيورُ أنها تُحَلِّقُ مُطْمَئنّةً

لا يُعكِّرُ بهْجَتها هدِيرُ الطائِراتْ

لمْ يصَدِّقْ حَمامُ السَّاحاتِ أنه تُرِكَ فجْأةً لجوعٍ القِططِ

لمْ تُصدِّقِ السُّحبُ القَليلةُ التي تَمرُّ مُسرِعةً

أنّها بيْضاءُ كالثَّلجِ

كأنّها اغْتسَلتْ لِلتَّوِّ في نهْرِ نَقيٍّ

لمْ يُصدِّقِ الهَواءُ أنّهُ عَليلٌ

خَفيفْ

لا تَشوبُهُ أدْخِنةٌ ولا عَكَّرتْ مِزاجَهُ الصَّعْبَ غازاتٌ مِن كُلِّ أنواعِ السُّمومِ

كأَنَّ المدينةَ اسْتعارتْه مِنْ قِمَّةِ جبلٍ شامخٍ

أوْ مِنْ كُرّاساتِ الخُضْرِ الحالمةِ

 

 

 

وَحْدَها النّوافِذُ

تشْرعُ أبْوابَها

وأنا أحْتَمي بِضَوْئِها

أسْتجيرُ بِهوائِها

لمْ أُصدِّقْ أنَّني لا أحْلمُ هذهِ المَرَّةَ

لا أحْلُمُ كَكُلِّ مرَّةٍ

وأنَّ عَلَيَّ أن أقيسَ خَطَواتي وأتسلَّحَ بَمنادِيلِ الورقٍ الكثيرةِ

كيْ أدْفَنَ رَذاذَ أنْفي في المهْدِ

كُلّما عَطسَتْ

لمْ يُصدِّقِ الضَّجيجُ المقيمُ أنّهُ اخْتَفى مِنْ هَلَعْ

لمْ يُصدِّقِ الدُّخانُ الوَقِحُ الذي هَرَبَ

أنَّهُ جَبانٌ ثَقيلُ الظِّلِّ

كَمْ هَدَّدَ سَقْفَ الأرضِ بِلَعْنَتهِ ورائِحَتُهُ كَمْ أربَكَتْ مِنْ دورَةِ دَمٍ مُنْهَكَةٍ

وأَنَّ الطَّبيعةَ تعْرفُ كيفَ ترُدُّ صفعاتِ رأسمالٍ جَشِعْ

 

وَحْدَها النّوافِذُ

تشْرعُ أبْوابَها

كي يمُرَّ الأوكسجينُ دُونَ عناءٍ

إلى أجسادٍ خائفةٍ وأرْواحٍ تُسَبِّحُ طوالَ الوقتِ

لمْ تُصدِّقِ المساجدُ أنَّ المُصلِّينَ ولُصوصَ الأحذيةِ هَجَروها رغْمَ وَفاءِ المُؤذنِ لمواعيدِ الصَّلاةِ

وانْفِلاتِ مَذْعورينَ يُهَلِّلونَ ذاتَ ليلةٍ

يُهَرْوِلونَ مِنْ فَزَعْ

لمْ تُصدِّقِ الحاناتُ أنها تَخلَّصتْ مِنْ عَرْبدةِ مَجانينِها

اشْتاقَتْ لِنغماتِ عازفِ الكمانْ

تَركَتْ كُؤوسَها تبْكي في ظلامٍ اليُتْمِ

جَلساتِ السُّكْرِ اسْتأْجَرتْها مؤقَّتاً

لِبعْضِ الشُّرُفاتِ الحَزينةِ

لمْ يُصدّقْ ماسِحُ الأحذيةِ أنَّ الأزقَّةَ مصْدومةٌ

لَفَظَتْهُ بلا عَملٍ

لَعلَّ الحُكومةَ لا تَنْسى قوتَ أُسْرتِهِ

لمْ يَصَدِّقْ سائِقُ الطّاكسي كيْفَ انْقَلبَتِ الأحوالُ

بِسُرْعةِ البَرْقِ

كيْفَ اخْتَفى المُسافِرونَ

تَضاعفَتِ المتاريسُ حينَ رخُصَ الكازوالُ

لمْ يَصَدِّقْ كيْفَ أنّهُ انْدَحرَ مثْلَ سَبّورَةِ القِسمِ

وبائعِ الخُرْدةِ والمسرحيُّ والمغَنّي

حينَ تسلّقَ الصّابونُ سُلَّمَ الأَوْلوياتِ

رفْقَةَ عَوْنِ السُّلطةِ والكُماماتْ

 

وَحْدَها النّوافِذُ

تشْرعُ أبْوابَها

كيْ أتَنفّسَ عَميقاً

كيْ أُرَتِّبَ فَوْرةَ أسئلَةٍ ليْستْ من خيالٍ مُجَنّحٍ

لمْ يُصدّقِ الأطْفالُ أنَّهُم هَجروا لُعَبَ أزِقَّتِهمْ

عَنْدَما اخْتَلطتْ عليهِمُ عُطَلٌ بالدِّراسةِ عَنْ بُعدْ

انْزَوَتْ كُراتُهُمْ حَزينةً بلاَ هدفٍ

بلا مرمىَ انطفأتْ نجومُهمْ

كاميراتٌ مجْنونةٌ اسْتَبْدَلتْ وِجْهَتها

لأنَّ المَلاعِبَ انْتَحَرتْ واللَّاعِبون على مَضضٍ

قَبلوا تَخفيضَ أُجورِهِمْ

إِلى أكْثَرَ مِنَ النِّصْفْ

لمْ تُصدِّقِ المدينةُ أنها اكْتشفتْ فَجأةً غيْرَتها مِنَ القُرى

انقلبَ تَيارُ الهِجْرَةِ على غَرْبٍ مَوْبوءٍ

تَهافتَ مُهاجِرونَ على قَواربِ مَوتٍ

كيْ يَعُودوا إلى دَواويرِ الفقرٍ المَنيعَةْ

 

 

وَحْدَها النّوافِذُ

تشْرعُ أبْوابَها

كي لا أخْتنقْ

كي أسْترٍقَّ النَّظَرَ في كُلِّ مرَّةٍ إلى سماءٍ تبتَعِدُ

لَمْ تُصدِّقِ الهواتِفُ الذَّكيةُ أنَّ شأنها يَعْلو حَيثُما نَزلَ سِعْرُ النَّفطِ والصَّرفْ

وأَنّها تُطيحُ بالعَرباتِ عنْ عُروشِها وتسْطُو شاشاتُها على أقْسامِ الدَّرسِ ونَشراتِ الأخبارْ

وَأنّها سَحَرَتْ بِلا هوادةٍ أصابعَ الصِّغارِ وعُقول الكِبارْ

لأنَّ القُبْلةَ أصْبَحتْ مَوْقوتَةً والاحتكاكَ قدْ يؤدي إلى مجْزَرَةٍ

وأنَّ لا طريقَ غيْرَها لِعيادَةِ الأحْبابْ

وأنَّ ذَوي البِذْلةِ البيضاءِ أهَمُّ

ورِجالُ النَّظافةِ أهَمُّ

مِنْ تَافهينَ اسْتَوْطَنوا واجهاتٍ بلا خَجلٍ

لمْ يصدِّقِ الرِّجالُ أنَّهمْ لنْ يُغادِروا كُلَّ صَباحٍ

وأنَّ عليهِمُ التَّأقْلُمَ معَ سَطْوةِ المطبخِ وغَسْلِ الصُّحونْ

ونَفْضِ الغُبارِ عنْ كتبٍ أعْياها الانْتِظارْ

والأبوابُ أقْفَلتْ أبْوابَها

كي لا تَتسلَّلَ كائناتٌ غامضةٌ

والرَّوائِحُ المُزْدحِمةُ اخْتفَتْ فجأةً

أفْسحَتِ الطّريقَ لنَسيمِ البحْرِ اليَتِيمْ

واسْتَراحَتِ الأرْصِفةُ مِن أحْذِيَةِ الرَّاجلينَ وعرباتِ الفواكهِ وبائعي السَّجائرِ وعِصاباتِ الحَشيشْ

 

وَحْدَها النّوافِذُ

تشْرعُ أبْوابَها

كيْ لا تَتوقَّفَ الحياةُ

لمْ تُصدِّقِ القِطاراتُ أنّها أصبحتْ بلا جَدوى

مَحطّاتُها نائِمةٌ دونَ أجِنْدَةٍ

وأنَّ الكونَ دَخلَ زمناً آخَرَ

اسْتبْدلَ سِكَّةَ الحديدِ بِطُرقٍ أخْرَى

وأنْظِمةِ تَنَقُّلٍ لمْ نَتَعوَّدْ عَليْهاَ

لمْ تُصدِّقْ مُخابراتٌ أنّها فَقدَتْ طَراوَتها

أوْ لعلَّها تَجرُّ العالمَ إلى فَخٍّ كيْ تَتخلَّصَ مِنْ عِبْءِ طاعِنينَ في السِّنِّ أو لِتَرويجِ سِلَعٍ جديدةٍ أو بِناءٍ على أَنْقاضِ تَدْميرْ

لمْ أُصدِّقْ أنهُ لا زالَ بإمكاني أنْ أَكتُبَ شِعرًا

حينَ فاضَ نَهْرُ الأسئلةِ في صَحْرائي

لمْ تُصدِّقِ العُزْلةُ أنّها لَمْ تَعدْ قَدرَ الشّاعرِ أَو حُرِّيتَهُ

إليْها هَربَ الجَميعُ بِلا اسْتِئذانٍ

خوفًا مِن وحْشٍ مِجْهَرِيٍّ

يَطرُقُ أبوابَ المُدُنِ في صَمتْ

…..

وَحدَها النوافذُ تَسْتحمِلُ حَماقاتِي

وحْدَها

النَّوافِذُ

تَسْتحْمِلُ

حَماقاتِ

العالَمْ

 

القنيطرة في 29 مارس 2020

الاخبار العاجلة