
عبد العزيز الخطابي

في زمن أصبحت فيه شركات الدواء إمبراطوريات عابرة للقارات. وأصبحت المستشفيات مصانع ضخمة لإدارة الأمراض أكثر من علاجها. ظهر اسم ضياء العوضي كواحد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في العالم العربي. لم يكن سياسياً ولا رجل دين ولا نجماً فنياً. بل طبيباً قرر أن يدخل في مواجهة مفتوحة مع جزء كبير مما يعتبره الناس حقائق غذائية مستقرة.
منذ سنوات. بدأ الرجل يطرح أفكاراً صادمة للرأي العام. لم يكتفِ بنقد الوجبات السريعة أو التحذير من السكر الزائد كما يفعل معظم المختصين. بل ذهب أبعد من ذلك بكثير. أعلن أن كثيراً مما يضعه الناس يومياً على موائدهم ليس غذاءً بل سبب مباشر للالتهابات والأمراض المزمنة. وقسّم الطعام إلى معسكرين متواجهين: “طيبات” و”خبائث”
هكذا تحولت المائدة العربية إلى ساحة معركة فكرية. الدجاج الذي يعتبره الملايين مصدراً صحياً للبروتين أصبح في نظره طعاماً يجب الحذر منه. البيض الذي تتغنى به كتب التغذية ورياضيو العالم أُخرج من قائمته الغذائية. الحليب ومنتجات الألبان التي رافقت الإنسان منذ آلاف السنين وُضعت في دائرة الاتهام. البقوليات التي تعتمد عليها شعوب بأكملها اعتبرها جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل.
كانت هذه الطروحات كافية لإشعال عاصفة من الجدل. فبينما رأى فيه آلاف المتابعين طبيباً شجاعاً يجرؤ على تحدي المنظومة الغذائية السائدة. اعتبره كثير من الأطباء نموذجاً خطيراً للتبسيط المفرط للعلوم الطبية والتغذوية.
لكن سر نجاح ضياء العوضي لم يكن في نظامه الغذائي فقط. بل في قدرته على مخاطبة خوف الناس من المرض. لقد قدم وعداً مغرياً للغاية: الوصول إلى ما سماه “صفر دواء” وهو شعار شديد الجاذبية في عالم يعيش فيه ملايين البشر على أدوية الضغط والسكري والكوليسترول وأمراض المناعة.
هنا تحديداً بدأ الصدام الحقيقي. فالنقاد رأوا أن فكرة “صفر دواء” ليست مجرد شعار تسويقي، بل رسالة قد تدفع بعض المرضى إلى التهاون في العلاج الطبي التقليدي. أما أنصاره فاعتبروا أن الرجل كان يدعو إلى معالجة الأسباب الجذرية للمرض عبر الغذاء لا إلى تجاهل الطب الحديث.
وبين المعسكرين ضاع النقاش العلمي أحياناً وسط الضجيج الإعلامي والانقسامات الحادة. فكل طرف كان يرى في الآخر تهديداً مباشراً. الأطباء التقليديون اتهموا العوضي بنشر أفكار تفتقر إلى الأدلة العلمية الكافية. بينما اتهمه مؤيدوه بأنه يدفع ثمن تحديه لمصالح اقتصادية ضخمة مرتبطة بصناعة الغذاء والدواء.
ومع تصاعد الجدل. دخلت المؤسسات المهنية على الخط. وانتهى الأمر بقرار شطب اسمه من سجلات مزاولة المهنة وإغلاق عيادته. في خطوة اعتبرها خصومه انتصاراً للمعايير الطبية. بينما رآها أنصاره محاولة لإسكات صوت مزعج للمنظومة السائدة.
غير أن أكثر فصول القصة إثارة لم يكن في حياته. بل في رحيله.
ففي لحظة بدا فيها الرجل في أوج حضوره الإعلامي. جاء خبر وفاته المفاجئة في دبي إثر جلطة قلبية بحسب التقارير الرسمية. وأكدت الجهات المختصة عدم وجود شبهة جنائية. لكن القصة لم تنته عند هذا الحد.
سرعان ما ظهرت أسئلة كثيرة غذّت الفضول الشعبي. لماذا انقطع التواصل معه قبل اكتشاف الوفاة؟ ولماذا تمسكت أسرته بإجراء مزيد من الفحوص والتشريح؟ وكيف تحولت وفاة طبيب إلى قضية رأي عام امتدت من مصر إلى مختلف الدول العربية؟
ربما لأن ضياء العوضي لم يكن مجرد طبيب تغذية. لقد أصبح رمزاً لحالة أوسع يعيشها العالم العربي: أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات الطبية. وبين المعرفة التقليدية والخطابات البديلة. وبين العلم كما تقدمه الجامعات والعلم كما يراه الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي.
لقد نجح الرجل. سواء اتفقنا معه أو اختلفنا. في تحقيق ما يفشل فيه كثيرون. جعل الناس يناقشون الطعام كما يناقشون السياسة والدين والاقتصاد. حوّل المطبخ إلى قضية فكرية. وأجبر الملايين على إعادة النظر في أبسط العادات اليومية.
ويبقى السؤال الذي لم يُحسم حتى اليوم: هل كان ضياء العوضي مصلحاً غذائياً سبق عصره؟ أم صاحب أطروحات جذابة تجاوزت ما تسمح به الأدلة العلمية؟
قد تختلف الإجابات، لكن المؤكد أن اسمه لم يعد مجرد اسم طبيب. لقد تحول إلى ظاهرة اجتماعية وإعلامية كشفت حجم القلق الذي يعيشه الإنسان المعاصر أمام المرض. وحجم استعداده لتصديق أي وعد بالخلاص من الدواء.
وهكذا رحل الرجل. لكن الجدل الذي صنعه ما زال حياً. فبعض الشخصيات تموت مرتين: مرة حين يتوقف قلبها. ومرة حين يتوقف الناس عن الحديث عنها. أما ضياء العوضي. فيبدو أن رحيله لم يكن سوى بداية فصل جديد من الأسئلة.
Views: 26







