
عبد العزيز الخطابي

كلما اقترب موعد الانتخابات في المغرب. خرجت الأحزاب السياسية من سباتها الطويل كما تخرج بعض الكائنات الموسمية من جحورها بعد سنوات من الاختفاء. فجأة تمتلئ الشوارع بالملصقات. وتُبعث الوعود من قبورها. وتُفتح المقرات الحزبية التي ظلت مغلقة في وجه المواطنين طوال سنوات. ويكتشف السياسيون فجأة أن هناك شعباً يعيش خارج أسوار الفنادق وقاعات المؤتمرات.
إن المتتبع للشأن السياسي المغربي لا يحتاج إلى كثير من الجهد ليلاحظ أن الأزمة الحقيقية لم تعد أزمة انتخابات. بل أزمة ثقة عميقة بين المواطن والفاعل الحزبي. فالمغاربة لم يعودوا يسألون عن البرامج الانتخابية بقدر ما أصبحوا يتساءلون: هل ما زالت الأحزاب تؤمن أصلاً بما ترفعه من شعارات؟ وهل ما زالت قادرة على أداء دورها الطبيعي في التأطير السياسي والتربية على الديمقراطية والمواطنة؟
لقد تحولت بعض الأحزاب. للأسف من مؤسسات لصناعة الأفكار إلى شركات انتخابية موسمية. ومن مدارس لتكوين النخب إلى وكالات للبحث عن المناصب والامتيازات. لم تعد تناقش مستقبل المغرب بقدر ما تناقش مستقبل مواقعها داخل الحكومة أو المعارضة. أما المواطن. الذي يفترض أن يكون محور العملية السياسية فقد أصبح مجرد رقم انتخابي يظهر كل خمس سنوات ثم يعود إلى دائرة النسيان.
المفارقة الساخرة أن معظم الأحزاب تتحدث باستمرار عن الديمقراطية. لكنها تفشل أحياناً في ممارستها داخل هياكلها التنظيمية. تتحدث عن الشفافية وهي عاجزة عن إقناع المواطنين بكيفية اختيار مرشحيها. تتحدث عن تجديد النخب بينما تعيد تدوير الوجوه نفسها منذ عقود. وتتحدث عن الشباب في الوقت الذي لا تمنحهم فيه سوى مقاعد المتفرجين.
ولعل أخطر ما يواجه الحياة السياسية اليوم هو ذلك الانفصال المتزايد بين الخطاب والواقع. فبينما يعيش العالم تحولات اقتصادية وتكنولوجية وجيوسياسية غير مسبوقة. ما زالت بعض الأحزاب تتصرف بعقلية تعود إلى عقود مضت. العالم يتحدث عن الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية والاقتصاد الأخضر والأمن الغذائي والتحولات المناخية. بينما ما زال جزء من النخبة السياسية غارقاً في حسابات انتخابية ضيقة وصراعات شخصية لا تعني المواطن في شيء.
وفي قلب هذه الأزمة يبرز سؤال الريع السياسي والاقتصادي. ذلك الشبح الذي يرفض مغادرة المشهد العام. فكيف يمكن الحديث عن المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص في ظل استمرار منطق الامتيازات والمحسوبية واستغلال النفوذ؟ وكيف يمكن إقناع الشباب بالانخراط في العمل السياسي وهم يشاهدون أحياناً أن النفوذ والعلاقات أهم من الكفاءة والاستحقاق؟
صحيح أن المغرب راكم مؤسسات رقابية مهمة. وصحيح أن تقارير الرقابة تكشف سنوياً اختلالات كبيرة في تدبير المال العام. لكن المواطن البسيط لا يقرأ الأرقام فقط. بل ينتظر النتائج. ينتظر أن يرى بوضوح أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد عبارة دستورية جميلة. بل ممارسة يومية يشعر بها الجميع دون استثناء.
إن المشكلة ليست في النصوص أو القوانين. بل في الإرادة السياسية والأخلاقية لتفعيلها. فكم من مسؤول رفع شعارات الإصلاح وهو جزء من المشكلة؟ وكم من منتخب وعد بمحاربة الفساد ثم انتهى به الأمر إلى التعايش معه أو الاستفادة منه؟ وكم من حزب تحدث باسم الشعب قبل الانتخابات. ثم اختفى صوت الشعب من قاموسه بعد الوصول إلى المناصب؟
لقد نبه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في أكثر من خطاب إلى ضرورة خدمة المواطن. وتحمل المسؤولية. وربطها بالمحاسبة. وإعطاء الأولوية للمصلحة العامة. وهي رسائل واضحة لا تحتاج إلى تأويلات معقدة. فالوطن لا ينتظر من الأحزاب أن تتقن فن الخطابة. بل أن تتقن فن الإنجاز. ولا ينتظر من المنتخبين أن يكونوا نجوم مهرجانات انتخابية، بل خداماً حقيقيين للمواطنين.
إن الوطنية ليست صورة على ملصق انتخابي. وليست شعاراً يرفع عند الحاجة. الوطنية هي أن يشعر المواطن بأن المنتخب يدافع عن مصالحه كما يدافع عن مصالحه الشخصية. الوطنية هي أن يصبح المنصب وسيلة لخدمة الوطن لا وسيلة لخدمة الحسابات الخاصة. الوطنية هي أن يكون السياسي أول من يحترم القانون لا أول من يبحث عن طرق الالتفاف عليه.
ومع اقتراب الانتخابات المقبلة، يجد المواطن المغربي نفسه أمام مسؤولية تاريخية. فالتصويت ليس مجاملة لأحد. وليس وفاءً لحزب أو لشخص. بل هو اختيار لمستقبل جماعي. وعلى الناخب أن يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً: ماذا قدم هذا المرشح أو ذلك الحزب بين انتخابين؟ ماذا أنجز؟ ماذا أضاف؟ وكيف دافع عن مصالح المواطنين؟
لقد آن الأوان لكي تتحول الانتخابات من سوق للوعود إلى فضاء للمحاسبة. آن الأوان لكي يدرك السياسيون أن زمن الخطابات الفارغة يقترب من نهايته. وأن المواطن أصبح أكثر وعياً وقدرة على التمييز بين من يخدم الوطن ومن يخدم مصالحه الخاصة.
المغرب اليوم أكبر من الحسابات الحزبية الضيقة. وأكبر من الصراعات الشخصية. وأكبر من سباق المقاعد والمناصب. المغرب يدخل عالماً جديداً يتطلب كفاءات جديدة ورؤى جديدة وعقليات جديدة. ومن لا يدرك حجم هذه التحولات سيجد نفسه خارج التاريخ مهما كانت شعاراته براقة.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم موجهة إلى المواطن المغربي: لا تمنح صوتك لمن يجيد الكلام. بل لمن يملك سجلاً من العمل والإنجاز. لا تصوت للوعود. بل للنتائج. ولا تجعل الانتخابات مناسبة لتجديد النخب الفاشلة. بل فرصة لتجديد الأمل في مغرب يستحقه جميع أبنائه.
فالأوطان لا يفسدها غياب الموارد بقدر ما يفسدها غياب المسؤولية، ولا يبنيها كثرة الشعارات بقدر ما يبنيها صدق الرجال والنساء الذين يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
Views: 26







